اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
أيها القارئ العزيز،
في وطنٍ تتفاوت فيه المراتب كما تتفاوت الظلال على جدارٍ واحد، تُولد الحكايات من رحم الألم، ويصبح الحبّ مغامرة في وجه الأعراف.
نشأتُ في بيت قبلي عريق، لكنّي لم أؤمن يومًا بأن قيمة الإنسان تُقاس باللقب أو النسب. ما آمنت به حقًا هو أن الظلم واحد، وأن التمييز جرحٌ لا يليق بأرضٍ تنجب الكرامة.
رواية “الوجع المقدس” ليست مجرد قصة عشق مستحيلة، بل صرخة إنسانٍ تواجه قلوبه مجتمعًا يوزّع الكرامة كما يوزّع الألقاب. في اليمن — حيث تتنفس الجبال الكبرياء وتختبئ الفوارق خلف عباءة التقاليد — يعيش الناس في عالم من التصنيفات التي لا ترحم: سيّدٌ وشيخٌ ومزين، قبليٌّ وهاشميٌّ ومجرد اسم.
وفي بلادٍ أنهكها التاريخ وورّث أبناءها سلالات من الألقاب والقيود، تولد الحكايات أحيانًا من وجعٍ لا يُرى. لكن خلف تلك الجدران الصامتة، هناك قلوب تتوق إلى الحرية، تبحث عن إنسانيتها المفقودة، وتؤمن بأن الحب وحده قادر على كسر السلالات.
رغم انتمائي لأسرة قبلية كبيرة، إلا أنني أرفض أن يُصنَّف البشر كطبقات، أو أن تُختزل مكانتهم في لونٍ أو لقبٍ أو سلالة. فالحياة لا تزدهر إلا حين نكسر أسوار التمييز ونرى بعضنا بعيون العدالة.
حين شرعت في كتابة هذه الرواية، لم يكن هدفي مجرد سرد قصة حب تقليدية، بل كانت الرغبة أعمق: أن أضع مرآة أمام المجتمع والإنسانية، مرآة تعكس الوجه الحقيقي للتمييز والطبقية، وتكشف ثمن القلوب المحاصرة بين الحب والعادات، بين الحرية والأعراف.
الوجع المقدس ليس مجرد عنوان، بل شعور يسكن كل قلب يتألم من قيود المجتمع، من تهميش الإنسان بحجّة الدم والنسب، ومن رفض الحب لمجرد أنه لا يتوافق مع خطط العائلات أو طبقاتها.
أسامة ورهف، بطلا الرواية، ليسا مجرد شخصين يقعان في الحب، بل هما رمز لكل إنسان يرفض أن تُسجن مشاعره، لكل قلب يقاوم قوانين البشر التي تخنق الإنسانية. هما صرخة في وجه أعراف ظالمة وشعلة في طريق الحرية الذي يسير فيه كل من يجرؤ على أن يحب دون خوف.
وإن كنت واحدًا من أبناء المشائخ ومن أكبر القبائل اليمنية، فإن قلبي يأبى أن تُقسَّم أرواح الناس بالألوان أو الألقاب أو الأنساب. فكرامتي لا تكتمل إلا حين أرى الإنسان إنسانًا، لا سلالةً ولا طبقة.
كتبت هذه الرواية بأسلوب يجمع بين العمق النفسي للراوي الداخلي، والصورة الاجتماعية الواقعية للراوي العليم، لتكون القلوب قادرة على رؤية الألم، وللعقول أن تفكر في الظلم، وللأرواح أن تلمس الأمل الذي ينبثق من بين الحطام.
لقد حرصت أن تكون الكلمات حقيقية وملموسة، لكنها شاعرية في الوقت ذاته، ليشعر القارئ بكل نظرة، بكل لمسة، بكل كلمة حب ورفض وصراع، كي يصبح جزءًا من الحكاية، لا مجرد متفرج على مشهد عابر.
في النهاية، هذه الرواية دعوة لكل قلب محاصر أن يجد شجاعته، لكل روح مكبوتة أن تنبض بالحرية، ولكل عقل يرى الظلم أن يرفضه، ولكل مجتمع يقيد الحب أن يفتح نافذته للإنسانية.
الوجع هنا مقدس، ليس لأنه ألم بلا سبب، بل لأنه يحوّل الألم إلى درس، والخوف إلى شجاعة، والحظر إلى تمرد.
وأتمنى أن تصل هذه الكلمات، هذه المشاعر، وهذه الصفحات إلى قلبك، لتشعر بأن الحب والحرية أسمى من كل قيود.
د
زايد المنتصر