اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
في اليوم الأول الخميس 13 شعبان 15 هـ الموافق (16 نوفمبر 636)، صاح سعد بن أبي وقاص رافعًا صوته قائلاً: الله أكبر! فكبر من ورائه المسلمون جميعًا، وتحفز المسلمون للقتال، ثم يكبر سعد التكبيرة الثانية فتصطف الصفوف، وتُرفَع السيوف من الأغماد، ويستعد الناس للقتال، ثم يكبر سعد التكبيرة الثالثة فتخرج كتيبة الفرسان أفضل مجاهدي المسلمين من ناحية القتال المهاري على أشد الخيول ضراوةً إلى ساحة القتال يطلبون المبارزة؛ ليحفزوا المسلمين وينشطوهم وتخفض الروح المعنوية للجيش المقابل عن طريق قتل أكبر عدد ممكن من الأبطال، وكان من أوائل من خرجوا من فرسان المسلمين للقتال ربيعة بن عثمان، وغالب بن عبد الله الأسدي، وعمرو بن معد يكرب، وعاصم بن عمرو التميمي، وكان أول قتال نشب بين ربيعة بن عثمان من قبيلة هوازن وأحد أشداء الفرس، وكان قتالاً شديدًا، وتقاتلا مدة كبيرة، وقتل ربيعة بن عثمان الفارسي بعد قتالٍ عنيف، وكان أول قتيل من الفرس في أرض القادسية فكبر المسلمون، وألقى الله الرعب في قلوب الفرس. وتقدم غالب بن عبد الله ليقاتل فخرج له هرمز، وكان ملك منطقة الباب في فارس بجوار بحر قزوين، فتقاتلا قتالاً شديدًا، وقتل هرمز في أرض المعركة وسلبه تاجه، فانهارت معنويات الفرس، وخُلِعَت قلوبهم من الرعب، وارتفعت معنويات المسلمين. وقام عمرو بن معد يكرب يتمشى بين الصفوف، وكان رجلاً ضخم الجثة، وكان من المهرة في القتال، فتقدم إليه رجل من الفرس ورماه برمح فوقع على درعه وسقط على الأرض، وكانت رماح الفرس من طولها يسمونها نشابًا، وتوجه عمرو بن معديكرب نحو الفارسي وحمل عليه حملة واحدة فخطفه من فوق فرسه، ورجع به إلى المسلمين، وألقاه على الأرض، وضرب رأسه بسيفه؛ فقطعها بضربة واحدة ثم أخذ رأسه وألقاها ناحية فارس، وأخذ سواريه ومنطقته، وحمل عاصم بن عمرو رابع الفرسان الذين تقدموا على رجل من أهل فارس، فترك هذا الرجل فرسه وهرب إلى الجيش الفارسي؛ ليحتمي بهم فأخذ عاصم فرسه وعاد به غنيمة إلى المسلمين.
بدأ الهجوم الفارسي بأمطار غزيرة من السهام على قبيلة بجيلة في الجناح الأيمن للجيش الإسلامي. ثم بدأت ستة عشر فيلا بالتقدم نحوها. ووجه قائد الجناح الأيمن لجيش المسلمين عبد الله بن المعتم أوامره لقائد سلاح الفرسان جرير بن عبد الله البجلي أن يواجه هذه الفيلة، لكن اعترضه سلاح الفرسان الساساني الثقيل. وتابعت الفيلة تقدمها، وبدأت قوات المشاة للمسلمين بالتراجع، وذعرت الخيول وفرت وتفرقت، وكادت بجيلة أن تفنى.
أرسل سعد أوامره للأشعث بن قيس الذي يقود سلاح الفرسان من ميمنة القلب لمراقبة تقدم فرسان الجيش الفارسي. ثم قاد كتيبة الفرسان لتعزيز فرسان الجناح الأيمن وشن هجمة مرتدة على الجناح الأيسر للجيش الساساني. وفي نفس الوقت أرسل سعد إلى قبيلة بني أسد في ميمنة القلب أن تغيث بجيلة.
خرج طليحة بن خويلد الأسدي وحمال بن مالك الأسدي وغالب بن عبدالله والربيل بن عمرو بكتيبة من مشاة ميمنة القلب ويرافقها هجوم فرسان من ميمنة القلب لمباشرة الفيلة. توجهت فرقة فارسية إلى عمق قطاع بجيلة وفي قطاع كندة أيضًا على يسار بجيلة، وعانت القبيلتان من السهام والسيوف الفارسية. لكن قبيلة أسد قامت وهجمت على فرقة الجالينوس لتذب عن بجيلة الرماح والسهام والسيوف الفارسية.
بعد هجمة قبيلة بني أسد وَجَدَ الهرمزان والجالينوس أن الهجوم يأتي من ناحية قبيلة أسد، فوجهوا القتال ناحيتها، وفي أثناء القتال قام الأشعث بن قيس في قبيلة كِنْدَة التي كانت على ميسرة الجيش الإسلامي، ليحث قبيلة كندة. فتحمست كندة، وخرج له أهل النجدة، وتحولت قبيلة كندة من الدفاع إلى الهجوم ضد القوات الفارسية لِتَذُبَّ عن قبيلة بجيلة وقبيلة أسد، والتفت القبائل الثلاثة حول الفرقتين الفرسيتين بقيادة الهرمزان والجالينوس، ولضيق المكان لم يتمكن الجيش الفارسي من الالتفاف حول الجيش الإسلامي، وكانت مشكلة الجيش الفارسي أن صفوفه كانت متكدسة في الطول، وعرضهم كان موازيًا لعرض المسلمين، ودارت رَحَى المعركة على قبيلة بجيلة وأسد، وقبيلة كندة التي كانت تحاول مساعدة المسلمين.
أمر رستم الجناح الأيمن وميمنة القلب للتقدم. وتعرض الجناح الأيسر وميسرة القلب الجيش الإسلامي لرماية مكثفة. ومرة اخرى تتقدم الفيلة. وتسبب الذعر لخيول المسلمين في الجناح الايسر وميسرة القلب مما أدى إلى تقهقر الميسرة من جيش المسلمين.
تعجب سعد بن أبي وقاص لما رأى الأفيال من فوق القصر وأنها فوق طاقة المسلمين، فنادى على عاصم بن عمرو التميمي الذي يقود ميسرة القلب وقال له: ألا لك في الفيلة من حيلة؟ فقال: بلى والله. فانتخب عاصم أفضل فرقة من قبيلة تميم، وكانوا من أفضل القبائل رميًا بالسهام، وبدأت هذه الفرقة برمي قائدي الفيلة بالسهام، فكان كل فيل حاملاً تابوتًا كبيرًا عليه أكثر من قائد، وقسَّم عاصم من معه إلى فرقتين: فرقة ترمي قُوَّاد الفيلة بالسهام، والأخرى تندس داخل الجيش الفارسي لتقطع أحزمة التوابيت التي فوق الأفيال، وكانت فكرة عاصم أن تفقد هذه الفيلة توجهها لتتجه نحو الجيش الفارسي. واستطاعت هذه الفرقة أن تصيب طائفة كبيرة من قواد الأفيال، واستطاعت الفرقة التي اندست في الجيش الفارسي أن تقطع أحزمة توابيت الأفيال، وكلما وقع تابوت تقدموا إليه وقتلوا من فيه، وحدث ذلك في معظم التوابيت الثلاثة عشر.
انطلق المسلمون ناحية الجيش الفارسي، ويتقدم كذلك الجيش الفارسي وتلتحم الصفوف، واشتدت رحى الحرب دورانًا، وكانت المعركة على أشدها، وبدأت قبيلتي أسد وبجيلة في دفع بهمن جاذويه إلى الخلف، وكانت مرحلة لم يفكر المسلمون في الوصول إليها، فقد كانت البداية شديدة على قبيلتي أسد وبجيلة، حتى استطاع عاصم أن يرد بأس الفرس شيئًا ما. وبعد هذا الأمر يستمر القتال بين الفريقين ما بين قاتل ومقتول من الناحيتين حتى بعد غروب الشمس بقليل، وفي هذا الوقت كانت الجيوش لا تقاتل ليلاً، ونهكت قوى الفريقين وكان القتال في غاية الشدة، واستمر القتال حتى دخل وقت صلاة العشاء، فبدأ الفريقان بترك أرض القتال كلٌّ منهما عائدًا إلى مكانه قبل صلاة العشاء في أول الأيام، وكان يوم القادسية 13 شعبان 15 هـ، وسمِّيَ هذا اليوم بيوم أرماث، واختلف الرواة في سبب تسمية هذا اليوم بهذا الاسم، لكن بالعودة إلى معنى الكلمة يتضح الأمر شيئًا ما؛ فمعنى كلمة أرماث اختلاط الشيء بالشيء، وكان الأمر مختلطًا في ذلك اليوم على الفرس وعلى المسلمين، ولا نستطيع الجزم بانتصار المسلمين أو انتصار الفرس، وأدرك المسلمون قوة الفرس، فإن المسلمين قد اعتادوا في المعارك السابقة انتهاء المعركة في يوم واحد وقبل الظهر، لكن هذه المعركة لم تتحقق فيها نتيجة حتى بعد غروب الشمس، وإن كانت الغلبة ظاهرة في هذا اليوم في صف الفرس إلى حد ما. لم يقع قتال بين الفريقين في هذه الليلة وسميت بليلة الهَدْأَة. وقتل من بني أسد 500 رجل، فقال عمرو بن شأس الأسدي: