English  

كتب النحو لابن جني

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

النحو عند ابن جني (معلومة)


ابن جني من نحاة القرن الرابع الهجري، وفي هذا القرن برز عددٌ من النُّحاة البغداديين، فكانت بغداد مركز الدراسات النحوية ومسرح المناظرات بين النُّحاة، ومِمَّن عاصرهم ابن جني في بغداد أبو علي الفارسي وأبو سعيد السيرافي وأبو الحسن الرماني وأبو الحسن الربعي وأبو القاسم الثمانيني، وكان لأبي علي الأثر الأكبر على توجُّهاته النحوية. معظم آراء ابن جني ومساهماته في النحو ضمَّنها في "الخصائص" و"عقود اللمع" و"علل التثنية"، وتتمحور مساهماته حول أصول النحو والنحو التطبيقي، وآراؤه الاستثنائية التي انفرد بها تناقلتها كتب النحو حتى العصر الحديث، حيث رآها بعض المجدِّدين تمرداً على النحو التقليدي، وكثيراً ما يُقارن ابن جني بابن مضاء الأندلسي من هذه الناحية، رغم أنَّ هناك من يعده كغيره من النحاة وتمرُّده على التقليد النحوي فيه خلاف شديد.

مذهبه النحوي

المذهب النحوي عند ابن جني مُختَلف عليه، حيث رأت طائفة أنَّه ينتمي إلى المدرسة البصريَّة التي أسَّس قواعدها الخليل بن أحمد وتلميذه سيبويه، بينما ذهبت طائفة أخرى إلى أنَّه من نحاة المدرسة البغداديَّة التي مزجت بين آراء البصريين والكوفيين وتهدف للموازنة بينهما. وابن النديم يذكر ابن جني في "الفهرست" ضمن «جماعة من علماء النحويين واللغويين مِمَّن خلط المذهبين»، وعلى هذا فهو يَعُدُّه من نحاة المدرسة البغداديَّة، وذهب عبد الحميد حسن في "القواعد النحوية" إلى أنَّه من النحاة البغداديين، وكذلك يفعل محمد الطنطاوي في "نشأة النحو"، وعبد الكريم الأسعد في "الوسيط في تاريخ النحو العربي"، وشوقي ضيف في "المدارس النحوية"، وطه الراوي في "تاريخ علوم اللغة العربية"، وعبد الحميد يونس في "دائرة المعارف الإسلاميَّة" الذي صرَّح أنَّ ابن جنِّي «كان يتَّخذ لنفسه مذهباً وسطاً مدرستي الكوفة والبصرة»، ويضع كارل بروكلمان ابن جني ضمن نحاة المدرسة البغداديَّة رغم قوله «أنَّه يَعُدُّ نفسه من البصريين لا من البغداديين»، ويرى عبد العال مكرم سالم أن لدى الفارسي وتلميذه ابن جني تمثَّل المذهب البغدادي في أنقى صوره. وفي مقابل هذه الآراء تذهب جماعة من الكُتَّاب المعاصرين إلى أنَّه كان بصرياً يوافق البصريين في آرائهم ومناهجهم، ومن هؤلاء محمد النَّجار في تقديمه لكتاب "الخصائص"، ومحقِّقو "سر صناعة الإعراب" حيث جاء ذكر كونه بصرياَ في مقدِّمة الكتاب، وفؤاد البستاني في "دائرة المعارف"، وخديجة الحديثي، وحسام النعيمي، وغنيم الينبعاوي، ومهدي المخزومي، ويرى عبده الراجحي أنَّه كان أميل إلى نحاة البصرة، ويخلص فاضل السامرائي بعد دراسة منهجه مناقشة الآراء حول مذهبه إلى أنَّه كان بصري المذهب.

هناك إجماع بين أغلبية الدارسين على توجُّه مًعيَّن لدى ابن جني، فهم مع اختلافهم يتَّفِقون على أنَّه كان متقارباً مع البصريين، ولتتلمذه لدى الفارسي تأثير على هذا التوجُّه، ولا يزعم أحد أنَّه كان كوفياً، ومع ميوله البصرية لم يكن متزمتاً في اتباعه لمنهج نحاة البصرة، فلا يتردَّد في الخروج عنه، ثُمَّ يختلف الباحثون حول مدى التصاقه بالبصريين، وهل كانت ميوله قويَّة بما فيه الكافية لضمِّه إليهم، أم أنَّه كان متحرراً من الانتماء المذهبي وصادف أنَّه استحسن آراء نحاة البصرة.

بصريته

يستند من يقول ببصريته إلى موافقته لمنهج نحاة البصرة عموماً، ومن أصول المدرسة البصرية القياس على المشهور الشائع، والامتناع عن القياس استناداً على مرويات قليلة، ووصمها بالشذوذ عوضاً عن ذلك، وتخطئة من يقول بها، وهذا هو مذهب ابن جني، فهو لا يقبل القياس بناءً على مرويات قليلة، وحتى إن استفاضت المرويات حول مسألة أو تركيب لغوي يخالف القياس الشائع فهو يجيز استعماله كما ورد، وحجته في ذلك السَّماع، ولكنَّه لا يجيز القياس عليه لأنَّه شاذ قياسياً وليس من الأصول. وابن جني يوافق النزعة البصرية في التشُّدد عند الأخذ من الأعراب، فهو لا يأخذ من أهل البادية إلا بعد امتحانهم والتأكُّد من سلامة سليقتهم اللغوية. ومن الأدلَّة على بصريته استعماله للمصطلحات البصريَّة في مقابل المصطلحات الكوفية، فابن جني يستعمل مصطلح "اسم الفاعل" في مقابل "الفعل الدائم"، و"الضمير" في مقابل "الكناية"، و"الجر" في مقابل "الخفض"، و"العطف" في مقابل "النسق"، و"البدل" في مقابل "الترجمة"، ويصنع باباً حول "اسم الفعل" بينما نحاة الكوفة لا يُسَمُّونه وهو عندهم لا يختلف عن بقيَّة الأفعال، وكذلك يُفرِّق بين المفعول به والمفاعيل كالمفعول معه وهذا من أبرز مواضع الخلاف بين البصرة والكوفة. ويحصي فاضل السامرائي خمسة وخمسين مسألةً خلافيَّة بين البصريين والكوفيين يوافق فيها ابن جني نحاة البصرة، ومنها مسائل خلافيَّة شهيرة كقوله أنَّ الفعل يُشتَق من المصدر، أي أنَّ المصدر أصل والفعل فرع منه، على عكس مذهب الكوفيين في أنَّ الفعل هو الأصل، ومنها منعه تقديم الفاعل على عامله، وكذلك قوله أنَّ العامل في المبتدأ هو معنى الابتداء، بينما يختلف الكوفيون وأشهر أقوالهم أنَّ المبتدأ والخبر يترافعان، ومن مخالفته الكوفيين قوله أنَّ «أنَّ» لا تُهمَل مثل «مَا». وابن جني نفسه يُصرِّح بميوله نحو المذهب البصري، ويعتبر نفسه بصرياً في مؤلفاته، فيقول: «ولم يثبت أصحابنا "قنيت"، وإن كان البغداديون قد حكوها»، ومن لا يثبت "قنيت" هم البصريون، وابن جني يُخرِج نفسه من البغداديين في النص السابق، ويؤكِّد انتماءه إلى البصريين بقوله «أصحابنا»، ويقول كذلك: «[...] فأبدلوا من الثاء الوسطى حاء، فمردود عندنا، وإنَّما ذهب إلى هذا البغداديون»، ويقول: «وهذا ما قاسَهُ الكوفيون، وإن كُنَّا لا نراه قياساً». ورغم أنَّ كارل بروكلمان لا ينكر أنَّ ابن جني اعتبر نفسه بصرياً، ولكنَّه مع ذلك يعُدُّه من نحاة المدرسة البغداديَّة، وشوقي ضيف لا ينفي ميوله إلى البصريين، ولكنَّه وفقاً لرأيه لم يُقِيِّد نفسه بآرائهم ولا يتردَّد في انتقاء آراءٍ مخالفة.

بغداديته

يحاول من يثبت بغداديته إثبات أنَّ ابن جني لم يكن متشدِّداً في موافقته البصريين، فهو مع ميوله إلى نحاة البصرة يناقضهم حتى في الأصول التي تقوم عليها مدرستهم، فعلى الرغم من أنَّ ابن جني يُغلِّط المرويات المخالفة للشائع والمشهور في عدَّة مواضع، موافقاً بذلك واحداً من أهمِّ أصول المدرسة البصرية، فهو يناقض هذا المبدأ ويقبل مثل هذه المرويات في موضعٍ آخر، بل ويقيس عليها كتجويزه النسبة إلى «قتوبة» بـ«قتبي» قياساً على الروايات القليلة التي تصحِّح النسبة إلى «شنؤة» بـ«شنئي»، ويرى من يقول ببغداديته أنَّه لم يلتزم بمبدأ نحاة البصرة في القياس، وظلَّ يتأرجح بين القياس البصري والكوفي ويحاول التوفيق بينهما. ومن أمثلة خروجه عن المنهج البصري أخذه عن أهل الحضر من حافظ منهم على لغةٍ سليمةٍ، وخالفَ بذلك البصريين في أخذهم عن الأعراب فقط. وابن جني يعتبر جميع لهجات اللغة العربية حجَّة يصحُّ بناء القواعد عليها والتحدُّث بها، وهو يخالف بذلك البصريين الذين اقتصروا في احتجاجهم على لهجات قبائل مُعيَّنة، وتركوا الأخذ عن غيرها بحجَّة كونها محرَّفة أو غير صحيحة. وهو يحتجُّ بالقراءات الشاذَّة والحديث النبوي، بينما نحاة البصرة عموماً امتنعوا عن الاحتجاج بهما. ويذكر محمود حسني محمود عدداً من المسائل وافق فيها ابن جني نحاة الكوفة وخالف فيها نحاة البصرة. ومن مخالفته لنحاة البصرة وتقاربه مع الكوفيين انتصاره للفراء في مناظرته الشهيرة مع المازني، وانتصاره للكسائي عندما خطَّأه يونس بن حبيب في قوله أنَّ وزن «أَوْلَقَ» هو «أَفْعَلَ»، وثناؤه على أئمة الكوفيين كالكسائي والفراء وثعلب، وأخذه المرويات في اللغة والنحو عنهم، كأخذه عن ابن السكيت وثعلب، ويُخالف بذلك جمهور البصريين في رفض قبول رواياتهم وعدم الاحتجاج بها.

صاحب مذهب مستقل

يرى محمد أسعد طلس أنَّ ابن جني لم يتقيَّد بأي مدرسة من المدارس النحوية، فهو لم يكن بصرياً ولا بغدادياً ولكن نحوياً مستَقِلاً، وعند تناوله بالبحث والدراسة آراء سابقيه من النحاة يعمد إلى المقارنة بينها ثُمَّ يختار ما يناسبه منها، وإذا لم يجد ما يرضيه يرفضها جميعها ويصنع مذهبه الخاص، ويستند في قوله أولاً على رفض ابن جني حجيَّة الإجماع، فلا قيمة عنده لإجماع أئمة النحو واللغة، ولا يُغيِّر ذلك من صواب أو خطأ ما أجمعوا عليه، لأنَّه «لم يَرُد مِمَّن يُطاع أمرُهُ في قرآنٍ ولا سُنَّةٍ أنَّهم لا يجتمعُون على خطأ» كما يقول ابن جني. ويستدلُّ كذلك على توجيهه الانتقادات لُكلٍّ من البصريين والكوفيين والبغداديين على سواء، وهو دليلٌ على أنَّه لا يَعُدُّ نفسه منهم، كقوله: «إنَّ تعربد كُلّ من الفريقين البصريين والكوفيين عنه وتحاميهم طريق الإلمام به [...]». ومن أدلَّة استقلاليته عن المذهبيَّة كثرة الآراء التي ابتدعها وانفرد بها ولم يتبع فيها أيَّ مذهب. ومحمد سعد طلس يعترف أنَّ ابن جني كان يميل إلى المذهب البصري، غير أنَّ ميوله نحو المذهب البصري لا يجعله بصرياً خالصاً كما يقول.

وكذلك يرى محمد أمين في كتابه "ظُهرُ الإسلام" أنَّ ابن جني وأستاذه الفارسي كانا مُجَدِّدَين في اللغة، ولم يُقلِّدوا أياً من المذاهب النحوية المعروفة، وأصحاب مدرسة مُتميَّزة تقوم على توسيع اللغة عن طريق القياس.

آراؤه الاستثنائية

خالف ابن جني جمهور النحاة كثيراً، واجتهد بوضع آراء جديدة في عِدَّة مواضع من مؤلفاته. ومن مخالفته جمهور النحاة قوله أنَّ الضمير يعود على مُتَأخِّرٍ رُتبةً ولفظاً، ويُخالف ابن جني الجمهور في إجازته تعريف اسم وخبر «لا» العاملة عمل «لَيس»، وتابع الأخفش في مخالفته الجمهور عندما جعل تكرار معنى المبتدأ في الجملة الخبريَّة رابطاً بينه والخبر، مثل: «عَبدُ اللَّهِ قَابَلتُهُ صَاحِبَ الشَّرِكَةِ»، وأجاز حذف عامل الفاعل متابعةً للجرمي، وينفرد ابن جني في إجازته تقديم المعطوف على المعطوف عليه استناداً إلى قول الشاعر: «عليك ورحمة الله السلام»، وذهب إلى أنَّ «إذا» في «إذا وقعت الواقعة» مبتدأ بينما أنكر هذا جمهور النحويين. ويتابع الأصمعي في إجازته مجيء «إلَّا» زائدةً، وذهب إلى أنَّ نون المثنَّى ونون جمع المذكر السالم زائدتان كذلك، ويجيز ابن جني حذف نون المثنى إطلاقاً بدون الإضافة، فيُقال: «اسَجوَبَنِي شُرطِيَّا». وأجاز نعت فاعل «نِعمَ» و«بِئسَ» واستدلَّ بقول الشاعر: «لَبِئسَ الفتى المدعو بالليل حاتم»، وأجاز إظهار المُتعلِّق بالخبر عندما يكون ظرفاً، فيُقال: «الرَّجُلُ مَوجُودٌ أَمَامَ البَيتِ». وأجاز ابن حني إعراب المعطوف بمحلِّ المعطوف عليه لا إعرابه الظاهر متابعةً للفارسي، فيُقال: «مَا جَاءَ مِن رَجُلٍ وَاِمرَأَةً»، وتابَعَهُ في تقديره ظرف زمان مُضاف إلى الجملة بعد «بينما» و«بينا»، مُخالفاً جمهور النحاة في إضافتهما إلى الجملة بعدهما. ويجيز ابن جني حذف المضاف مع إبقاء المُضاف إليه مُطلقاً بدون الحاجة إلى دليل، فيُقال: «غَطَستُ سَمَكَةً»، على تقدير: «غطستُ غُطُوسَ سمكةٍ». ومن آرائه الانفراديَّة أنَّه يجعل «رجلاً» صفةً في نحو: «ادخلوا رجلاً رجلاً»، ويذهب إلى أنَّ الجملة يصحُّ إبدالها من مفرد، ويستدلُّ بقول الفرزدق: «إلى الله أشكو بالمدينة حاجةً وبالشام أخرى كيف يلتقيان»، وأجاز دخول نون التوكيد على الفعل المنفي بـ«لَا»، واستند في ذلك على الآية: «اتقوا فتنةً لا تصيبنَّ الذين ظلموا»، وذهب إلى أنَّ المصدر المنصوب بغير فعل ظاهر هو منصوب على التفصيل، مثل: «مشي الهلوك عليها الخيعل الفضل». والمفعول معه عند ابن جني يجوز تقديمه على صاحبه، في حين ينكر ذلك جمهور النحاة، ويستدلُّ بثلاث أبيات شعريَّة منها: «جَمَعتُ وفُحشاً غَيبَة وَنَمِيمَة». ويُنقل عن ابن جني إنكاره لباب الجر بالمجاورة، وتأويله للشاهد «هذا جِحْرُ ضبٍّ خربٍ» باعتبار «خربٍ» صفة لـ«ضبٍّ» على تقدير «خَرِبٍ حِجره»، ولكن يُنقل عنه في موضعٍ آخر قوله بالجر بالمجاورة، بل ويضيف إليه تجاور الأحوال والأحيان من اختراعه. ويخالف ابن جني الجمهور في إنكاره لنائب الفاعل، ولا فرق بين الفاعل ونائبه في رأيه.

أصول النحو عند ابن جني

مساهمات ابن جني التأصيلية في النحو جعلته المؤسِّس الحقيقي لعلم أصول النحو، وأسهب ابن جني في الحديث عن أصول النحو في كتابه "الخصائص"، خاصَّةً ما يتعلَّق بالقياس والتعليل، وابن جني هو أوَّل من يفكِّر في وضع هذا العلم على غرار أصول الفقه، ووَضَعَهُ بالاستناد على أصول الفقه الحنفي على وجه التحديد، بالإضافة إلى أصول علم الكلام والمنطق ومصطلح الحديث، وجاءت المباحث الأصوليَّة مُبعثرة في كتاب "الخصائص"، وهو ما يعكس قِلَّة التنظيم المعرفي المُصاحبة لنشأة علم الأصول، وقد حاول بعض النحويين قبله الخوض في هذا العلم، وأشهرهم أبو بكر بن السراج في "أصول النَّحو" والأخفش الأوسط في "المقاييس"، ورغم أنَّ ابن السراج سمَّى كتابه أصول النحو إلا أنَّه كان بعيداً عن الأصول بمفهومها الصحيح المقابل لأصول الفقه، وكان في أكثره يُعنى بالقواعد العامَّة الكليَّة، ولم يشمل من أصول النحو سوى القليل، وهذا القليل ينتقده ابن جني ويرفضه سواه من النحويين، وقد استفاد ابن جني من "المقاييس" للأخفش فائدة كبيرة، وأكمل أبوابه الناقصة وأضاف إليه الكثير. ويؤكِّد ابن جني نفسه أنَّه هو الذي وضع هذا العلم عندما يقول: «وذلك أنَّا لم نرَ أحداً من علماء البلدين تعرَّض لعمل أصول النحو على مذهب أصول الكلام والفقه»، ويقول عن مساهمات ابن السراج: «فأمَّا كتاب أصول أبي بكر فلم يَلُمُّ فيه بما نحن عليه إلا بحرف أو حرفين في أوَّله، وقد تُعلُّقَ عليه وسنقول في معناه»، وابن جني مع تأكيده أنَّه هو الواضع لعلم الأصول فهو لا ينكر مساهمات الأقدمين، فيقول: «واعلم أنَّ هذه المواضع التي ضممتُها، وعَقَدتُ العلَّة على مجموعها، قد أرادها أصحابنا وعَنَوها، وإن لم يكونوا جاءوا بها مُقدَّمة محروسة فإنَّهم لها أرادوا وإيَّاها نوَوا». وقد كانت مساهمات ابن جني في أصول النحو على دِقَّة عالية، على الرغم من كونها البادئة في هذا المجال، بل وهناك من يُفضِّل "خصائص" ابن جني على "لمع الأدلَّة" لأبي البركات الأنباري الذي جاء بعده بقرنين من الزمن، من ناحية المنهجيَّة في التعامل مع المسائل الأصوليَّة، ولكن يبقى كتاب "لمع الأدلَّة" أدقُّ من "الخصائص" من ناحية التقسيم والتفريع وعرض المسائل بصورة مُنظَّمة مُهذَّبة.

السماع

السَّماع هو الأصل الأوَّل من أصول النَّحو العربي، وهو الكلام المنقول عمَّن يُوثَق في فصاحته، وقد فصَّل فيه ابن جني، ومذهبه في السماع أنَّه يعتدُّ بالكلام المنقول عن الفرد المُحافِظ على عربيَّة صحيحة وسليقة لغوية خالية من التأثيرات الخارجيَّة، ولا قيمة عنده للمعيار الزماني أو المكاني، فهو يأخذ المرويات من عصر الجاهليَّة وكذلك يخالط الأعراب في زمنه، كما أنَّه يقبل الاحتجاج من أهل البادية وأهل الحضر على حدٍّ سواء طالما تحقَّقت فيهم شروط الفصاحة والمحافظة على الموروث اللغوي. وكان ابن جني يقبل جميع المرويات عن فصحاء العرب، ولا يضع أهميَّة حول المذهب النحوي للراوي أو الناقل، فكان يقبل المرويات من أهل البصرة ومن أهل الكوفة كليهما، وأخذ عن رواة الأدب بسندٍ مباشر من طريق أساتذته، ويُخصِّص ابن جني باباً في "الخصائص" لإثبات ثِقة النَقَلَة والرواة المشهورين وصدقهم. وكان ابن جني يخالط معاصريه من الأعراب، ويستفسرهم عن مسائل لغويَّة بالاعتماد على سليقتهم، وهو بهذا يُخالف النُّحاة الذين جعلوا منتصف القرن الرابع الهجري نهاية عصر الاحتجاج بأهل البادية، عندما كان ابن جني لا يزال طفلاً، وكان يكثر من سؤال أبي عبد الله الشجري الذي يثق بفصاحته، ويذكره في تسع مواضع من مؤلفاته يسأله عن قضايا في النحو واللغة والصوتيات، وأخذ أيضًا عن فصحاء عقيل الذين سكنوا مدينة الكوفة. إلا أنَّ حسام النعيمي يلاحظ أنَّ ابن جني لا يذكر الأعراب المعاصرين له بقصد الاحتجاج، وإنَّما يفعل ذلك بقصد الاستئناس بأقوالهم والتأكيد على مصداقيَّة وجه ما، ولكنَّه لا يورد أقوالهم لبناء أو هدم قاعدة لغويَّة، وما يدعم هذه الرؤية من أقوال ابن جني: «وعلى ذلك العمل في وقتنا هذا لأنَّا لا نكاد نرى بدوياً فصيحاً، ونحن إن آنسنا منه فصاحة في كلامه لم نكد نعدم ما يفسد ذلك ويقدح فيه»، ويُستثنى من ذلك مسألة صوتية واحدة استشهد فيها ابن جني بالشجري وأخرج نفسه من مذهب البصرة إلى قول آخر. ويرى البعض أنَّ ابن جني أجاز الأخذ من الأعراب خارج الحدود الزمانيَّة والمكانيَّة التي وضعها النحاة بشرط امتحانهم والتأكُّد من فصاحتهم، وإلَّا رُدَّت أقوالهم، فيقول: «ينبغي أن يستوحش من الأخذ عن كُلِّ أحد إلا أن تقوى لغته وتشيع فصاحته». وابن جني لا يقبل الأخذ عن الشعراء المُولَّدين، إلا أنَّه يورد أشعارهم استئناساً بالمعاني لا الألفاظ، ومن هؤلاء المتنبِّي وابن الرومي.

ويخالف ابن جني مذهب البصريين في رفضهم لبعض لهجات العرب، واقتصارهم في السماع من قبائل مُعيَّنة، وهو يرى أنَّ جميع لهجات العرب حجَّة في ذاتها، لا يبطل أحدها الآخر، ويصحُّ التحدُّث بها وقبول المرويات منها والقياس وبناء القواعد عليها، فهو يرفض تخطئة من يتحدَّث بلهجة من لهجات اللغة العربية التراثية، إلا أنَّه يسمح بالمفاضلة بين اللهجات، فيصف بعضها بالضعف أو القوَّة ويُعبِّر عن ذلك بـ"الأولى" للهجة القويَّة و"خلاف الأولى" للهجة الضعيفة. ومن ذلك أنَّه يجيز إعمال "ما" في لغة التميميين، ويمتنع عن إعمالها في لغة الحجازيين، بدون تخطئة أحدهما.

جميع النُّحاة على اختلاف مذاهبهم يتفقون على حجيَّة القرآن، بل ويضعونه المصدر السماعي الأوَّل لاستنباط القواعد اللغوية، ويوافقهم ابن جني في هذا، غير أنَّهم يختلفون حول القراءات القرآنية، خاصَّةً الشاذَّة منها، وابن جني لا يمنع الاحتجاج بالقراءات سواءً الشاذَّة أو المتواترة، إلا أنَّه يُفرِّق بين نوعين من الشاذ؛ فالقراءات الشاذَّة ناقصة السند الموضوعة قطعاً لا يحتَجُّ بها، أمَّا الشاذ الذي اتَّصل سنده بالنبي فيجيز الاحتجاج به مُطلقاً. وابن جني يُكثِر من الاستشهاد بالقرآن في مؤلَّفاته، وتجاوز عدد الشواهد القرآنية في مؤلفاته غير المفقودة أكثر من ثلاثمائة وثلاثين آية، وفي "الخصائص" وحده استشهد بآيات قرآنيَّة في أكثر من مائتين وخمسين موضعاً. ويظهر جلياً من كلام ابن جني أنَّه يعتدُّ بالقرآن مصدراً فصيحاً لاستنباط القواعد اللغوية، فيقول: «حتى أن في القرآن - وهو أفصح الكلام - منه أكثر من مائة موضع». غير أنَّه لا يمتنع عن تخطئة بعض القراءات التي لا يجد لها وجهاً في اللغة، ولا يُفرِّق في ذلك بين المتواتر والشاذ.

يختلف النُّحاة حول الاستشهاد بالحديث النبوي، وهم لا يختلفون حول فصاحة النبي، إلا أنَّهم يأخذون في الاعتبار أنَّ الحديث يُروَى بالمعنى، فهذا يُعرِّض لفظه إلى التغيُّر والتحريف مع مرور الزمن، ولهم في الاستشهاد بالحديث مذاهب مُتعدِّدة، ولم يقف ابن جني موقفاً صريحاً من الاستشهاد بالحديث النبوي، وهو يورد الأحاديث في مؤلفاته، وفي "الخصائص" ذكر أكثر من عشرين حديثاً، لكنَّ أغلبيَّتها تتعلَّق بمباحث بلاغيَّة، ونادراً ما يستشهد بالأحاديث لاستنباط قواعد لغويَّة، ومن ذلك ذهابه إلى أنَّ الألف والنون في آخر بعض الأسماء زائدتان استناداً على حديثٍ للنبيِّ عندما جاءه قومٌ من العرب فقال لهم: «من أنتم»، فقالوا: «نحن بنو غيَّان»، فقال: «بل أنتم بنو رشدان». ويرى سعيد الأفغاني أنَّ ابن جني كان من المجيزين للاستشهاد بالحديث.

القياس

يُقسِّم ابن جني المسموع أو المنقول من ناحية القياس عليه إلى قسمين؛ مُطَّرد وشاذ، والاطراد والشذوذ قد يكون في الاستعمال أو القياس، وفي الاستعمال يعتمد على كمِّ الأخبار الواردة بصحته وفصاحته، وفي القياس يعتمد على موافقته لمقاييس اللغة ومعاييرها، ومن ثمَّ تأتي المرويات على أربعة ضروب؛ فقد يكون السماع مُطَّرداً في الاستعمال والقياس معاً، ولا خلاف حول صحة هذا الضرب وصحَّة القياس عليه، مثل: «ضربتُ زيداً»، وقد يكون مُطَّرداً في القياس شاذاً في الاستعمال، مثل: «مكان مُبقل»، فمقاييس اللغة والقواعد التي تتبعها تسمح بصناعة اسم الفاعل على ذلك الضرب، لكنَّ استعماله في اللغة شاذ والأكثر في اللغة أن يُقال: «باقِل»، وقد يكون السماع شاذاً في القياس مطَّرداً في الاستعمال، مثل: «استصوب»، فمقاييس اللغة توجب إعلال الفعل ليصير مثل: «استقام»، لكنَّ المرويات عنه بهذه الصورة كثيرة، وقد يكون السماع شاذاً في القياس والاستعمال معاً، مثل إجازة المبرد تتميم صيغة اسم المفعول للأفعال التي يكون عينها واواً، فيُقال: «مَقُووم»، وهذا القول شاذ من جميع الأوجه لا يُبرِّره القياس أو الاستعمال، ولا خلاف حول خطئه. وهكذا يُقسِّم ابن جني السَّماع في كتابه "الخصائص" في باب "القول على الاطراد والشذوذ"، ثُمَّ يختلف الباحثون حول تحديد موقف ابن جني من القياس على الضربين الثاني والثالث، ومن المتفق عليه أنَّ ابن جني يُقدِّم السماع على القياس في حالة تضاربهما، فيرفض تخطئة اللفظ الذي كثر استعماله مُخالفاً لقواعد اللغة، ويختلف الباحثون حول ما إذا كان يجيز القياس على ذلك اللفظ وتطبيق قاعدته على ألفاظ أخرى، ويذهب فاضل السامرائي إلى أنَّ ابن جني يرفض القياس على ذلك اللفظ، حتى وإن كان يراه فصيحاً فلا يجيز بناء قاعدة استناداً عليه فقط تُبرِّر مخالفة القواعد الشائعة للغة، بينما يرى محمود حسني محمود أنَّ ابن جني أجاز القياس على المسموع المخالف للقياس الشائع، ومن ذلك إجازته إلحاق نون التوكيد باسم الفاعل، بل ويرى أنَّه لم يشترط الكثرة للقياس وأجاز القياس على المثال الواحد، مستدلاً برأي الأخفش الأوسط في أنَّ المرويات المطردة في الاستعمال المخالفة للقياس الشائع قد يكون لها قياساً في لهجة مندثرة.

التعليل

الإجماع

موقف ابن جني من نظرية العامل

موقف ابن جني من نظرية العامل لم يكن إيجابياً كموقف سواه من النحويين، غير أنَّه لم يرفضها مُطلقاً كابن مضاء القرطبي، ويتحدَّث ابن جني عن العوامل النحوية في كتابه "الخصائص" فيقول: «وإنما قال النحويون: عامل لفظي، وعامل معنوي؛ ليروك أن بعض العمل يأتي مسببًا عن لفظٍ يصحبه؛ كمررت بزيد، وليت عمرًا قائم؛ وبعضه يأتي عاريًا من مصاحبة لفظ يتعلق به؛ كرفع المبتدأ بالابتداء، ورفع الفعل لوقوعه موقع الاسم؛ هذا ظاهر الأمر، وعليه صفحة القول. فأما في الحقيقة ومحصول الحديث فالعمل من الرفع والنصب والجر والجزم إنما هو للمتكلم نفسه لا لشيء غيره. وإنما قالوا: لفظي ومعنوي لما ظهرت آثار فعل المتكلم بمضامة اللفظ للفظ، أو باشتمال المعنى على اللفظ»، ويقول في "الخصائص" أيضًا: «». ويفهم أحمد أمين من النصِّ السابق أنَّ ابن جني رفض نظرية العامل مُطلقاً، وبهذا يكون أوَّل نحوي يرفضها، ولم يعترف سوى بالمُتكلِّم عاملاً في اختلاف حركة أواخر الكلمات، والمتكلِّم هنا وفقاً لأحمد أمين يُمثِّل الاصطلاح والوضع المتعارف عليه بين المُتحدِّثين باللغة دون الحاجة إلى مرجعيات منطقيَّة عقلانيَّة، فالفاعل مرفوع لأنَّ العرب تواضعت على رفعه، ولا حاجة إلى تكلُّف حجَّة منطقيَّة لتفسير رفعه. ويوافقه جماعة من الكُتَّاب فيما ذهب إليه من أنَّ ابن جني حاول هدم نظرية العامل، منهم أحمد عبد الستار الجواري الذي يضع ابن جني في خانة وبقيَّة النحاة في خانة أخرى في معرض حديثه عن موقف النحاة من العامل، ومحمود حسني محمود الذي يؤكِّد أنَّ ابن جني رفض العوامل جميعها. وقد أُعجِبَ الرضي الاستراباذي برأي ابن جني، ويوافقه فيما ذهب إليه، ويرى البعض أنَّ موقف ابن جني من العامل كان إلهاماً لابن مضاء في ثورته على التقليد النحوي، خاصَّة أنَّ ابن مضاء أورد رأي ابن جني في أنَّ العامل هو المُتكلِّم، إلا أنَّه خالفه في كون المتكلِّم هو العامل، وجعل العمل لله وحده تأثُّراً بعقيدته الظاهريَّة في تفسير القرآن.

وعلى النقيض يعتقد فاضل السامرائي أنَّ ابن جني تقبَّل فكرة العامل وطبَّقها في مؤلفاته بدون إبداء أي مُعارضة، وكان يستند عليها فيما يقبل ويرفض من القواعد النحوية، ويرى السامرائي أنَّه لا يختلف كثيراً عن سائر النحويين في تعامله مع العامل، ويردُّ على أحمد أمين بنصوص من مؤلفات ابن جني يطبِّق فيها نظرية العامل بوضوح، منها على سبيل المثال في "المُنصِف": «ألا ترى أنَّك إذا قُلتَ: قامَ بكرٌ، ورأيتُ بكراً، ومررت ببكرٍ؛ فإنَّك إنَّما خالفت بين حركات حروف الإعراب لاختلاف العامل؟». ويوافقه عبده الراجحي في أنَّ ابن جني لم ينكر العامل، وإنَّما فهم فكرة العامل فهما لغوياً صحيحاً باعتباره التأثير الذي ينشأ بين التراكيب اللغوية في جملة واحدة، وذلك عندما وضَّح طبيعة العمل «بمضامة اللفظ للفظ، أو باشتمال المعنى على اللفظ». ويرى خليل عمايرة أنَّ ابن جني نظرياً لم يقتنع اقتناعاً كاملاً بقضيَّة العامل، ولم يتقبَّل التصوُّر التقليدي منذ سيبويه وحتى عصره، إلا أنَّه لم يسعى نحو هدمها أو استبدالها، بل وناقض نفسه عندما اعتمد على العوامل حسب المنهج التقليدي في تعامله مع المسائل النحوية، ويصف خليل عمايرة القول بأنَّ ابن جني رفض نظرية العامل أنَّه «قولٌ تنقصه الدِقَّة العلميَّة». ويذهب عبد الهادي الفضلي إلى أنَّ ابن جني لم يرفض فكرة عمل الألفاظ في بعضها، ولكنَّه رفض أن يُفهَم من ذلك أنَّ بعض الألفاظ تكون مُسبِّباً في نشوء ألفاظ أخرى من الناحية الفلسفية، فالعامل الوحيد في نشوء الأصوات هو المُتكلِّم فقط، أمَّا العلَّة التي تحكم علاقة الألفاظ ببعضها فهي ليست علَّة واقعيَّة وإنَّما علة اعتباريَّة اصطلاحيَّة مُصطنَعة.

موقفه من الضرورة الشعرية

التأثير

كان لآراء ابن جني تأثير على عددٍ من النحاة البارزين في عصور مختلفة، ومنهم تلامذته كالثمانيني، ومن أشهر النحاة المتأثِّرين بتوجُّهاته النحوية أبو البقاء العكبري، وابن الشجري الأندلسي الذي شرح «اللمع» لابن جني، وأبو البركات الأنباري، وابن يعيش، والزمخشري. واستعان ابن سيده بكتاب "الخصائص" في تأليف لـ"المحكم"، وغفل ابن سيده عن نسبة بعض الآراء التي اقتبسها من الخصائص إلى ابن جني، ما جعل بعض الكُتَّاب والمؤرخين بعده ينسبونها إليه. وكذلك فعل ابن الأثير نصر الله بن محمد، حيث اقتبس من "الخصائص" في تأليفه لـ"المثل السائر"، ومثل ابن سيده لم ينسب ابن الأثير ما اقتبسه من "الخصائص" إلى ابن جني، وأشار محمد النجار إلى أنَّ هناك فصلاً كاملاً نقله ابن الأثير من "الخصائص" بغير عزوٍ. وتأثَّر بمنهج ابن جني أبو إسحاق الشيرازي، ومن الملاحظ أنَّه أخذ عن ابن جني بعض عناوين مؤلفاته. وحاول أبو الكرم البغدادي في القرن الخامس الهجري إحياء منهج ابن جني والفارسي.

المصدر: wikipedia.org