اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
حدث ذلك قبل زمن بعيد جداً، كنتُ في السادسة أو السابعة من عمري. كنت في الكُتاب القرآني الذي كنا نتعلم فيه نحن أبناء القرية القراءة والكتابة وبشكل خاص حفظ القرآن وتعلم اللغة العربية وإتقانها، كان الفقيه الذي يعلمنا يملي علينا بعض الأيات ونحن نكتب بأقلام من القصب والصمغ على اللوح الخشبي، لازلت لا أصدق كيف حفظت القرآن من أخره إلى أوله، لأننا كنا نستظهره من سورة الناس إلى سورة البقرة ولا أعرف سبب ذلك، حفظته من املاء الفقيه بصوته وأنا كنت أكتب على اللوح الخشبي الصغير بخط يدي، ثم بعد أن أستظهر الأية أقوم بمحوها.
تلقيتُ تعليمي الأولي في الكُتاب، وتعرفت فيه أول مرة على حروف اللغة العربية، مازلت أتذكر الى اليوم عقوبة "الفلقة" التي كان لي نصيب منها، إذا ما تكاسلت عن الحفظ أو عن عدم الذهاب الى الكُتاب، كان الفقيه علي رجلاً لا يضحك إطلاقاً ولا يبتسم حتى، كان عابساً طول الوقت وشارد الذهن.
في اليوم الذي ختمت فيه حفظ القرآن، أقامت لي ماماس حفلة صغيرة، رددنا فيها أناشيد من قبيل "كلام الله علينا" وغيرها من الأمداح النبيوية، أحسست يومها أنني حققت شيئاً كبيراً برقت له عيون مماس، كنت لحظتها مثقلة بالفرح والحزن في نفس الوقت.
ذلك الحزن الطفولي جعلني لا أفهم تفاصيل ذاتي بدقة، كنت شاردة أفكر في الفقيه علي عندما وضعني على حجره وراح يقبل شَفَتَيِّ ويمص لساني بقوة ويحك قضيبه المنتصب على ساقي، بعد أن غادر كل أطفال القرية إلى بيوتهم، حينها لمْ أكن استوعب حقيقة ما كان يقع، كنت مكتفية بالصمت والنظر إلى عينيه المعمشتين، نظرته كانت تشع بطريقة لمْ أعهدها، ملامح وجهه كانت مختلفة، كان فيه شيء من الخوف واللذة، كان يستلذ بتقبيلي بينما كنت أكاد أختنق من رائحة فمه الكريهة.
ومنذ تلك الحادثة التي وقعت يومها والتي ما زالتْ الى هذه اللحظة تنهش جسدي كديدان الجثث، صرت أرفض الذهاب الى الكُتاب، بحجة أنني مريضة ورائحة الصمغ واللوح الخشبي تخنقني، أقنعت ماماس بعد جهد كبير بتوقفي عن حفظ القرآن، لم أخبرها بالحقيقة لأنني خفت أن لا تصدقني وتتهمني بالكذب. احتفظت بالسر في اعماق صدري ولم أخذ الأمر بجدية، وواصلت طفولتي بشيء من التناسي.
ذلك الحادث الذي يبدو عادياً، غير كل شيء جاء بعده، حولني من طفلة اندفاعية تريد أن تجرب كل شيء إلى طفلة منطوية على نفسها وعلى جسدها ومنطفئة، ربما كان يجب علي أن أفضح الفقيه علي لكن هذا هو الذي حدث بكل تفاصيله.