اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
واستوطن المنطقة وافدون جدد جاءوا مع هذه الحملات من عرب وأعراب وزنوج. ونتيجة لهذه الصراعات استقل كل قصر وكل دشرة علي حدى تحت إشراف شيوخ وأمراء واعيان وإشراف. واصدق من عبر عن هذه الفترة العلامة عبد الرحمان ابن خلدون حين قال: «لما تفرقت جماعتهم للتنازع في الرئاسة _ استقلت كل منهم بقصور أو بواحة ولقد كانت فيما يقال أكثر من هذا العدد أضعافا وان ابن غانية حين كان يجلب على أفريقيا والمغرب في فتنة مع الموحدين عام 597 هجري خراب عمرانها واجتث نخيلها وغور مياهها…» وبقي الإقليم إلى غاية القرن الخامس عشر ميلادي يعيش التشرد والانفصال والفوضي العارمة إلى أن عاد إليه الاستقرار والتوحد تحت راية بني يوسف الدواودة باستثناء قصر تماسين الذي ظل منفصلا عن تقرت تحت حكم بني إبراهيم الريغيين. ولكن الوضع لم يستمر على هذا الحال إذ وبعد دفع الجزية ومحاولة الانفصال عن الدولة الحفصية بتونس سنة 1439م أبا عمر عثمان السلطان الحفصي مهاجمة عاصمة الإقليم في عهد يوسف بن الحسن وبذلك انتهى عهد الاستقرار وعادت الفوضى لتعم من جديد ولم يستقر الحال إلا مع مجيء رجل يدعي محمد بن يحي الريغي دفين تقرت من قبيلة ريغة من سطيف *1 وتزعمه إقليم وادي ريغ وسوف بعد القضاء على الخلافات التي كانت قائمة بين الشيوخ واعيان القصور الذين تمكن استمالتهم إليه وأصبحوا يمثلونه في قصورهم بما اشتهروا به من صلاح ورجاحة الرأي منهم خليل بن سالم.عمران بن محمد.راشد بن حامد. مبارك الصايم ويحي بلقاسم وسليمان بالحاج وأحمد السايح وغيرهم، وعم على إثر ذلك الأمن والهدوء بفعل تأسيس المسجد الذي حمل اسم مؤسسة سلطان واد ريغ سيدي محمد بن يحيى، الذي هو عبارة عن دار للخلافة كما أسماه الشيخ عبد الحميد قادري، يجتمع فيه الأعيان والقضاة للفصل في الخلافات وتدارس الأمور، وبذلك انمحت الفوارق، وأزدهر الإقليم بعد أن تمكن السلطان من عقد الصلح بين قبائل العرب التي كانت تجوب الإقليم بأكمله لحراسته وحمايته بما تميز به من فراسة وركوب الخيل، منها السلمية والدراسية والرحمانية وأولاد مولات وسعيد أولاد عمر وشعانبة وداي سوف والفتايت وغيرهم حتى أصبحت المنطقة وجهة للقوافل التجارية ومحطة أساسية لعبور الحجيج القادمين، سواء من الجنوب أو من الغرب والذين راق لكثير منهم الاستقرار بها وتعميرها. وبذلك عرف الإقليم توافد أعداد كبيرة من الناس لاسيما التجار القادمين من المغرب الأقصى وما كانوا يجلبونه من أصداف وجلود وأواني نحاسية واستبدالها بما تنتجه المنطقة من تمور وما إلى ذلك من المنتجات، التي يحتاج إليها الحجاج في طريقهم إلى البقاع المقدسة والعودة منها. وفي هذه الظروف ظهرت أسرة بني جلاب ذات العطاء السخي بما أنعم الله عليها من بسطة الرزق، لقد كان أفرادها يتاجرون مثل غيرها من العائلات المغربية في الأصواف، وزيت الزيتون والنحاس والجلود والزرابي ومختلف المواد المنتجة بالمغرب، وكان يرأس هذه الأسرة رجل اتسم بالورع والعلم والكرم والتصدق من أملاكه في كل ذهاب أو عودة من البقاع المقدسة، إنه الحاج سليمان المريني، من أسرة بني مرين بمملكة فاس، الذي أغدق على أهالي الإقليم بعطاياه وذلك كان يفعل اتباعه حتى انهم كانوا يقرضونهم دون أن يلحوا عليهم في طلب تسديد الديون المترتبة على ذلك ومع مرور الوقت كثرت الديون في آخر عهد السلطان سيدي محمد بن يحي الذي دله ورعه وتقواه إلى خطة محكمة تجنب الرعية خطر اليهود، الذين بدأوا يستغلون هذه الظروف لصالحهم بعرض أموالهم التي جنوها من تجارة الذهب للاستدانة والتحكم في رقاب الناس، بفعل تنامي الديون والربى، ومن ثم يحتمون عليهم التنازل لهم عن أملاكهم، من نخيل ومنازل وحيوانات ويجردونهم من كل شي، بما في ذلك حرياتهم الشخصية، وللحيلولة دون ذلك ومع تنامي خطر الفقر والجفاف، الذي يكون قد أصاب الإقليم في تلك الفترة–منتصف القرن الخامس عشر ميلادي-عمد السلطان سيدي محمد بن يحي، بعد استشارة الأعيان وكبار المنطقة، إلى التضحية بمقاليد المشيخة إلى سليمان المرني، مقابل تنازل عشيرته، الأسرة المرينية الفاسية، عن مستحقاته من ديون لدى الأهالي، ومواجهة جشع اليهود بتسديد ما على الناس من أموال تجاههم. وقد عبر عن ذلك شارل فيرو بقوله كانت بوادي ريغ وسوف جماعة يرأسها محمد يجتمعون عند الرئيس محمد بن يحي فيقررون ما يهمهم –كل يدلي بما تحتاجه قريته ثم يفترقون، وحين هلك رئيسهم المذكور ولم يستطع خلفاؤه ما كان يقوم به من مصالح وطنهم، انسحبوا من الميدان وهاجروا إلى شمال البلاد، وكان الولاء التام لهذه الآسرة تحت مشيخة سليمان المريني الجلابي منذ سنة 1445، وتولى من بعده أولاده وأحفاده طيلة قرابة أربعة قرون ونصف بدون انقطاع. ومن ثم بقي الحكم في أيدي بني جلاب، الذين عملوا على تثبيت مذهبهم المالكي مقابل الأباضي الذي عرف تراجعا كبيرا، كما تمكنوا من استرجاع الأمن والطمأنينة بعد تنظيم أمور المملكة حيث قام الشيخ سليمان بتكوين جيش من قبائل أولاد مولات وسعيد أولاد عمر وأولاد السايح، تمكن بواسطته من مد نفوذ المشيخة في بعض الحالات إلى غاية نفطة بتونس شرقا وأولاد جلال في الشمال المغربي في بداية عهد الجلالبة عرف إقليم وادي ريغ ازدهارا ثقافيا وعلميا واقتصاديا كبيرا، إذ تم جلب أصحاب الحرف والصناعات اليدوية، كما شيدت المساجد والقصور ومن أشهرها المسجد الكبير بتقرت ذي القبة المنمنمة بالفسيفساء، والمنبر الذي جلب من تونس وقد نقش عليه تاريخ صنعه وبعض الآيات القرآنية وبذلك تشير بعض المصادر التاريخية إلى ازدهار الإقليم، بفعل بناء وتشييد المساجد والمدارس القرآنية، وتطور العلم بشكل، كبير حتى أصبحت هذه المساجد تمثل مراكز للإشعاع الحضاري والفكري، عمرها العلماء والمدرسون.