اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
شكلت من مجموعة السودانيين في عام 1938 م، مؤتمر الخريجين الذي نادى بتصفية الاستعمار في السودان ومنح السودانيين حق تقرير مصيرهم. وفي عام 1955 م، بدأت المفاوضات بين حكومتي الحكم الثنائي إنجلترا ومصر بشأن تشكيل لجنة دولية تشرف على تقرير المصير في السودان. وضمت كل من باكستان والسويد والهند وتشيكوسلوفاكيا (جمهورية التشيك وسلوفاكيا حالياً) وسويسرا والنرويج ويوغوسلافيا السابقة. واجتمع البرلمان السوداني في عام 1955م، وأجاز 4 مقترحات حددت مطالب البلاد وهي:
تم تأجيل مطالب الجنوبيين على أنه سيتم وضع الاعتبار لحكومة فيدرالية للمديريات الجنوبية الثلاث (بحر الغزال وأعالي النيل والاستوائية) بواسطة الجمعية التأسيسية. واجمع البرلمان على الاستقلال وعلى أن يصبح السودان دولة مستقلة ذات سيادة. وترتب على الرغبة في الحصول على اعترافات سريعة بالاستقلال اختيار لجنة من خمسة نواب أحدهم جنوبي بواسطة البرلمان لتمارس سلطات رأس الدولة بموجب احكام دستور مؤقت يقره البرلمان حتى يتم انتخاب رئيس للدولة بمقتضى احكام دستور دائم. وفي الساعة الحادية عشر صباحا من يوم الأحد أول يناير / كانون الثاني 1956م، تم إنزال علمي الحكم الثنائي البريطاني والمصري من سارية سراي الحاكم العام (القصر الجمهوري، لاحقا) ليرتفع في اللحظة نفسها علم جمهورية السودان ويشهد بميلاد دولة جديدة، أمام حشد كبير من السودانيين.
وإنضم السودان إلى جامعة الدول العربية في 19 يناير/ كانون الثاني 1956 م، وإلى هيئة الأمم المتحدة في 12 نوفمبر / تشرين الثاني 1956 م، وهو من الدول المؤسسة لمنظمة الوحدة الأفريقية في 25 مايو/ أيار 1963 م، وفي الإتحاد الأفريقي الذي خلفها في يوليو / تموز 1999 م.
لم يتم الاتفاق في الفترة التي سبقت الاستقلال وما بعدها على نمط معين من الحكم وكانت الساحة السياسية تسودها عدة تيارات حزبية إبان الاستقلال:
ووجدت إلى جانب هذه التيارات الرئيسية تيارات أخرى كالليبراليين والمستقلين والإخوان الجمهوريين (الحركة التي أسسها محمود محمد طه) والقوى السياسية الإقليمية المختلفة وعلى رأسها القوى السياسية الجنوبية.
بعد انتهاء الفترة الانتقالية حدث فراغ دستوري لأن الاستقلال ألغي دستور الحكم الذاتي المعمول به آنئذ. كما أن منصب رئيس البلاد الذي شغله الحاكم العام البريطاني أصبح شاغرا بعد الغائه مع إلغاء اتفاقية الحكم الثنائي، ولذلك تم تعديل دستور الفترة الانتقالية ليوائم فترة ما بعد الاستقلال على أن يعمل به بشكل مؤقت لحين إقرار دستور جديد دائم. وكانت الحجة الرئيسية للتعجيل في ملء ذلك الفراغ هي الإسراع في الحصول على اعتراف الدول الأخرى باستقلال السودان وأن أقصر الطرق لذلك هي تعديل قانون الحكم الذاتي، أهم ما نص عليه الدستور المؤقت هو تكوين مجلس رئاسي عالي باسم مجلس السيادة ليكون السلطة الدستورية العليا وتؤول إليه قيادة الجيش.
فشلت الأحزاب السودانية بتياراتها المختلفة في الاتفاق على أية صيغة توفيقية بينها حول نظام الحكم والدستور واستمر الخلاف لعدة سنوات بعد الاستقلال واخفقت في حل مشكلة جنوب السودان، أدى إلى تدخل الجيش لإقصائها من الحكم، مستغلا السخط الجماهيري المتزايد بتأزم الأوضاع في البلاد.
كان استيلاءالجيش بقيادة الفريق إبراهيم عبود على السلطة في 17 نوفمبر/ تشرين الثاني 1958 م، أول ضربة لنظام التعددية الحزبية في السودان. وبغض النظر عن كيفية مجيء الجيش، وفيما إذا كان ذلك بدعوة من أحد الأحزاب أو بمباركة منها أو بتأييدها له وابداء استعدادها للتعاون معه، فإن عملية حل الأحزاب في حد ذاتها والإعلان عن مجلس عسكري لحكم السودان يدل على مدى عمق أزمة الحكم في السودان منذ البداية، فضلا عن أن خطوة الفريق عبود تلك، ولدت إحساسا لدى الرأي العام السوداني وهو أنه كلما تأزم الوضع في البلاد تتجه الأنظار نحو الجيش طلبا للخلاص من الأزمة. وهذا الإحساس هو الذي بنى عليه الحكم العسكري التالي المدعوم بحكومة مدنية تكنوقراطية، شرعية الاستيلاء على السلطة، خاصة لاسيما وأنه وجد تأييدا من قطاعات واسعة من الشعب فور وصوله إلى الحكم.
وبموجب الأمر الدستوري الخامس ضم المجلس الأعلى للقوات المسلحة برئاسة الفريق إبراهيم عبود تسعة أعضاء هم:
كما ضمت حكومة عبود إلى جانب العسكريين عددا من الوزراء المدنيين منهم أحمد خير وزيرا للخارجية وعبد الماجد أحمد وزيرا للمالية إضافة إلى جنوبي واحد هو سانتينو دينق الذي أوكلت إليه حقيبة الثروة الحيوانية.
ووجهت الحكومة الانقلابية بالمشكلة الدستورية ومشكلة الجنوب، وتأخر التنمية الاقتصادية في كافة مناطق السودان.
كانت البلاد عند الانقلاب تحكم بدستور مؤقت، هو صورة معدلة لقانون الحكم الذاتي الذي وضعته الإدارة الاستعمارية ورأت الحكومة بأن مشكلة الدستور يمكن حلها بالاهتمام أولا بالحكم المحلي. أي البدء بإرساء قواعد الديمقراطية على المستوى المحلي ونشرها بين الناس. فتم في أغسطس / آب 1959 م، تشكيل لجنة وزارية لدراسة نظام للحكم المحلي كخطوة أولى نحو صياغة نظام دستوري مناسب للسودان، وبناء على توصيتها صدرت ثلاث قوانين للحكم المحلي. وتم تأجيل صياغة دستور دائم للبلاد لتجنب نقل السلطة من المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي يترأسه الفريق عبود إلى برلمان منتخب.
وفيما يتعلق بمشكلة الجنوب فقد اعتمدت حكومة عبود الحل العسكري على نفس نهج الحكومة التي سبقتها، ، وعينت بعض السياسيين الجنوبيين في مناصب قيادية كتعيين سانتينو دينق وزيرا للثروة الحيوانية - الذي حافظ على منصبه في كافة الحكومات المتعاقبة في تلك الفترة لمدة عشر سنوات وذلك بسبب الخط المتشدد الذي كان يتخذه ضد الحركات الانفصالية في الجنوب. ويرى البعض أن مشكلة الجنوب لم تكن ضمن أولويات حكومة عبود. ولهذا فأنه لم يتقدم بأي طرح لحلها، ويستدلون على ذلك بأن الفريق إبراهيم عبود لم يشر أبدا إلى المشكلة في بيانه الأول يوم الاستيلاء على السلطة. إلا أن حكومة ثورة 17 نوفمبر (كما كان يطلق عليها آنذاك)، تبنت سياسة قطع الدعم الأجنبي الذي كان يتلقاه المتمردين من خلال شن حملة منظمة لوقف أنشطة الإرساليات التبشيرية المسيحية التي تم أتهامها بتأجيج النزاع وتوسيع هوة الخلاف وتغذية الاختلافات من خلال عمليات التبشير والتنصير في الجنوب.
تبنت الحكومة خططا تنموية شملت البنيات الأساسية مثل مد خطوط السكك الحديدية، والتوسع في قطاع الزراعة من خلال إقامة مشاريع تنموية صغيرة في الأقاليم لتنمية الأرياف والمناطق النائية. وتم إبرام اتفاقية جديدة مع مصر لتقاسم مياه النيل أدت إلى رفع حصة السودان إلى 11 مليار متر مكعب من المياه وذلك في إطار صفقة شملت بناء السد العالي في مصر والسماح بتدفق مياه بحيرة السد إلى داخل حدود السودان وإغراق حلفا القديمة.
ورغم هذه الإنجازات الاقتصادية واجهت حكومة عبود أزمة سياسية عميقة لم تمهلها طويلا للبقاء في الحكم. ففي عام 1963م، شهد جنوب السودان نشاطا سياسيا مكثفا من قبل المعارضة الجنوبية في المنفى ضد حكومة عبود. وبرز حزب سانو SANU (الاتحاد السوداني الإفريقي الوطني)، بزعامة جوزيف أدوهو كداعية إلى استقلال الجنوب، كآخر خيار في حالة رفض الشمال الاتحاد الفيدرالي كحل للمشكلة. لم تتم الاستجابة لمبادرة أدوهو، واستمر التصعيد من الجانبين مما أدى إلى اشعال نار الحرب الأهلية في الجنوب. ظهرت في سبتمبر / ايلول 1963 م، حركة الأنيانيا Anyanya (والكلمة تعني الأفعى السوداء السامة بلغة قبيلة المادي التي ينتمي إليها زعيم ومؤسس الحركة جوزيف لاقو) لتشن حرب عصابات في المديريات الجنوبية الثلاث (أعالي النيل، وبحر الغزال، والاستوائية) مما أدى إلى تدهور في الوضع الأمني فيها.
استغلت الأحزاب السياسية الوضع وجاهرت بمعارضتها لسياسات حكومة عبود من خلال تصريحات زعمائها وندوات كوادرها خاصة في الجامعات والمعاهد العليا. وانطلق الحراك الذي أجبر الفريق عبود على التنازل عن الحكم، من جامعة الخرطوم في الربع الأخير من شهر أكتوبر / تشرين الأول على إثر تعرض الشرطة لتجمهر طلابي محظور بإطلاق النار عليه فأردت أحد المشاركين فيه قتيلا ـ وهو الطالب أحمد القرشي طه، وتحول موكب تشييع جثمان القرشي إلى مظاهرة حاشدة حضرها عدد يقدر بحوالي 30 الف شخص، تبعتها مظاهرات مماثلة في مدن أخرى كبيرة بالبلاد. وأصبح القرشي فيما بعد رمزا وطنيا. عمت البلاد الفوضى والانفلات الأمني.
وتحت هذه الضغوط اعلن الفريق إبراهيم عبود عن استقالة حكومته وحل المجلس العسكري، ودخل في مفاوضات مع زعماء النقابات العمالية والمهنية وممثلي احزاب المعارضة والأكاديميين أفضت إلى تشكيل حكومة انتقالية برئاسة سر الختم الخليفة، إلى جانب بقاء الفريق عبود كرئيس للدولة والذي سرعان ما تخلي عن الحكم وحل محله مجلس رئاسي يتكون من خمسة اعضاء، تماما كما كان الحال قبل مجيئه إلى السلطة. وهكذا بدأت فترة الديمقراطية الثانية.
انتهى الحكم العسكري في أكتوبر/ تشرين الأول 1964 م، وعادت الحياة الحزبية للمرة الثانية إلى السودان. وكان أهم هدف المرحلة هو إعادة البلاد إلى الحكم المدني وحل المشاكل التي تسببت في عدم الاستقرار. رفضت الأحزاب التطرق إلى مسألة الدستور في المرحلة الانتقالية قبل أجراء الانتخابات العامة.
دخل البرلمان في هذه الفترة حركات أقليمية أخرى إلى جانب الحركات الجنوبية تمثل القوى الإقليمية خارج المركز أبرزها مؤتمر البجا في شرق السودان الذي حاز على عشرة مقاعد واتحاد جبال النوبة في جنوب كردفان في حين انقسم حزب الأمة إلى جناحين: جناح الصادق المهدي وجناح الإمام الهادي المهدي (عم الصادق)، وأتحد حزبا الطائفة الختمية تحت اسم الأتحاد الديمقراطي، ودخل حزب سانو الجنوبي المعارض البرلمان بخمسة عشر مقعد وجبهة الجنوب بعشرة مقاعد، فيما غاب اليساريون الشيوعيون عن البرلمان.
وعلى صعيد السياسة الخارجية نشطت حكومة محمد احمد محجوب عربيا، فاستضافت القمة العربية الرابعة في 29 اغسطس / آب 1967 م، عقب النكسة والتي عرفت بقمة اللاءات الثلاث.
انتخب الصادق المهدي رئيسا لحزب الأمة في نوفمبر 1964 م، واختلف مع عمه الإمام الهادي المهدي مما أدى للانشقاق المذكور في حزب الأمة، ضغط الصادق على رئيس الوزراء محمد أحمد محجوب للإستقالة حالما بلغ الصادق العمر القانوني المطلوب لرئاسة الوزراء، ثم تولى رئاسة الوزراء عن حزب الأمة في حكومة ائتلافية مع الحزب الوطني الاتحادي في 25 يوليو 1966 م- خلفا للسيد محمد أحمد محجوب الذي قاد جزء من عضوية حزب الأمة بالبرلمان للمعارضة.
أتهم الأخوان المسلمون عام 1965م أحد أعضاء الحزب الشيوعي السوداني بالإساءة إلى الإسلام في اجتماع عام. وقامت مظاهرات دعت إلى حل الحزب الشيوعي السوداني وانتهت بقيام الحكومة بطرح الموضوع في البرلمان الذي أجاز بأغلبية مشروع قرار يدعو إلى حل الحزب الشيوعي وحظر نشاطه وطرد نوابه من البرلمان بسبب ما ابداه الحزب من الحاد، وتعديل الدستور المؤقت على نحو يتيح تنفيذ القرار الذي لم يكن ممكنا في ظل الدستور المؤقت.
لجأ الحزب الشيوعي إلى المحكمة العليا وأثار دعوى قضائية ضد شرعية قرار الحكومة التي حكمت لصالحه يؤكد عدم دستورية قرار الحكومة وبطلانه، لكن حكومة الصادق المهدي تجاهلت حكم المحكمة العليا ومضت في تنفيذ قرارها. وفي يناير / كانون الثاني 1967 م، شارك الحزب الشيوعي في الانتخابات العامة تحت اسم الحزب الاشتراكي التفافا على قرار الحظر.
أبدت حكومة سر الختم الخليفة الانتقالية تسامحا في التعامل مع المعارضين الجنوبيين وضمت في عضويتها اثنين من أبناء الجنوب وأعلنت العفو العام عن المتمردين ودعت إلى مؤتمر حول المشكلة عرف بمؤتمر المائدة المستديرة الذي انعقد في مارس/آذار 1965 م، بمدينة جوبا بجنوب السودان بهدف ايجاد حل لمشكلة الجنوب. وكان موقف الجنوبيين من القضية أثناء المؤتمر تتنازعه رؤيتان: الاتحاد federation والانفصال separation.
كانت الرؤية الإتحادية تقوم على فكرة قيام دولتين: دولة شمالية وأخرى جنوبية. لكل منهما برلمانهاوسلطتها التنفيذية، إلى جانب كفالة حريتها في معالجة الأمور الاقتصادية والزراعية ومسائل التعليم والأمن، وأن يكون للجنوب جيش تحت قيادة موحدة للدولتين، وبذلك يصبح ما تدعو إليه هذه الرؤية أقرب إلى الكونفيدرالية، منه إلى الفيدرالية.
أما الجنوبيون الأكثر راديكالية في المؤتمر فقد كانوا يحبذون الحصول على حق تقرير المصير كتمهيد للاستقلال التام. وقاد هذا الاتجاه الزعيم الجنوبي أقري جادين رئيس حزب سانو في المنفى. أما الاتجاه الفيدرالي فكان بقيادة وليام دينق. لم يكن هناك أي حزب شمالي مستعد لمناقشة هذه الأفكار ولذلك لم تتخذ أية محاولات جادة في المؤتمر للتعامل معها بأي شكل كان. وكل ما كانت الأحزاب الشمالية تريد التفاوض حوله في ذلك الوقت هو الأعتراف بحق الجنوب في تشكيل إدارة إقليمية في إطار السودان الموحد. وهكذا وصل المؤتمر إلى طريق مسدود زاد من عدم الثقة بين الجنوب والشمال.
استعرت الحرب الأهلية في الجنوب، وبدأ الجنوبيون المعارضون للحكومة في تنظيم انفسهم واستدرار تعاطف المجتمع الدولي واستنفارالرأي العام في الجنوب. وتم تأسيس حكومة السودان الجنوبية المؤقتة في المنفى كجناح مدني لحركة الأنيانيا. ثم أعلن المتمردون عن تأسيس "جمهورية النيل"، فحكومة "جمهورية انييدي" في المنفى.
في صبيحة يوم 25 مايو / أيار 1969 م بثت إذاعة أم درمان بيانا للعقيد أركان حرب جعفر محمد نميري معلنا استيلاء القوات المسلحة السودانية على السلطة مجددا، وتم تكوين مجلسين هما:
كما ضمت الحكومة اثنين من المثقفين الجنوبيين هما جوزيف قرنق، برلماني ورجل قانون، وعين وزيرا للتموين، والقاضي أبيل الير وأصبح وزيرا للإسكان.
وضحت منذ البداية توجهات الحكومة الجديدة اليسارية حين ضمت في تشكيلتها عددا كبيرا من الشيوعيين واليساريبن البارزين والقوميين العرب. شكل أنصار الحزب الشيوعي قاعدة شعبية لها، فيما تولت المنظمات التابعة له دعم النظام الجديد-الذي عرف لاحقا بنظام مايو- وحشد التأييد الشعبي له.
ركزت البيانات الأولى للحكام الجدد على فشل التجربة الديمقراطية ذات الأحزاب المتعددة في السودان في حل مشكلات السودان الثلاثة: التنمية والجنوب والدستور الذي شله الصراع الحاد بين دعاة العلمانية والدولة الدينية. وأعلنت حكومة نميرى الحرب على الأحزاب التقليدية وفي مقدمتها حزب الأمة والإتحادي الديمقراطي ووصفتها بالإقطاع. ونال حزب الأمة خاصة، جناح الأمام الهادي المهدي العقاب الأكبر، حيث تمت مصادرة أمواله وإتهام قادته بالتأمر على الدولة، وقتل زعيمه الهادي المهدي أثناء محاولة الفرار إلى إثيوبيا بعد تمرد مسلح بالجزيرة أبا.
بدأت الخلافات تطفو على السطح داخل المعسكر اليساري، خاصة بين الشيوعيين والقوميين العرب والناصريين حول الرؤى والتصورات التي يجب أن يأخذ بها النظام في تعاطيه مع مشاكل السودان. ورفع القوميون العرب شعار الدين في وجه الشيوعية مطالبين بالاشتراكية العربية المرتكزة على الإسلام في مواجهة الاشتراكية العلمية
دب الانقسام بين الشيوعيين الراديكاليين واليساريين الوسط داخل الحكومة. وفي محاولة لحسم هذا الخلاف لصالحهم، حاول الشيوعيون الانقلاب على النميري. ولم يستمر انقلابهم الذي قاده الرائد هاشم العطا (العضو السابق في مجلس قيادة الثورة) في 19 يوليو / تموز 1970 م، أكثر من ثلاثة أيام عاد بعدها جعفر نميري مجددا إلى السلطة محمولا على أكتاف مناصريه، وقام بتشكيل محاكم عرفية أصدرت أحكاما بالإعدام على قادة الحزب الشيوعي السوداني ومن بينهم عبد الخالق محجوب سكرتير عام الحزب وجوزيف قرنق، عضو الحزب والوزير الجنوبي بالحكومة.
في المجال الأقتصادي تبنت حكومة نميري سياسة تأميم البنوك والشركات التجارية الكبيرة في البلاد وتحويلها إلى القطاع العام. كما قامت لاحقا بتشييد شبكة من الطرق بين المدن وتعاقدت مع شركة شيفرون الأمريكية للتنقيب عن النفط في كردفان وجنوب السودان وهو مشروع لم يكتمل آنذاك لدواعي، أمنية تماما كمشروع حفر قناة في ولاية جونقلي لتحويل مسار بحر الجبل وتفادي منطقة السدود بغية زيادة مياه نهر النيل. كما أحدثت تغييرات شملت قطاعات أخرى كالتعليم والخدمة المدنية وغيرها.
وفي سعيه لحل مشكلة نظام الحكم قام جعفر نميري بحل مجلس قيادة الثورة وأجري استفتاء عام على رئاسة الجمهورية ليصبح النميري أول من حاز على لقب رئيس الجمهورية في السودان. وتم تشكيل لجنة حكومية لدراسة الهيكل الدستوري وكلف جعفر محمد علي بخيت بوضع المسودة، على أن يساعده كل من منصور خالد وبدر الدين سليمان (وكان الثلاثة من وزراء حكومة جعفر نميري ومنظرية ا في تلك الفترة). بينما حل الاتحاد الاشتراكي السوداني محل الأحزاب إلى جانب المنظمات والإتحادات الجماهيرية التابعة له، في إطار ما عرف آنذاك بفلسفة تحالف قوى الشعب العاملة(المقتبسة من نظام الرئيس جمال عبد الناصر في مصر).
أجريت أول انتخابات لبرلمان اطلق عليه اسم مجلس الشعب، فاز فيها كثير من اعضاء البرلمانات السابقة. وكان من الطبيعي أن تصطدم وجهة نظر واضعي مسودة الدستور بأعضاء المجلس، خاصة فيما يتعلق بعلمانية النظام أو إسلاميته لأن مسألة شكل النظام الجمهوري قد تم حسمها بتنصيب جعفر نميري رئيسا للجمهورية. واحتدم الجدل من جديد بين الفريقين العلماني والديني وكانت أول نقطة اثارها هذا الأخير هو خلو مسودة جعفر محمد بخيت من النص على دين الدولة الرسمي. وقال أحد النواب " إن الدستور قد نص على اللغة والعلم والأوسمة، فكيف يعقل أن يهمل الدين". أما الفريق العلماني وعلى رأسه جعفر محمد بخيت،"صاحب المسودة"، وصف مسألة النص على الدين بأنها " مسألة مظهرية وليست جوهرية ولا دلالة علمية لها، لأن الدولة كائن معنوي لا دين لها، وهي لا تمارس العبادة التي يمارسها الفرد والدولة هي اساس المواطنة لا الدين". وذهب الجنوبيون هذا المذهب ذاته عندما أكدوا على أن السودان دولة علمانية وليست دينية.
أكسبت المشاكل السياسية التي حلت بحكومة جعفر نميري والمحاولات الانقلابية المتعددة النميري خبرة ومراسا في كيفية التعايش والتعامل مع المشاكل السياسة التي واجهت حكومته. فأتقن تكتيك ضرب الحركات والأحزاب السياسية ببعضها وتغيير تحالفاته. فصديق اليوم يصبح عدو الغد، وعدو الغد يمسي صديقا بعد غد. فبعد أن كان النظام يعتبر في بداياته صنيعة لليسار، نكص على عاقبيه وتحرر من قبضة اليساريين ليضم إلى معسكره قيادات حزبية بارزة، ثم اتجه نحو الإسلاميين الذين منحهم السانحة لتصفية حساباتهم مع اليسار. وفي غضون ذلك ازدهرت الحركة الفكرية الإسلامية في السودان واكتظت الساحة السياسية بالأفكار والأنشطة والجماعات الإسلامية، كل يبشر بأفكاره بدء بالأخوان المسلمين وجماعة انصار السنة مرورا بالطرق الصوفية المختلفة وانتهاء بالأحزاب التي دخلت الحلبة عن طريق طوائفها الدينية كالختمية والأنصار. وكانت هذه القوى كلها تدعو إلى تطبيق مبادئ إسلامية عامة.
قابل ذلك من الناحية الاقتصادية تدهور خطير في الإنتاج الزراعي والصناعي وتدني فظيع في عائدات الصادرات وعجز كبير في ميزان المدفوعات جعل البلاد تعيش في حالة أزمة اقتصادية حقيقية أدت إلى موجة من الأضرابات العامة هددت بانهيار حكومة نميري.
وفي فبراير / شباط 1980 م، استقال عدد من القضاة احتجاجا على تدخل الحكومة في شؤون القضاء. وفي يونيو /حزيران 1983م، هاجم نميري القضاة ووصفهم "بالتسيب" و"انعدام الأخلاق" وقام بطرد عدد منهم من الخدمة وجاء رد القضاة بتوقف جماعي عن العمل. وباءت محاولات الحكومة لسد الفراغ وملء الوظائف التي أخليت بالفشل، بما في ذلك محاولة الاستعاضة عنهم بقضاة متقاعدين أو قضاة يتم استجلابهم من الخارج (مصر)، فأعلن نميري ما أسماه "بالثورة القضائية" و"العدالة الناجزة" وتمثل ذلك في اصدار عدد من القوانين الجديدة تم نشر نصوصها للعامة بالصحف المحلية ووصل عددها إلى 13 قانون أبرزها قانون العقوبات الذي اشتمل على العقوبات الحدية، وهكذا ولدت التشريعات الإسلامية التي عرفت بقوانين الشريعة الإسلامية عند مؤيديها، أو بقوانين سبتمبر / أيلول عند معارضيها.
تمثلت أولى خطوات حكومة النميري لتسوية مشكلة جنوب السودان في إعلان التاسع من يونيو / حزيران 1969 م، الذي انطلق من الأعتراف بالتباين والفوارق بين شمال السودان وجنوبه، وحق الجنوبيين في أن يطوروا ثقافتهم وتقاليدهم في نطاق سودان "اشتراكي" موحد مما يشكل نقطة تحول كبرى في سياسات الشمال تجاه جنوب السودان حيث أن ذلك يعني التخلي عن أهم توجه الأحزاب الشمالية في تسوية إشكالية الجنوب عن طريق نشر الثقافة العربية والدين الإسلامي في الأقاليم الجنوبية، لكن ذلك لم يشفع للنظام انتمائه الواضح لليسار في نظر المتمردين الجنوبيين الذين استغلوا هذا التوجه السياسي الجديد للشمال، فأعلنوا انهم يحاربون الشيوعية والتدخل السوفيتي في الجنوب. بدأت حكومة نميري أولا بالاهتمام بالمسيحية، وجعلت العطلة الإسبوعية في الجنوب يوم الأحد بدلا عن يوم الجمعة، وسعت إلى تحسين علاقتها مع الكنيسة وبالتالي تحسين علاقات السودان بالغرب ومع البلدان الأفريقية وفي مقدمتها إثيوبيا التي كانت تحتضن قادة التمرد الجنوبيين.
وفي ظل هذه التحولات السياسية تم التوقيع على إتفاقية أديس أبابا في 3 مارس 1972 م، بين حكومة السودان والمتمردين الجنوبيين تحت وساطة إثيوبية ومجلس الكنائس العالمي ومجلس عموم أفريقيا الكنسي، وتمخضت الاتفاقية عن وقف لأطلاق النار واقرار لحكم ذاتي إقليمي تضمن إنشاء جمعية تشريعية ومجلس تنفيذي عال، ومؤسسات حكم إقليمي في جنوب السودان واستيعاب ستة آلاف فرد من قوات حركة الأنيانيا في القوات المسلحة السودانية. كمااعترفت الاتفاقية باللغة العربية كلغة رسمية للبلاد واللغة الإنجليزية كلغة عمل رئيسية في جنوب السودان وكفلت حرية العقيدة وحرية إقامة المؤسسات الدينية في حدود المصلحة المشتركة وفي إطار القوانين المحلية. وجدت الاتفاقية معارضة من قبل بعض القوى السياسية أبرزها الاتحاد العام لجبال النوبة الذي وصفها وعلى لسان زعيمه الأب فيليب عباس غبوش بأنها تمثل خيانة لقضية السودانيين الأفارقة. كما انتقدها دعاة الانفصال من الجنوبيين لأنها لا تلبي مطامحهم وانتقدها أيضا القوميون العرب من السودانيين. وأشار نقادها إلى وجود ثغرات بها مثل حق الفيتو الذي يتمتع به رئيس الجمهورية ضد أي مشروع قرار صادر عن حكومة جنوب السودان يرى بأنه يتعارض مع نصوص الدستور الوطني. وواقع الحال أن الغرض من وضع هذا النص هو لكي يكون صمام أمان لوحدة البلاد. ما أن تم وضع الاتفاقية موضع التنفيذ حتى دب الخلاف والصراع في جنوب السودان وأخذت الجمعية التشريعية الإقليمية صورة البرلمان الوطني نفسها من مشاهد لمنافسات حادة ذات ابعاد شخصية وخلافات عميقة ذات نعرة قبلية إلى جانب العجز في الكوادر الإدارية والنقص في الموارد البشرية والمادية وسوء الإدارة وانعدام الرقابة مما أدى إلى فشل كافة المشاريع التنموية في جنوب السودان وبحلول السبعينيات في القرن الماضي ساءت العلاقة بين أبيل الير رئيس المجلس التنفيذي الذي عينه الرئيس نميري دون توصية من المجلس التشريعي الإقليمي وزعيم المتمردين السابق جوزيف لاقو. أدت اتفاقية أديس أبابا إلى فتح الباب على مصراعيه أمام البعثات التبشيرية المسيحية الغربية ومنظمات الدعوة الإسلامية من الدول العربية والإسلامية في تنافس حاد إلى جانب تفشي الانقسامات القبلية بين السياسيين الجنوبيين وباعلان تطبيق قوانين الشريعة الإسلامية ازداد التذمر وسط الجنوبيين بما في ذلك الكنيسة التي جاهرت بمعارضتها، ولم تفلح محاولات الحكومة لتهدئتهم من خلال تنظيم جولات للحوار معهم سعيا إلى إقناعهم بأن الشريعة الإسلامية لا تمس حقوقهم.
وبحلول عام 1983 م، بلغ الاحتقان ذروته وتفجر الوضع في الجنوب عندما رفضت فرقة عسكرية في مدينة واو عاصمة إقليم بحر الغزال بالجنوب الأوامر الصادرة إليها بالانتقال إلى الشمال واغتالت الضباط الشماليين وفرت بعتادها إلى الغابة مطلقة على نفسها اسم حركة "انيانيا ـ 2 "، وهكذا بدأ التمرد الثاني. وأرسلت الحكومة ضابطا جنوبيا برتية عقيد هو جون قرنق دي مابيور لتثنية الفرقة المتمردة عن تمردها وحثها على إلقاء السلاح، إلا أن العقيد جون قرنق إنضم الي المتمردين في الغابة بدلا عن تهدئتهم واقناعهم بالعدول عن التمرد، منشئا الجيش الشعبي لتحرير السودان وجناحها المدني الحركة الشعبية لتحرير السودان. وبدأ العد التنازلي لحكم جعفر نميري، والسودان بدون دستور دائم أو نظام للحكم متفق عليه مع حرب مستعرة في جنوبه وحالة من الأرتباك السياسي والضبابية لم يعهدها من قبل.
إذا كان استيلاء الجيش على الحكم بقيادة العقيد جعفر محمد نميري قد جاء مفاجئا، على الأقل للبعض، فإن مجيء الفريق عبد الرحمن سوار الذهب إلى سدة الحكم في 6 ابريل / نيسان 1985 م، لم يكن مفاجئا بل كان الحدث الذي توقعه كثيرون على الاقل منذ فترة قبل وقوعه. وتماما كما بدأت احتجاجات أكتوبر / تشرين الأول 1964 م، عفوية بسيطة سرعان ما تطورت إلى عصيان مدني شامل أجبر العسكر على التنازل عن السلطة، بدأت احتجاجات ابريل/ نيسان 1986 م، بمظاهرات بسيطة عفوية ضد التسعيرة الجديدة المرتفعة التي وضعتها الحكومة لبعض السلع ومن ضمنها السكر، إلا أن مظاهرات "السكر المر" كما أطلق عليها سرعان ما تطورت إلى إضرابات واحتجاجات متواصلة رغم تراجع الحكومة عن التسعيرة الجديدة، حتى اضطرت القيادة العامة للجيش التدخل لتفادي تردي الأوضاع الأمنية وتفشى الفوضى أمام عجز الحكومة التي كان يرأسها نائب الرئيس عمر محمد الطيب ـ كان الرئيس نميري خارج البلاد في زيارة للولايات المتحدة ـ في احتواء الأزمة.
في صباح يوم السبت 6 أبريل / نيسان 1985 م، أذاع الفريق أول عبد الرحمن سوار الذهب وزير الدفاع والقائد العام لقوات الشعب المسلحة بيانا أعلن فيه الاستيلاء على السلطة وإنهاء حكم الرئيس نميري.
وجاء في تبرير تلك الخطوة بأن
. حسبما جاء في بيان الفريق عبد الرحمن سوار الذهب.
وصدرت بعد ذلك عدة قرارات نصت على تعطيل العمل بالدستور وإعلان حالة الطوارئ في البلاد، وإعفاء رئيس الجمهورية ونوابه ومساعديه ومستشاريه ووزرائه وحل الاتحاد الاشتراكي، إلا أن أهم ما جاء في تلك القرارات والأوامر هي أهداف مرحلة التغيير التي وصفت بأنها "مرحلة انتقالية، لا تهدف إلى استبدال نظام عسكري بآخر"، بل أنها جاءت من أجل احتواء كل الآثار المترتبة في فترة الحكم الماضي في شتى المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، بالإضافة إلى إعداد ميثاق عمل سياسي وطني يقوم على مرتكزات أساسية (الاستقلال التام، الحفاظ على الوحدة الوطنية) أي باختصار التمهيد لحكومة تعمل على حل مشاكل السودان السياسية وفي مقدمتها مشكلة الحكم والحرب في الجنوب. وفي 9 أبريل / نيسان 1985 م، أعلن عن تشكيل مجلس عسكري انتقالي لممارسة أعمال السلطتين السلطة التشريعية والتنفيذية برئاسة الفريق أول عبد الرحمن سوار الذهب والفريق أول تاج الدين عبد الله فضل نائبا له، وعضوية 13 من كبار ضباط الجيش من بينهم اثنان من أبناء جنوب السودان. كما تم تشكيل حكومة مدنية برئاسة الجزولي دفع الله.
أنجز الفريق عبد الرحمن سوار الذهب وعده بعد انقضاء مهلة العام في سابقة فريدة من نوعها في أفريقيا والعالم العربي. ولأول مرة يتخلي قائد انقلاب عسكري عن السلطة طواعية وبعد وعد قطعه على مواطنيه دون أن أي مقابل سياسي أو مادي خاص. وجرت الانتخابات في موعدها وفاز فيها حزب الأمة الجديد بزعامة الصادق المهدي، متقدما على غيره من الأحزاب وتولى رئاسة مجلس الوزراء، بينما جاء الحزب الإتحادي الديمقراطي في المرتبة الثانية الذي كان يتزعمه أحمد الميرغني وتولى رئاسة مجلس رأس الدولة، فيما خرج منها حزب الجبهة الإسلامية القومية وزعيمه حسن الترابي ليتصدر صفوف المعارضة في البرلمان. وسلم سوار الذهب السلطة إلى الحكومة المدنية الجديدة.
اتسمت فترة الديمقراطية الثالثة بعدم الاستقرار، إذ تم تشكيل خمس حكومات ائتلافية في ظرف أربع سنوات. قام الحزب الإتحادي الديمقراطي الذي خرج من الحكومة الائتلافية بتوقيع اتفاق سلام مع الحركة الشعبية لتحرير السودان التي حققت انتصارات عسكرية نتيجة للمساعدات العسكرية والدعم السياسي الذي تلقته من إثيوبيا وبعض الدول الأفريقية المجاورة للسودان، والمنظمات الكنسية. ونص الأتفاق على وقف لإطلاق النار إلى جانب رفع حالة الطواريء بغية تمهيد الطريق أمام مؤتمر دستوري عام، على أن يسبقه تجميد العمل بالعقوبات الحدية (الشريعة الإسلامية أو قوانين سبتمبر كما كان يطلق عليها) أواستبدالها بقوانين جديدة مماثلة.
كانت الهزائم المتلاحقة التي منيت بها القوات الحكومية في جنوب السودان سببا في تذمر القيادة العامة للجيش التي عقدت اجتماعا وتقديمها مذكرة لرئيس الحكومة الصادق المهدي، مطالبة أياه بالعمل على تزويد الجيش بالعتاد العسكري الضروري، أو وضع حد للحرب الدائرة في الجنوب. وأحدثت المذكرة بلبلة سياسية في البلاد لأنها تتضمن تهديدا مبطنا للحكومة أو على الأقل توبيخا رسميا لتقصيرها في إحدى مهامها الأساسية وهي الدفاع عن البلاد، بإهمالها التزاماتها تجاه الجيش. كما كانت تلك المذكرة مؤشرا خطيرا لتدخل الجيش في السياسة بشكل مباشر؛ بل كان من الغريب أن يقحم جيش - في نظام ديمقراطي- نفسه في السياسة مبتعدا عن المهنية، ويخطر رئيس الحكومة علنا وبشكل مباشر، وليس عن طريق وزير الدفاع، بما يجب أن يعمله لحل المشاكل الوطنية. تدهورت العلاقة بين الجيش وحكومة الصادق المهدي بعد توجيه الفريق فتحي أحمد علي القائد العام إنذارا إلى الحكومة وطالبها بالاعتدال في مواقفها السياسية ورفع المعاناة عن كاهل المواطنين. رفض الصادق المهدي هذا التهديد واصدر حزب الأمة بيانا إدان فيه مسلك القائد العام وتدخل الجيش في السياسة. لكن نتيجة تلك المذكرة كانت رضوخ حكومة المهدي في نهاية المطاف للضغوط وأعلانها قبول اتفاقية السلام التي أبرمها الحزب الإتحادي الديمقراطي مع الحركة الشعبية لتحرير السودان، وبطبيعة الحال كانت تلك الخطوة بداية النهاية لحكومة الصادق المهدي الديمقراطية.
في العام 1989 قامت الجبهة الإسلامية بانقلاب عسكري تحت اسم ثورة الإنقاذ الوطني، في بداية الانقلاب لم يكن معروفا توجه الانقلابين السياسي ثم ظهرت الجبهة الإسلامية بزعامة حسن عبد الله الترابي من وراءه، وكنتيجة لسياسات الحكومة السودانية الجديدة فقد تردت علاقاتها الخارجية وتمت مقاطعة السودان وإيقاف المعونات من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، وتم إدراجه ضمن قائمة الدول الراعية للإرهاب.
نجحت حكومة المؤتمر الوطني (كما عرفت لاحقا) باستخراجها وتصديرها للنفط الذي وفر دخلا كبيرا ومنتظما للحكومة حتى انفصال الجنوب.
في العام 1999 حيث قامت الحكومة بتجريد حسن عبد الله الترابي من جميع صلاحياته كرئيس للمجلس الوطني واتهمته بمحاولة نزعه من السلطة وتم اعتقاله، وهكذا نشأ المؤتمر الشعبي وانقسم الحزب لفريقين، اندلعت في العام 2003 م أزمة دارفور حيث اتهمت الحكومة السودانية بتسليح قبائل من أهل دارفور (الجنجويد) لاستخدامهم في قمع التمرد مما أدى لتأسيس العديد من حركات التمرد منها حركة العدل والمسااواة التي يتزعمها خليل إبراهيم الذي اغتيل في العام 2011 وحركة تحرير السودان وحركات أخرى. على خلفية الأزمة المشتعلة في دارفور أصدر مدعي عام المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي لويس مورينيو أوكامبو مذكرة اعتقال بحق الرئيس البشير (والتي تعتبر سابقة) متهما إياه بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنساتية.
أعلنت حكومة الإنقاذ الوطني تفعيل قانون الدفاع الشعبي الذي صدر عام 1984 ولم يتم تفعيله، وأنشأت قوات الدفاع الشعبي وقوامها من المتطوعين الذين استجابوا لإعلان الحكومة الجهاد ضد الحركات المتمردة وا فتتحت معسكرات التدريب التي تزايدت حتى غطت معظم أرجاء السودان وشارك مجندو الدفاع الشعبي في العمليات الحربية مع القوات المسلحة في عمليات حملت اسم "صيف العبور".
وفي أغسطس 1991 وبعد سقوط نظام منغستو في إثيوبيا وانشقاق الحركة الشعبية، حاولت الحكومة الاستفادة من هذا الانشقاق فأجرت الاتصال منفردة مع لام أكول بوثيقة عرفت باسم "وثيقة فرانكفورت" والتي وقعت في يناير من عام 1992، إلا أن الحكومة السودانية أنكرتها بعد ذلك. وفي مايو 1992 وتحت رعاية الرئيس النيجيري إبراهيم بابنجيدا أجريت الجولة الأولى للمفاوضات في أبوجا، ثم الجولة الثانية في مايو من عام 1993، ولكن لم تسفر هذه المفاوضات عن شيء. وتضاعفت الجهود الدولية من خلال "منظمة الإيغاد" إلى أن تم توقيع اتفاق اطاري يسمي "بروتوكول ماشاكوس" وذلك في يوليو من عام 2005 والذي أعطى للجنوب حكم ذاتي لفترة انتقالية مدتها 6 سنوات، وحق تقرير المصير وفرصة للجنوبيين لتفكير في الانفصال، كذلك أعطى الفرصة في بناء مؤسسات الحكم الانتقالية كنوع من الضمانات.
تم التوقيع على إتفاقية السلام الشامل في نيفاشا بين حكومة السودان ممثلة بنائب رئيس الجمهورية علي عثمان محمد طه ورئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان الدكتورجون قرنق دي مبيور، والتي وضعت حدا للحرب الأهلية الثانية في جنوب السودان ومنحت إقليم جنوب السودان حكما ذاتيا ومشاركة في الحكم المركزي، ونصت على تنظيم استفتاء حول الوحدة أو الاستقلال في العام 2011. كما تم التوقيع على الدستور الانتقالي الجديد في عام 2005.
اجري استفتاء عام بتاريخ 9 يناير / كانون الثاني 2011 أدلى فيها سكان جنوب السودان بأصواتهم، واقترعوا بنسبة كبيرة لصالح الانفصال.
وفي الساعة الثامنة والخمسة واربعون دقيقة من صباح يوم السبت التاسع من شهر يوليو / تموز عام 2011 أنزل علم جمهورية السودان من مدينة جوبا، عاصمة الجنوب ورفع علم الحركة الشعبية لتحرير السودان - الذي اختير ليكون علم الدولة الجديدة- إيذانا بمولد دولة جنوب السودان، وبذلك يكون قد تم انجاز آخر خطوة من خطوات تنفيذ بنود اتفاقية السلام الشامل المبرمة بين حكومة السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان. وكان السودان أول من أعترف بالدولة الجديدة.
آخر انتخابات تمت بموجب اتفاقية نيفاشا شارك فيها مليون ناخب و14 الف مرشح واتسمت بالتعقيد والتركيب. كانت مركبة لأنه تم انتخاب رئيس الجمهورية وأعضاء المجلس التشريعي المركزي والمجالس الإقليمية والولاة في وقت واحد. وكانت معقدة حيث تم العمل بنظام الأغلبية البسيطة (حددت بنسبة 60%) إذا كان المرشح برلمانيا والأغلبية المطلقة إذا كان ينافس في منصب رئيس الجمهورية(أي أكثر من نصف الأصوات) وإلا يتم تنظيم جولة ثانية من التصويت. كما تم العمل بنظام التمثيل النسبي في البرلمان بحيث تفوز الأحزاب بعدد من المقاعد يتناسب وعدد الأصوات التي حصلت عليها.