اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
بعد أن أصيبت البلاد بعدد من الفتن الدامية، في أواسط القرن التاسع عشر، وبعد أن أصبح جبل لبنان متصرفية صغيرة المساحة محدودة الإنتاج، ضاقت أبواب الرزق في وجوه عدد كبير من الشبّان العاطلين عن العمل، فبحثوا عن مخرج ينقذهم مما كانوا يعانون من الفقر والعوز. وضاق بعض الفلاحين بالضرائب التي فُرضت عليهم، فتخلّص فريق منهم بأن لجأ إلى حماية الأديرة التي أعفيت من الضرائب، فاضطرت حكومة المتصرفية إلى توزيع مجموع الضرائب المطلوبة على سائر الفلاحين الذين يملكون الأراضي الباقية، فرزح هؤلاء تحت ثقل هذه الضرائب وانتظروا الفرصة حتى تسنح لهم ليلقوا هذا الثقل عن كواهلهم.
في حين كان اللبنانيون يزرحون تحت كابوس الفقر والعوز، كان يترامى إلى أسماعهم أن في الخارج بلدانًا غنية، يستطيعون فيها تحقيق مطامعهم في وقت قصير. فما كان منهم إلا أن فكروا في الهجرة إليها. ولم تكن الحكومة العثمانية تلاحق مواطنيها لتجبي منهم الضرائب فقط، بل كانت أحيانًا تلاحقهم هم أنفسهم، وخصوصًا في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، عندما كانت الدولة قد أصبحت شديدة الضعف واشتد التدخل الأوروبي في شؤونها، واستمالت بعض الدول رعايا عثمانيين يخدمون مصالحها، فقام العثمانيون بمطاردة كل من يشتبهون بأنه يميل للأوروبيين أو يدعمهم، واضطهدوه، وكان بعض من هؤلاء يعمل لصالح فرنسا أو بريطانيا أو روسيا بالفعل، بينما كان بعضهم الآخر بريئًا من ذلك، فوجد كل من الفريقين الهجرة خير وسيلة للتخلص من ضغط العثمانيين.
كانت وسائل النقل العالمية بطيئة، كثيرة الأخطار، باهظة النفقات حتى أواسط القرن التاسع عشر. وفي عهد المتصرفية طرأ عليها تحسن عظيم. فقد حلّت السفن البخارية محل السفن الشراعية في البحار والمحيطات، وانتشرت السكك الحديدية في معظم البلدان، وبدأت السيارات تحل محل حيوانات النقل وتتطور بسرعة. وكان من نتيجة هذا التقدم أن نشطت حركة السفر بين الأقطار المختلفة بعد أن قلّت أخطاره وانخفضت نفقاته وزادت سرعته. وكان في طليعة المستفيدين من هذا التطور أبناء جبل لبنان في عهد المتصرفية الذين تشجعوا على السفر وأقبلوا على الهجرة بعد أن توفرت لهم وسائل النقل الحديثة.
على أثر حوادث سنة 1860 نزح عدد كبير من الدروز إلى حوران وجبل العرب واستوطنوا هناك. وفي سنة 1869 فُتحت قناة السويس، فقصرت الطريق بين أوروبا وبلدان الشرق العربي العثماني. وعندما احتلت بريطانيا مصر سنة 1882 ساد الأمن وازدهرت التجارة ازدهارًا عظيمًا فقصدها المهاجرون اللبنانيون، إما هربًا من جور الإقطاعيين والولاة، أو طلبًا للرزق. وقد أصاب كثيرون منهم النجاح فجمعوا الثروات الطائلة وتبوأوا مراكز مرموقة في الإدارة والصحافة والتجارة. ومن أبرز الذين استوطنوا مصر سليم وبشارة تقلا مؤسسا جريدة الأهرام، ويعقوب صرّوف وفارس نمر مؤسسا جريدة المقتطف وجريدة المقطّم، والشيخ رشيد رضا مؤسس مجلة المنار، وجرجي زيدان مؤسس دار الهلال وصاحب المؤلفات الكثيرة في الأدب والتاريخ.
وبعد مصر اتجه المهاجرون اللبنانيون نحو البلدان الأمريكية الشمالية واللاتينية مثل الولايات المتحدة وكندا والمكسيك والبرازيل والأرجنتين. وكانت الأنباء عن خصب الحياة وغناها في العالم الجديد وأستراليا تُنقل إلى المشرق العربي موسعة مكبّرة فتغري الناس وتدفعهم إلى الهجرة وراء السعادة المنشودة. ويُقال أن أوّل هؤلاء كان شابًا من قرية صاليما اسمه أنطوان البشعلاني، الذي هبط اليابسة في بوسطن سنة 1854، وتوفي في نيويورك بعد سنتين. وإحياءً لذكراه المئة اعتبرت الحكومة اللبنانية سنة 1955 سنة المغتربين، فاستقبلت وفودهم في ذلك العام وأقامت لهم مهرجانات ضخمة. يتحدث الأديب اللبناني ميخائيل نعيمة عن الهجرة في عهد المتصرفية خلال عام 1900 وكيف مزقت أوصال أسرته، فيقول:
وفي عهد المتصرفية أخذت أعداد المهاجرين اللبنانيين إلى أستراليا والعالم الجديد تزداد باطّراد، كما أخذت أموالهم تتوالى على أهلهم لترفّه عنهم، فأصبحت الهجرة حديث الناس في قرى الجبل. ويُروى أن الإسكافي "فضّول متري بشارة" هاجر من بلدة الشوير إلى البرازيل حوالي سنة 1885. فلم تكد تمرّ على هجرته سنتان حتى أرسل إلى والده في لبنان خمسين جنيه استرليني ذهبًا. فتنعم والده بالمال المُرسل إليه فاشترى سروالاً من الجوخ، وأردفه بمعطف ثمين، وشال من الكشمير، وأخذ يتبختر في سوق الشوير. فاهتزت البلدة واندفع من أبنائها إلى أمريكا ثمانون شخصًا في عام واحد سافروا دفعة واحدة. ويُقال أن جبل لبنان خسر ما بين عام 1900 وعام 1915 مئة ألف شخص من أبنائه، وهو عدد يبلغ ربع عدد السكان الإجمالي آنذاك.
كان للهجرة عدّة نتائج، منها الحسن ومنها السيء. حقق أكثر المهاجرين ما أرادوا من هجرتهم، فقد أثري الفقير، وتحرر المضطهد، ووجد المغامرون ما يُغذي طموحهم ويقربهم من أهدافهم. وكان من نتيجة ذلك أن تدفقت الأموال على المقيمين من أبنائهم وأقربائهم المغتربين. وكانت أسر عديدة تعيش على ما يرد إليها من بلاد الغربة. وبذلك تحسنت حياة بعض الجماعات، فاستطاعوا أن يُنشئوا بما جناه أبناؤهم من الأموال المشروعات الصناعية والتجارية والزراعية، فخدموا الوطن ونشطوا حياته الاقتصادية. ومن الطبيعي أن الأموال الغزيرة ما كانت لتصل إلى لبنان لو لم يكن هؤلاء المهاجرون قد حققوا لأنفسهم ثروة كبيرة ومكانة مرموقة في البلاد التي هاجروا إليها، وقد تبوأ الكثير من اللبنانيين منزلة عالية في المجالات الاجتماعية والاقتصادية وشغلوا مناصب كبيرة في الإدارة والقضاء والجيش والسياسة.
وكان للمغتربين من رجال الأدب أثر كبير في نهضة الأدب العربي وتطوره. فقد أصبح لهم مدرسة أدبية ذات طابع خاص هو مزيج من إيحاء الشرق وفكر الغرب. وقد برز في هذا المجال في أواخر عهد المتصرفية عدد كبير من الأدباء منهم على سبيل المثال: جبران خليل جبران، وأمين الريحاني، وميخائيل نعيمة، وإيليّا أبو ماضي في الولايات المتحدة، وخليل مطران وأنطوان الجميّل في مصر. على أن هذه المدرسة الأدبية المهجرية قد بلغت ذروة مجدها بعد عهد المتصرفية. وإذا كانت الهجرة قد أتاحت لفريق من أبناء جبل لبنان أن يتبوأ أعلى المناصب ويُصيب حظًا وافرًا من النجاح والثروة، فإن المنطقة كانت تخسر بهجرة هؤلاء نفوسًا طامحة وسواعد قويّة وشبابًا قادرًا على بناء الوطن والنهوض به في الوطن نفسه لا في بلاد الغربة. وقد أصبح عدد المهاجرين من أبناء لبنان اليوم، سواء المهاجرين حديثًا أو المتحدرين من أصول لبنانية، يفوق عدد اللبنانيين أنفسهم.