اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
يؤكد التاريخ دائما أن الدول الكبرى ذات الحضارة العريقة غالبا ما تخرج من مصاعبها أقوى بكثير مما كانت عليه. وهذا ما ينطبق على حالة الهند مثلما يرى الدكتور أحمد القاضى فى مؤلفه الجديد الذى حمل عنوان "الهند.. أحزاب وحكومات"، وهو الكتاب الذى حشد له المؤلف، الأستاذ فى اللغة الأردية ومستشار مصر الثقافى لدى الهند خلال الفترة بين عامى 2014 و2016 والحاصل على جائزة النهوض باللغة الأردية فى مصر، الكثير من المعلومات التى مكنته من تقديم صورة بانورامية لحالة الهند السياسية منذ الاستقلال عام 1947 وحتى عام 2017.
فقد لاحظ المؤلف أن معظم الدول اتحدت تحت راية لغة وعقيدة واحدة، أما الهند "بلاد العجائب" فقد فعلت العكس؛ فلم تعطِ أى امتياز "نظريا" لعقيدة أو لغة على الرغم من الغالبية الهندوسية التى تتكون منها البلاد، وهو الأمر الذى جعل العلمانية الهندية صورة للفشل الممزوج بالنجاح على حد قول الكاتب.
فعندما استقلت الهند عن بريطانيا فى أغسطس عام 1947، تولى نهرو رئاسة الوزراء، ودون مقدمات وبشكل مفاجئ قررت بريطانيا سحب قواتها بعد قرون من استعمارها البلاد، وهو القرار الذى أحدث حالة من الفوضى أدت إلى سقوط ضحايا بالملايين فى عدة مناطق بشبه القارة الهندية.
ولكن الهند استفادت كثيرا من شحن ما تيسر لها من طاقة بشرية للوصول إلى مصاف الدول ذات الاقتصاديات البازغة الكبرى، والطريق مازال طويلا حتى يتم تحويل ثانى أكبر شعب فى العالم من حيث التعداد (أكثر من مليار وثلاثمائة مليون نسمة) إلى شريحة مستوى المعيشة المتوسط المرتفع.
المهم فى الرؤية البانورامية التى قدمها القاضى فى مؤلفه أن الهند ذات "الحضارات" العريقة (فهى ليست حضارة واحدة) لم يكن طريق وحدتها الحديث فى عام 1947 مفروشا بالورود، بل كان طريقا مليئا بالعقبات والحواجز وبالدم والأنقاض، وتحول الدين إلى قومية والجغرافية إلى عصبية بالإضافة إلى الفساد. ولكن يتم تخطى تلك العقبات والحواجز بصلابة الشعب وميله إلى التسامح والبعد قدر المستطاع عن العنف والتركيز على هدف أبرز وهو تأمين البقاء والاستقرار والنمو استنادا إلى أعمدة رئيسة هى "سر الهند" الحقيقى الذى يحقق تماسكها، وهى: الجيش القوى المحترف البعيد عن السياسة، والاهتمام بالتعليم والعلم، بالإضافة إلى بذل أقصى الجهد فيما يتعلق بتحقيق ما يتيسر من الحريات الفردية؛ إنها الأعمدة اللازمة لدولة قوية فى أى زمان ومكان.