اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
منذ استخدم جويسيبي ماتزيني الزعيم والسياسي القومي الإيطالي هذا المصطلح للمرة الأولى ـ نحو عام 1835ـ ومنذ تنبه المؤرخون والسياسيون لدلالته المهمة في الثقافة الغربية، احتل مفهوم القومية مكانة بارزة في الفكر السياسي والتاريخي والاجتماعي والثقافي، ولكن تناقض دلالته واختلاف الدور التاريخي والاجتماعي والفكري للنزعة القومية وللفكرة القومية نفسها هو ما يثير الاهتمام غالبًا. قال ماتزيني: إن القومية هي انتماء جماعة بشرية واحدة لوطن واحد شريطة أن يجمعها تاريخ مشترك ولغة واحدة في أرض هذا الوطن. وأضاف العلماء الألمان وعلى رأسهم هيردر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وحدة الثقافة النابعة من وحدة اللغة ووحدة مصادرالتأثير الروحى النابعة من الدين ومن التراث الثقافى الواحد في اللغة الواحدة ثم أضاف الماركسيون أسسًا أخرى للقومية أهمها وحدة التكوين النفسى ووحدة السوق الاقتصادية ولكن الدارسين المحدثين مثل (كوهن وكامينا وغيرهما) يكتفون عادة بوحدة اللغة التي تنبع منها وحدة الثقافة والتكوين النفسى ثم التاريخ المشترك الذي يخلق الانتماء ـ أو الشعور به ـ لأرض واحدة ومؤسسات اجتماعية وقضايا مشتركة. وفي خلال القرن التاسع عشر وحتى أوائل القرن العشرين ارتبطت النزعة القومية سياسيًّا بحركة التحرير والوحدة في البلدان الغربية التي كانت مقسمة مثل إيطاليا وألمانيا وبولندا ومثل شعوب ودول أوروبا التي كانت خاضعة للاحتلال العثماني أو للاحتلال الروسي أو النمساوي في شرق ووسط أوروبا. ولذلك فإن النزعة القومية ارتبطت بالنزعة الرومانتيكية في الأدب والفكر والفنون: التي كانت تمجد الحرية والبطولة الفردية والتخلص من قيود العصر القديم وتمجد التراث الشعبي كأصدق تعبير عن التلقائية وعن روح الشعوب وشخصيتها، كما ارتبطت أيضًا بالليبرالية السياسية والاقتصادية التي كانت تريد المساواة الدستورية بين كل الناس في كل الحقوق والواجبات. ولكن مع تطور المجتمعات الغربية ونضج الاستعمار ارتبطت القومية في الغرب بالمنافسات الشرسة بين الدول على القوة وعلى السيطرة وعلى الأسواق، بينما أصبحت النزعة القومية منذ أوائل القرن العشرين دافعًا قويا ـ أو الدافع الأقوى ـ لحركات التحرير الوطني في (المستعمرات) فيما أصبح يعرف (العالم الثالث) وانبعاث الثقافات الوطنية للشعوب ذات الجذور القديمة، في بلدان العالم الثالث مع نهاية الحرب العالمية الأولى تقريبًا، فكانت هذه النزعة وراء إحياء لغات هذه الشعوب وتجديدها ودعوتها للاهتمام بتراثها القديم الأدبى والفكرى والفنى والحضارى عمومًا، ووراء الاهتمام بمعرفة تاريخها وانتماءاتها الأصلية ووراء حركات التأصيل والارتباط بالجذور مع أو إلى جانب أو ضد حركات التحديث حسبما يفهم التحديث، وحسبما يطبق بوصفه تطويرًا للأصيل وتفاعلا مع عناصر قومية أخرى أكثر تطورًا، أو بوصفه تغريبًا، أي التخلي عن السمات الأصلية الموروثة واستعارة سمات الثقافات الغربية بدلا منها. وفي بعض الحالات ارتبطت النزعة القومية بمحاربة النزعة العالمية (الكوزموبوليتانية) أو بمحاولة الاستفادة منها. وعلى ذلك خضعت هذه الحركات القومية الجديدة ـ وتجلياتها العديدة ـ لدراسات كثيرة في الغرب والشرق، وأضاف المفكرون المحليون إضافات محددة على النظرية التي ارتبطت بالقومية في علوم الاجتماع والنفس والثقافة. ولكنهم أضافوا تأملات تطبيقية غنية وخاصة في العالم العربي وأمريكا اللاتينية واليابان. أما الدراسات الغربية فقد عمدت على تشويه فكر القومية أساسًا، أو إلى اختلاق نزعات مضادة لها (طبقية أو أممية) أو إلى تحريض النزعات الدينية والطائفية والعرقية ضدها.