اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
هذه ترجمة لمسرحية من المسرحيات التي تواكب العصر التكنولوجي الذي نعيش فيه، وقام بالترجمة اثنان من أساتذة الأدب الإنجليزي الأول هو الدكتور جمال الجزيري المترجم والناقد المعروف وأستاذ الأدب الإنجليزي في جامعة قناة السويس، والثاني هو الدكتور أشرف زيدان أستاذ الأدب الإنجليزي في جامعة بورسعيد، وهما لم يترجما هذه المسرحية عبثًا، فربما يريدان أن ينبهاننا إلى أن الأدب الرقمي حاضر بقوة في الأدب العالمي، وأن من غير المناسب ألا ينتبه له كُتّاب العربية وأدباؤها ونقادها، فلقد فرضت الآلة نفسها على الناس بشكل لم يسبق له مثيل، وأصبح الإنسان لا يخطو خطوة في يقظته ونومه دون أن يستعين بالآلة، ولعل مشهد الناس في كل مكان وهم يحملون الموبايلات في أيديهم وفي حقائبهم أو جيوبهم يكفي شاهدًا على ما نقول، ومن الناس من يحملون الموبايل واللابتوب معًا. وكنت أقرأ في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات من يدعون إلى إدخال الكومبيوتر في المدارس، وكان عبقري الكتابة الصحفية أحمد بهاء الدين يتمنى أن يعيش ليجد في كل مدرسة جهازًا واحدًا من أجهزة الحاسب. فانظر الحال اليوم وقد هيمنت الآلة على العقول والقلوب. وقريبًا سنجد في كل بيت إنسان آلي، وربما نجده في الغيطان والحقول والحدائق العامة والمطارات والشركات في هجمة شرسة للآلة لنفي البشر وإقصائهم تمهيدًا لفنائهم!!.
والمسرحية التي ينقلها هذان الأستاذان إلى العربية تضع أيدينا على حيرة أكبر في انتظارنا، وربما أصبحنا فيها دون أن ندري، إنها "الهيمنة الرقمية" كما يسميها المترجمان، و"الاستعمار الرقمي" كما أحب أن أسميها، إنها النقلة الاستعمارية الثالثة من الاستعمار العسكري الذي انتهى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، إلى النقلة الثانية من الاستعمار الاقتصادي والثقافي الذي نشهد نهايته في عصرنا الراهن تمهيدًا إلى النقلة الاستعمارية الثالثة: الاستعمار الرقمي. ولكن في هذا الاستعمار الرقمي الرهيب .. من يسيطر على من؟ ومن يحتل من؟ ولمن ستكون الكلمة العليا؟ سمعنا سفاح العصر نتنياهو يخاطب أشياعه بأنهم سوف يسيطرون على العالم من خلال المسيح الجديد !! ثم استدرك: مسيحنا الجديد هو الذكاء الاصطناعي!! والذكاء الاصطناعي معناه التكنولوجيا، وللتكنولوجيا سلطان، و"سلطان التكنولوجيا" مصطلح أطلقه الناقد والمؤرخ "بيري ميللر" (1905 – 1963)، وكان يتنبأ بهيمنة التكنولوجيا، فقد تنبأ منذ فترة طويلة بانتصار أديسون وفورد وجيتس وزوكربيرج على دعاة الحفاظ على البيئة والإنتاج الزراعي، التكنولوجيون هم قادة المستقبل. ولم يكن سفاح العصر يتحدث من بنات أفكاره، وإنما سبقه مستشبرون كُثر كانوا وما يزالون يروجون للجنة الموعودة التي ستحققها التكنولوجيا والرقمنة، عالم من الوفرة والطمأنينة والتفرغ لاقتناص الملذات التي حُرم منها الأنسان من العالم الافتراضي الموازي حسبما كتب عالم الحاسب الآلي في جامعة ييل "دافيد جلرنتر" يتنبأ بـ "المجيء الثاني للحاسب الآلي"، الجنة اللائحة في الأفق وإلى الأبد، جنة ليست من صنع السماء، وإنما من صنع الحاسوب وأصحاب الشركات في وادي السيلكون. يعدنا هؤلاء المغامرون بالرقمنة بالجنة الحاسوبية التي سوف تحررنا من القيود الجسدية، سيتمكن الجنس البشري من التعبير عن نفسه بكامل قوته في الثقافة والفنون والإبداع والفلسفة والاستكشاف والمغامرة. إنهم يعيدون تشكيل الثقافة لتناسب مصالحهم التجارية بالوعد بعالم الوفرة دون عمل أو حرمان.
لقد بدأ الناس يكرهون الواقع ويتمسكون بالعالم الافتراضي، ومقاولو وادي السيلكون يروجون للأيديولوجيات مع التكنولوجيا، إنهم يرون أن مشكلات العالم بدءًا من الفقر إلى الظلم والمرض والفناء ناشئة من المادية الفجة، وأن الدواء يكمن في العالم الافتراضي، بناء جنة عدن لا من الذرات وإنما من وحدات "البت" الحاسوبية. إن التكنولوجيين يضطروننا إلى الانسحاب والتقهقر، نتكالب على العالم الافتراضي لأننا بتنا نكره عالمنا الواقعي، لقد بتنا نكره إنسانيتنا. قالت ذلك الكاتبة "سوزان سونتاج" (1977) حين تحدثت عن "تبرم الأمريكيين من الواقع، وميلهم إلى الأنشطة التي يمارسونها من خلال الآلة". ومن قال إن الآلة لن تثور في وجهنا في يوم الأيام، أو على الأقل نعيش غرباء في الداخل كما يقول الشاعر "شيموس هيني" في قصيدة يسميها "انكشاف" .
نتذكر أيضًا نبوء أورويل في روايته المعنونة بـ "1984"، ونبوءة قسطنطين فرجيل جورجيو (1916 – 1992) في روايته المعنونة بـ: "الساعة الخامسة والعشرون" المنشورة في العام (1949) التي تنبأ فيها بسيطرة الآلة التي ستنزع من الإنسان إنسانيته، وتسلمه إلى الفناء في نهاية المطاف. يقول قسطنطين: "إن الإنسان سيصبح مغلولاً خلال سنين طويلة في المجتمع التقني، ولكنه لن يموت في الأغلال. فالمجتمع التقني يستطيع ابتداع رفاهية، ولكنه لا يستطيع خلق الفكر. ومن دون الفكر لا توجد العبقرية . ومجتمع محروم من رجال عباقرة مجتمع محكوم عليه بالفناء". إنه من المتفائلين، وربما كان ذلك ما قصدته مؤلفة مسرحية "انتصار الإنسان"، التي وصفها المترجمان بأنها "تراجيدية رقمية" أو مأساة حاسوبية، وربما كان معهما الحق في هذا التسمية، فحسب قوانين التراجيديا الصراع واضح في هذا العمل بين الإنسان والآلة، وربما كان العيب المأوساوي هنا هو سذاجة الإنسان أمام زحف الآلة وإغراءاتها ووعودها الوهمية، وهي الخديعة نفسها التي وقع فيها بطل تراجيدي مثل "ماكبث" أو "عطيل" أو "يوليوس قيصر"، أو "فاوست" أو حتى الملك لير.
إن "تالنتي" ترى أن المستقبل للإنسان مهما كره الكارهون التكنولوجيا، فقد كره التكنولوجيا أناسٌ قبلهم، وأن "جوتنبرج" نفسه مخترع المطبعة عندما أخذ بعض النسخ من الكتاب المقدس الذي طبعه في مطبعته الحديثة هدية إلى البلاط الفرنسي اتهموه بالسحر وسُجِن بدلاً من مكافأة مستحقة لتيسيره الطباعة نشر المعرفة. فالمستقبل للكتنولوجيا، ولكن الإنسان الخالد لن يكون خالدًا إلا إذا سعى إلى الظفر بالخلود بقواعد الخلود وهي الاجتهاد والجهاد، وإذا كان العالم الغربي قلقًا من هيمنة التكنولوجيا، فلنا نحن في العالم الثالث أن نقلق أكثر من هيمنة التكنولوجيا من جهة، ومن هيمنة المهيمنين على التكنولوجيا من جهة أخرى.
تحية من القلب خالصة للمترجمين اللذين بذلا من الجهد في الترجمة والمراجعة ما يستحقان عليه الشكر والامتنان. وربما يستحقان الشكر أيضًا لأنهما بهذه الترجمة قد فتحا بابًا في ترجمة الأعمال الأدبية التي تتخذ موضوعها التكنولوجيا وما سوف تفعله في المستقبل.
أ.د/ احمد الشيمي
كلية الألسن – جامعة بني سويف