اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
في اليوم الثاني الجمعة 14 شعبان 15 هـ الموافق (17 نوفمبر 636)، أصبح المسلمون على تعبئة واستعداد لاستئناف القِتال، ومنازلة الفرس في يوم أغواث، وقد بدأ المسلمون يومَهم بنقْل شهدائهم إلى وادي مشرق ودفنهم في مقابر هُيِّئت لهم، ونقل الجريح إلى مكان هُيِّئ لعلاجِهم، وصلت رسالة من أبي عبيدة بن الجراح - أمير الجيوش الإسلامية في الشام- بعد أن انتصر على الروم في موقعة اليرموك؛ فقد كتب له عمر بن الخطاب أن يرسل مددًا من الشام إلى العراق لنجدتهم، فأرسل أبو عبيدة 6,000 مقاتلٍ على مقدمتهم القعقاع بن عمرو التميمي، وكان هذا سببًا عظيمًا في فرحة المسلمين واستبشارهم بالنصر؛ لأن القعقاع من أفضل المقاتلين المسلمين، ومن أشدهم ضراوة، قال عنه أبو بكر الصديق: إن صوت القعقاع في الجيش أفضل من ألف رجل. وقال أيضًا: لَا يُهْزَمُ جَيْشٌ فِيهِمْ مِثْلُ هَذَا. فكانت هذه بشرى لجيش المسلمين، وكان على رأس الآلاف الستة هاشم بن عتبة بن أبي وقاص وهو ابن أخي سعد بن أبي وقاص، وعلى المقدمة القعقاع، وفي أول تباشير الصباح من اليوم الثاني وصلت الفرقة القَعْقَاعِيَّة، التي تتكوّن من ألف مقاتلٍ. لَمَّا وصل القعقاعُ بفرقته إلى ميدان المعركة كان القِتال قد نشب بين المسلمين والفُرْس، فقام القعقاع بمناورة عسكرية لرفْع الرُّوح المعنوية لدَى المسلمين، فقسَّم فِرقته إلى عشرة فرق صغيرة، قوامُ كلِّ فرقة مائة رجل تدخل ميدان المعركة مكبِّرة، فيكبر المسلمون بتكبيرها، تتابعتِ الفِرق في دخولها، واستمرَّتْ جلجلة التكبير، فازداد المسلمون ثباتًا وقوَّة، ووهن الفُرْس، وقد حذَا حذوَ القعقاع قادة مدد الشام جميعهم.
عندما نزل القعقاع إلى أرض القتال طلب المبارزة، فخرج له قائد قلب الجيش الفارسي بهمن جاذويه (ذُو الْحَاجِبِ) وكان على 20,000 مقاتلٍ، وبهمن هذا هو الوحيد الذي انتصر على المسلمين من قبل في موقعة الجسر، وقتل أبا عبيد بن مسعود الثقفي، وسليط بن قيس، فتبارزا وقتل القعقاع بهمن، وعندها حدثت هزيمة نفسية شديدة للفرس، وشعروا أن هذا اليوم يوم شؤم عليهم؛ فقد كانوا يتشاءمون ولا يتفاءلون على عكس المسلمين، فأراد رستم أن يغيَّر من نفسية الفرس، ويشد من أزرهم فأخرج للقعقاع بن عمرو البيرزان قائد مؤخرة الجيوش الفارسية (وكان على 24,000 فارسي)، وهو يقف بجيشه على ميمنة مهران رازي قائد الميسرة، وهو أحد القواد الخمسة العظام الذين تحت إمرة رستم مباشرة، وأخرج معه قائدًا آخر اسمه البندوان كان مرشحًا لخلافة بهمن جاذويه على القلب، فخرج مع القعقاع الحارث بن ظبيان، فبارز القعقاع البيرزان وقتله، وكذلك فعل الحارث بن ظبيان فقد قتل البندوان بضربة واحدة أيضًا.
ثم تقدم القعقاع يطلب المبارزة 30 مرةً في هذا اليوم؛ فقتل وحده في الكَرِّ والفَرِّ ثلاثين فارسيًا، وكل ذلك ولم يلتقِ الجيشان، واستمرت المبارزة حتى بعد صلاة الظهر في اليوم الثاني، ثم بدأ الفريقان يلتحمان مع بعضهما البعض في قتال شديد، وقد كان الالتحام في اليوم السابق من ناحية الفرس تجاه المسلمين، إلا أنه في هذا اليوم تقدم المسلمون ناحية الفرس، وضغطوا عليهم في بداية القتال عكس اليوم السابق، ثم استمر القتال بمنتهى القوة والشدة بين الطرفين من صلاة الظهر حتى منتصف الليل دون انقطاع.
خرج من الجيش الفارسي رجل يطلب المبارزة فخرج له علباء بن جحش العجلي فأصاب كل منهما الآخر في مقتل؛ فيضرب الفارسي المسلم في بطنه، فيقع على الأرض بعد أن ضرب الفارسي في صدره فقتله، وخرجت أمعاء علباء، فطلب من أحد المسلمين بجواره أن يساعده في ادخال أمعائه في بطنه، ثم قام فتوجه مرة أخرى إلى أرض المعركة ليستكمل القتال، ولكنه سقط شهيدًا بعد خطوات قليلة وهو يقول:
لم تظهر الفِيَلة في ميدان المعركة يومَ أغواث لانشغال الفرْس بإصلاح التوابيت ووضنها، التي أصابها ضررٌ بالِغ يوم أرماث. وكان هذا اليوم لصالح المسلمين بفضل الخدع الحربية التي قام بها القعقاع وغيره واستطاع القعقاع أن يبعد سلاح الخيل الفارسي من ميدان القتال ذلك أنه عمد إلى الجمال فألبسها خرقاً وبرقعها بالبراقع فصار لها منظراً مخيفاً عندما رأتها خيل الفرس نفرت وفرت هاربة وركب المسلمون أكتاف الفرس. فلحقتهم خسائر كبيرة، وعندها سدَّد المسلمون ضرباتٍ قوية لقوَّات الفرس، وقتلوا كثيرًا منهم.
كان للخنساء الشاعرة العربية حضور بارز مع أبنائها الأربعة في القادسية، وكانت تقول لهم:
وكان لأبي محجن الثقفي في يوم أغواث بطولةٌ وشجاعة، لكن حبسه سعد بن أبي وقاص في قصر قديس في مؤخرة الجيوش، ورفض أن يشركه في المعركة لأنه كان من المشاغبين في أول يوم. ولما اشتد القتال صعد حين أمسى إلى سعد يستعفيه ويستقيله، فزبره ورده. فأتى سلمى بنت خصفة، فقال: يا سلمى يا بنت آل خصفة، هل لك إلى خير؟ قالت: وما ذاك؟ قال: تخلين عني وتعيرينني البلقاء، فلله علي إن سلمني اللَّه أن أرجع إليك حتى أضع رجلي في قيدي، فقالت: وما انا وذاك! فرجع يرسف في قيوده، ويقول:
فحلَّتْ عنه قيوده، وحمل على فَرَس كان في الدار، وأُعطي سلاحًا، فخرج يركض حتى لَحِق بالقوم، فقاتل قتالاً عظيمًا، وكان يكبِّر، ويحمل على مَن أمامه من الفُرْس، فيقتله ويدقُّ صُلْبه، فلما صعد سعد فوقَ البيت؛ لينظرَ ما يصنع الناس، فنظر إليه سعد، فتعجَّب منه، ويقول: مَن ذلك الفارس؟ فلمَّا توقَّف القتال رجع أبو محجن، ورد السلاح، وجعل رجليه في القَيْد كما كان، فلمَّا علم سعد بقصَّته، حلَّ قَيْده، وقال: لا أَجْلِدك في الخمر أبدًا، فقال أبو محجن: وأنا والله لا أشربها أبدًا. وقد استمرَّ القِتال شديدًا إلى منتصف الليل، ثم توقَّف الفريقانِ عن القتال، وتحاجزوا. وقد سُمِّي هذا اليوم أغواث؛ لأنه جاء فيه الغوث من الشام على رأسه القعقاع بن عمرو، وكان في ذلك غوث شديد للمسلمين وكان النصر حليفهم. وسميت ليلة أغواث السواد.