اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
تتمتَّعُ الزَّرافة بُعنُقٍ طويلٍ جدًا هو الأطول بين جميع الثدييَّات بِلا مُنازع، ويُمكن أن يصل طوله إلى مترين تقريبًا (حوالي 6 أقدام و7 إنشات)، وهو ما يجعلُ هذه الحيوانات الأكثر ارتفاعًا بين جميع دواب اليابسة. يرجعُ طول أعناق هذه الحيوانات إلى تطاولٍ غيرُ مُتناسبٍ للفقرة الرقبيَّة، وليس بسبب امتلاكها فقراتٍ أكثر عددًا من فقرات سائر الثدييَّات، وكُلُّ فقرةٍ من فقراتها يفوقُ طولها 28 سنتيمترًا (11 إنشًا). تُشكِّلُ الفقرات الرقبيَّة ما بين 52 و54% من إجمالي طول العمود الفقريّ للزرافي، مُقارنةً بما بين 27 و33% من إجمالي طول العمود الفقريّ عند الحافريَّات الضخمة المُماثلة لها، بما فيها أقرب أقاربها الحيَّة، أي الأكَّأب. يبدأ عُنق الزَّرافة بالتطاول بعد ولادتها، إذ يصعبُ على الأُم أن تلد صغيرها ذو عُنقٍ طويلٍ بأبعادٍ مُتطابقة مع أبعاد أعناق البوالغ. يشرأبُّ رأس وعُنق الزَّرافة عبر عضلاتٍ قويَّة ورِباطٍ قفويّ مُثبَّتة بواسطة فقرات ظهريَّة طويلة تقعُ على خلفيَّة الفقرة الصدريَّة، ممَّا يولدُ سنامًا بسيطًا عندها.
تتمتَّعُ فقرات عُنق الزَّرافة بمفاصل كُروانيَّة (شبيهة بالكُرة)، ويسمحُ المفصل القابع بين الفقرة الأطلسيَّة وتلك المحوريَّة، يسمحُ للحيوان بأن يميلُ برأسه عموديًا ليصل إلى الأغصان العلويَّة بواسطة لسانه. تقعُ نُقطة ارتباط الفقرتين الرقبيَّة والصدريَّة بين الفقرتين الصدريتين الأولى والثانية (T1 وT2)، عكسُ مُعظم أنواع المُجترَّات التي تقعُ نقطة ارتباط فقرتيها سالِفتا الذِكر بين الفقرة الرقبيَّة السَّابعة وتلك الصدريَّة الأولى (C7 وT1). وهذا يعني عند بعض العلماء أنَّ الفقرة الرقبيَّة السَّابعة هي التي تُساهم في إطالة عُنق الزَّرافة، وقد اقترح آخرون أنَّ الفقرة الصدريَّة الأولى ينبغي أن تكون في الواقع فقرةً رقبيَّةً ثامنة، وإنَّ تطوّر الزرافي منحها فقرةً رقبيَّةً زائدة. غير أنَّ جمهور العُلماء يرفضُ هذه النظريَّة، نظرًا لأنَّ الفقرة الصدريَّة الأولى لها خصائص تشكُّليَّة مُختلفة عن خصائص الفقرات الرقبيَّة، فهي تتمتّع بضلعٍ مُمفصل كسائر الفقرات الصدريَّة، ولأنَّ الثدييَّات التي تتمتَّع بعددٍ زائد من الفقرات الرقبيَّة غالبًا ما تُعاني اضطراباتٍ عصبيَّة وعللٍ كثيرة، وهو أمرٌ معدومٌ عند هذه الحيوانات.
هُناك نظريَّتان رئيسيَّتان تتعلَّقُ بالأصل التطوُّريّ لعُنق الزَّرافة وبقاء هذه السمة الوراثيَّة سائدة عندها مُنذ ملايين السنين، إحدى هذه النظريَّتان هي «نظريَّة التنافس مع سائر الحيوانات الرَّاعية»، ورائدُها هو تشارلز داروين، وقد بقيت هذه النظريَّة سائدة طيلة زمنٍ طويل، ولم تظهر أيَّة نظريَّة أُخرى تتحداها إلَّا مؤخرًا. وتقترحُ هذه النظريَّة أنَّ التنافس على المرعى بين أسلاف الزَّرافي والحيوانات الرَّاعية الأُخرى الأصغر حجمًا، من شاكلة الظباء كالمُرامري (الكُودُ) وظبي الحجر والإمپالا، جعل الكفَّة تميل إلى أسلاف الزرافي ذوي الأعناق الأطول، إذ أنَّ هذه الحيوانات اضطرَّت تحت ضغط المُنافسة العنيدة أن تتجه للاقتيات على مصادر غذائيَّة نباتيَّة لا تصلها سائر العواشب بسُهولة، فاختارت أوراق الأشجار المُرتفعة. وتظهرُ حسنات وأفضليَّة هذه الخاصيَّة الأحيائيَّة عند الزرافي بوضوحٍ جليّ، إذ لا مُنافس لها حتَّى بين أكبر الظباء، فالمُرامريّ مثلًا، وهو ظبيٌّ ضخمٌ جدًا لا يقدرُ أن يرعى النباتات التي يفوقُ عُلوَّها مترين (6 أقدام و7 إنشات)، بينما الزَّرافة تصلُ إلى الأغصان التي ترتفعُ 4.5 أمتار (15 قدمًا) عن الأرض. وبعضُ الأبحاث تُشيرُ إلى أنَّ التنافس على المرعى على مُستوى الأرض والشُجيرات حادٌ جدًا، وأنَّ الزرافي ترعى بفعاليَّةٍ أكبر في رؤوس الأشجار، فتأكُل كفايتها من الأوراق وتستحصل على ما يلزمها من الغذاء والطَّاقة. ويختلفُ العُلماء في تحديد الوقت الذي تُمضيه الزرافي وهي تقتات في الأعالي مُقارنةً بالوقت الذي تُمضيه العواشب الأُخرى، وفي دراسةٍ من سنة 2010م، تبيَّن أنَّ الزرافي ذات الأعناق الأطول تفوقُ نسبة نُفوقها خلال مواسم الجفاف تلك الخاصَّة بأقرانها الأقصر عُنقًا. وتقترحُ هذه الدراسة تفسيرًا مفاده هو أنَّ العُنق الأطول يتطلَّب المزيد من المُغذيات، الأمر الذي يضع صاحبته في مأزقٍ حرج خلال موسم الجفاف والشُح التي يقلُّ فيها المرعى.
أمَّا النظريَّة الأُخرى، فهي «نظريَّة الاصطفاء الجنسي»، وهي تقترحُ بأن تكون الأعناق الطويلة قد تطوَّرت كخاصيَّة جنسيَّة ثانويَّة، لتُعطي الذُكور أفضليَّةً خِلال مُبارزات «العناق» التي تهدف إلى إثبات هيمنتها وحقِّها في التزاوج مع الإناث المُتقبلة. ويقولُ أصحاب هذه النظريَّة أنَّ ما يُبتُ صحَّتها هو أنَّ أعناق الذُكور أطول وأثقل من تلك الخاصَّة بالإناث من نفس الفئة العُمريَّة، ولأنَّ الذُكور لا تلجأ إلى أيِّ شكلٍ آخر من أشكال القتال بين بعضها. غير أنَّ ما تفشل هذه النظريَّة في تفسيره، وهو سببُ انتقادها، هو سببُ امتلاك إناث الزرافي أعناقًا طويلة أيضًا، رُغم أنَّها لا تُقتلُ بعضها لإثبات هيمنتها في سبيل اجتذاب الذُكور.