English  

كتب المصحف الإمام

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

المصحف الإمام (معلومة)


مصحف الإمام أو المصحف الإمام: هو المصحف المنسوب إلى الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفّان، ويطلق هذا الاسم على مصحف عثمان بن عفان الشخصي الذي احتفظ به لنفسه، ونُسخ منه المصاحف ووزعت في الأقطار الإسلامية. يقول محمد طاهر الكردي في تاريخ القرآن : «والمراد بالمصحف العثماني مصحف عثمان بن عفان رضي الله عنه الذي أمر بكتابته وجمعه، وكانوا يسمونه المصحف الإمام، وسبب هذه التسمية الإمام هي مقولة عثمان (يا أصحاب محمد اجتمعوا فاكتبوا للناس إماماً)». يقول السيوطي: «أن عدد النسخ التي انتسخت من المصحف العثماني الذي جمعه الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه ليجمع عليه الأمة تفادياً للخلاف والفرقة في الدين، وأجمع الصحابة على أنه تضمن جميع الصحف التي كان الصديق قد جمعها في عهده بمشورة من عمر رضي الله عنه، وتركها عمر عند بنته حفصة رضي الله عنها: عدد هذه النسخ سبع، أرسل منها نسخة إلى مكة، وواحدة إلى الشام، والثالثة إلى اليمن، والرابعة إلى البحرين، والخامسة إلى البصرة، والسادسة إلى الكوفة، وحبس واحدة بالمدينة، وهذه المصاحف الموجودة اليوم بأيدي الناس في مشارق الأرض ومغاربها صادرة عنها، ولا يوجد أي جمع بعد هذا الجمع، وجميع أوجه القراءة مطبقة على هذه المصاحف».

ولا يمكن فيما يتعلق بوصف المصحف الإمام العثماني أن نقف على وصف دقيق في الوقت الحاضر، وذلك بسبب تعدد الروايات واختلافها حول مصير المصحف العثماني أو المصاحف العثمانية الأصلية، وقد رُوي أن أبو عبيد القاسم بن سلام رأي مصحف عثمان المنقوط بدمه وشاهد آثار الدماء بصفحات منه، ويقول: «رأيت الإمام مصحف عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه في شهر ربيع الأول سنة 223 هـ فشبرتُ طول المصحف فإذا في الورقة ثمانية وعشرون سطراً، ورأيت أثر دم فيه كثيراً في أوراق من المصحف كثيرة، بعض الورق قدر نصف الورقة وبعضه قدر الثلث وفي بعض الورق أقل وأكثر ورأيت عظم الدم نفسه في سورة النجم»، ويقول صاحب كتاب سمير الطالبين: «كتبت المصاحف العثمانية على الترتيب المكتوب في اللوح المحفوظ بتوقيف جبريل عليه السلام للنبي صلي الله عليه وسلم على ذلك وإعلامه عند نزول كل أية بموضعها، مجردة من النقط والشكل، والذي عليه الجماهير من السلف والخلف أنها مشتملة على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة جامعة للعرضية الأخيرة التي عرضها الرسول صلى الله عليه وسلم على جبريل عليه والسلام ولم تترك حرفاً منها».

مصحف عثمان الشخصي

ويجب التفريق بين المصاحف التي أرسلها الخليفة عثمان بن عفان إلى الأمصار الإسلامية ومن بينها مصحف المدينة، وبين مصحفه الخاص الذي كان يقرأ فيه يوم قتل عام 35 هـ، وهو الذي قيل أنه خطه بيمينه ، يذكر السجستاني عن إياس بن صخر بن أبي الجهم: «أن مصحف عثمان الإمام الخاص به، كان يخالف مصاحف أهل المدينة في اثني عشر حرفًا، منها: في البقرة (ووصى بها إبراهيم) بغير ألف، وفي آل عمران (وسارعوا إلى مغفرة) بالواو، وفي المائدة (ويقول الذين آمنوا) بواو، وفيها أيضا من (يرتد منكم) بدال واحدة، وفي براءة (والذين اتخذوا مسجدا) بواو، وفي الكهف (لأجدن خيرا منها منقلبا) واحد، وفي الشعراء (وتوكل على العزيز) بالواو، وفي المؤمن (أو أن يظهر) وفي الشورى (فبما كسبت) بالفاء، وفي الزخرف (وفيها ما تشتهي الأنفس) بغير هاء، وفي الحديد (فإن الله هو الغني الحميد) بهو، وفي الشمس وضحاها (ولا يخاف عقباها) بالواو».

ظل مصحف عثمان الشخصي معه حتى كانت فتنة مقتل عثمان، وتجمع الروايات على أن عثمان عندما أقدم بعض المحاصرين لداره على اقتحامه، أخذ مصحفه ووضعه على حجره ليتحرم به ويقرأ منه، ثم فاجأه الثوار بالهجوم وتقدم أحدهم وسل سيفه وهوى به عليه، فأكبت زوجته نائلة بنت الفرافصة واتقت السيف بيدها، فقطع السيف أصابعها، ومضى السيف في حبل عاتق عثمان فقتله على الفور. استشهد عثمان وهو يتلو القران في مصحفه الخاص، واصطبغت بضع صفحات منه بقطرات من دمائه، وكان لهذه القطرات من الدماء أعظم الأثر فيما حظي به هذا المصحف من أهمية عظمى بين المصاحف العثمانية إلى حد أن بلغت حد القدسية، ودفعت المساجد الكبرى في العالم الإسلامي إلى التنازع على اقتنائه والتهافت عى حيازته للتبرك به. كان المصحف الإمام الذي كان عثمان بن عفان يقرأ فيه ساعة استشهاده قد سالت عليه قطرات من دماء الخليفة عثمان، عندما وجأ كنانة بن بشر بن عتاب أذنه بمشاقص كانت في يده حتى دخلت في حلقه، وقد قطرت أول قطرة من دم عثمان على قوله تعالى: (فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم)، وظل أثر الدم عليه لم يحك بعد وفاته.

تتبع أثره

روى السمهودي أن مصحف عثمان الذي كان يطالع فيه وقت استشهاده انتقل بعد وفاته إلى أحد شخصين كلاهما يحمل اسم خالد، يقول السمهودي: «وبلغني أن مصحف عثمان صار إلى خالد بن عمرو بن عثمان بن عفان»، في حين يروي السمهودي بروايةٍ أخرى فيقول: «وقد قال ابن قتيبة: كان مصحف عثمان الذي قتل وهو في حجره عند ابنه خالد ثم صار مع أولاده وقد درجوا». وأقرب الظن أن مصحف عثمان كان عند خالد بن عمرو بن عثمان، لأنه أقرب إلى معاوية بن أبي سفيان وبني أمية من خالد بن عثمان، بالإضافة إلى أنه كان يقيم مع أبيه في دار عثمان بن عفان نفسها، ويروي ابن عبد الملك المراكشي أن هذا المصحف المنقوط بدم عثمان قد ضاع بالمدينة في بعض الفتن الطارئة عليها، يقول مالك بن أنس: «إن مصحف عثمان بن عفان رضي الله عنه تغيب فلم نجد له خبرًا بن الأشياح»، ويروي ابن عبد الملك المراكشي أن شخصًا يدعى أبو بكر محمد بن أحمد بن يعقوب ذكر أنه سمع عن والده أحمد، رأى بخط جده يقول ما يؤكد أن هذا الجد يعقوب قد رأى الإمام (مصحف عثمان) بنفسه في العراق ويقول: «حدثني أبي: رأيت الإمام مصحف عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه في شهر ربيع الأول سنة 223 هـ، قد بعث به أبو اسحاق أمير المؤمنين وهو المعتصم بالله ابن أمير المؤمنين أبي جعفر هارون الرشيد لتجدد دفتاه ويحلى، فشبرت طول المصحف، فإذا هو شبران وأربع أصابع مفرقة، وعددت سطور بعض ورق المصحف، فإذا في الورقة ثمانية وعشرون سطرًا، ورأيت أثر دم فيه كثيرًا في أوراق من المصحف كثيرة، بعض الورق قدر نصف الورقة، وبعض قدر الثلث، وفي بعض الورق أقل وأكثر، وعلى أطراف كثير من الورق، ورأيت عظم الدم نفسه في سورة والنجم في أول الورقة كأنه دم عبيط أسود (وما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس)، ثم بعده أيضًا، ورأيت أثر نقطة من دم على هذا الحرف (فسيكفيكهم الله)، فسألت الذي رأيت المصحف عنده: مالهذه دارسة، فقال: مما يمسح الناس أيديهم بها، ورأيت أثر مسح الأيدي بينًا».

وعن الفترة التي كان فيها المصحف مخفيًا حتى ظهوره عام 223 هـ، تقول المؤرخة سحر السيد أن مصحف عثمان بن عفان والمنقوط بدمه ظل محفوظًا في دار عثمان بالمدينة دار الهجرة، وذلك طوال العصر الأموي، وأنه تغيب عن المدينة في بداية العصر العباسي الأول ربما في الوقت الذي اقتحم فيه العباسيون المدينة سنة 169 هـ واستباحوها تمامًا. أي أن المصحف الإمام انتقل من المدينة في أوائل العصر العباسي الأول، وعلى وجه التحديد في سنة 169 هـ إلى بغداد، وهناك احتفظ به خلفاء الدولة العباسية في خزائنهم.

ثم ترجح كتب المؤرخين أن المصحف الإمام انتقل إلى الأندلس في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط (206 هـ - 238 هـ) فقد كان عبد الرحمن الأوسط يبعث تجارًا لشراء ذخائر العراق ونفائسها من كتب مشاهير الكتاب وتحف وقلائد، وليس بعيدًا أن يكون قد أرسل في طلب المصحف الإمام من العراق، ويؤكد ذلك ابن حيان القرطبي الذي روى أن الفتى حبيب الصقلبي دعا بعد وفاة عبد الرحمن الأوسط بالمصحف المنسوب إلى عثمان بن عفان، فاستحلف لمحمد وتوثق منه، ويذكر الإدريسي أن المصحف الموجود بجامع قرطبة هو مصحف أمير المؤمنين عثمان بن عفان، ومما خطه بيده، ويذكر المقري أن هذا المصحف كان مصحف عثمان بن عفان الذي يقرأ فيه لحظة استشهاده ويقول: «وكان بالجامع المذكور في بيت منبره، مصحف أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه الذي خطه بيده، وعليه حلية ذهب مكللة بالدر والياقوت، وعليه أغشية الديباج وهو على كرسي من العود الرطب بمسامير الذهب». في حين يرى المؤرخَين ابن بشكوال وابن عبد الملك المراكشي أن المصحف الذي كان في جامع قرطبة لم يكن مصحف عثمان الشخصي، وإنما كان أحد المصاحف الأربعة التي أمر عثمان بنسخها وبعث بها إلى الأمصار الأربعة الكوفة والبصرة ومكة والشام.

اكتسب مصحف قرطبة هيبته وقدسيته من الورقات الأربعة التي انتزعت من من المصحف الأصلي الخاص بالخليفة عثمان، واصطبغت بنقاط من دمه يوم استشهاده وهو يقرأ فيه، ومن هنا عظم أهل الأندلس مصحفهم وبجلوه، واستمر الوضع على ماهو عليه حتى عصر الموحدين الذين خشوا على المصحف من الضياع في الأندلس بسبب تعرض قرطبة لغارات النصارى من جهة، ورغبتهم في الاحتفاظ به في خزائنهم في المغرب للتبرك به من جهة أخرى، فتم نقله من قرطبة إلى المغرب سنة 552 هـ. عندما نقل عبد المؤمن بن علي مصحف عثمان إلى المغرب، اعتنى به اعتناءً فائقًا، واحتفل بالاعتناء بكسوته وأبدلها، فبعد أن كانت من الجلد القاتم، كساه بصفائح الذهب المرصعة بالاليء والأحجار الكريمة من ياقوت وزمرد. استمر المصحف الإمام تحت عناية الموحدين حتى عام 646 هـ عندما ضعفت الدولة وقتل خليفتها إبراهيم بن علي بن المأمون، ووقع نهب في خزائن السلطان ونُهب المصحف الإمام، ثم دخل به ناهبوه تلمسان وعرضوه للبيع وقد ضاع منه بعض أوراقه، فلما علم أمير تلمسان يغمراسن بن زيان الزناتي انتزع المصحف من يد ناهبيه أمر بصيانته، ثم وقع مصحف الإمام غنيمة في أيدي البرتغاليين في معركة طريف التي دارت بين القشتاليين والمرينيين في 7 محرم 741 هـ الموافق 1340، وانتهت المعركة بهزيمة المرينيين، وبذل السلطان المريني جهدًا كبيرًا لاسترداد المصحف، فأرسل تاجرًا ليخلص المصحف بما يُطلب من مال، ونجح أبو علي الحسن بن جني في استرداد المصحف، واستمر المصحف محفوظًا في خزائن المرينيين، وكان ذلك آخر عهد به، ثم انقطعت أخباره منذ ذلك التاريخ.

المصدر: wikipedia.org