اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
ترى أحد النظريات المطروحة أن الدمار الذي تسبب به الموت الأسود (الطاعون) في فلورنسا، والذي أصاب أوروبا بين عامي 1348 و 1350 كان سبباً في تحول نظرة الإيطاليين للعالم من حولهم في القرن الرابع عشر. ضرب الطاعون إيطاليا بالذات بشكل شديد، وقيل أن الألفة مع الموت جعلت المفكرين يتأملون أكثر بحياتهم على هذه الأرض بدلاً من الحياة الآخرة والروحانية. كما قيل أن الطاعون دفع موجة جديدة من التقوى، والتي تجلت في رعاية الأعمال الفنية الدينية. ولكن هذا لايفسر بشكل كامل لماذا حدث عصر النهضة في القرن الرابع عشر في إيطاليا على وجه التحديد. فوباء الموت الأسود قد أصاب جميع أنحاء أوروبا، وليس فقط إيطاليا. على الأرجح، ظهور عصر النهضة في إيطاليا كان نتيجة لتفاعل معقد للحقائق المذكورة أعلاه.
وقد نُقل الطاعون عن طريق البراغيث على السفن الشراعية العائدة من موانئ آسيا، وكان ينتشر بسرعة بسبب عدم وجود المرافق الصحية المناسبة: يصل عدد سكان إنجلترا آنذاك حوالي 4.2 مليون نسمة، 1.4 مليون شخص فقدوا في الطاعون الدبلي. انخفض عدد السكان في فلورنسا إلى النصف تقريباً في عام 1347. وكنتيجة لهذا الانخفاض في عدد السكان، فقد ازدادت قيمة الطبقة العاملة، وأيضاً جاء العامة ليحظوا بحرية أكبر. ولسد الحاجة المتزايدة إلى العمل، فقد سافر العاملون بحثاً عن المكان الأفضل من الناحية الاقتصادية.
كان للانخفاض السكاني بسبب الطاعون بعض العواقب الاقتصادية: انخفضت أسعار المواد الغذائية، وانخفضت قيمة الأراضي بنسبة 30٪ إلى 40٪ في معظم أنحاء أوروبا بين 1350 و 1400. كما واجه ملاك الأراضي خسارة كبيرة، ولكن بالنسبة للرجال والنساء العاديين، فقد كانت تلك مفاجئة سارّة. لم يجد الناجون من الطاعون فقط أسعار الغذاء منخفضة، بل وجدوا أيضا العديد من الأراضي المتاحة، والغالبية منهم كان قد ورثها من أقاربه الذين ماتوا.
كان انتشار المرض أكثر بكثير في مناطق الفقر. دمرت الأوبئة المدن، وخاصة الأطفال، كما انتشر الطاعون بسهولة عن طريق القمل، ومياه الشرب غير صحية، والجيوش، وقلة النظافة. كان الأطفال أكبر المتضررين لأن أمراضا مثل التيفوس والزهري كانت تهاجم جهاز المناعة لديهم، وتجعلهم غير قادرين على مقاومة الأمراض. الأطفال في مساكن المدينة تأثروا من انتشار المرض أكثر من الأطفال الأثرياء.
تسبب الطاعون باضطرابات في البنية السياسية والاجتماعية لفلورنسا أكثر مما تسببته الأوبئة اللاحقة. على الرغم من العدد الكبير للضحايا الذين لاقوا حتفهم من الطبقة الحاكمة، إلا أن حكومة فلورانسا استمرت في العمل طيلة هذه المدة. عُلقت الاجتماعات الرسمية للممثلين المنتخبين في ذروة الوباء نظراً لظروف الفوضى في المدينة، ولكن تم تعيين مجموعة صغيرة من المسؤولين لتسيير شؤون المدينة والتي تضمن استمرارية الحكومة.