اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
المسح على الخفين هو رخصة جائزة بدلًا من غسل الرجلين في الوضوء وفق شروط محددة لذلك. والمسح لغةً: إمرار اليد على الشيء. وشرعًا: أن يصيب البلل خفًا مخصوصًا في زمن مخصوص. شرَّع الإسلام المسح على الخفين وجعله رخصة للمسلم وفي ذلك تيسر للمسلم. ويجوز المسح على الخفين وما أشبههما من الجوارب الصفيقة التي تثبت في القدمين، والجراميق التي تجاوز الكعبين، والخف وما يلبسه الإنسان في قدمي رجليه إلى الكعبين سواء، ويكون مصنوعًا من الجلد. والجورب ما كان عَلَى شكل الخف من كتَّان، أو قطن أو غير ذلك. والفرق بين الجورب وبين الخف: أن الخف مصنوعٌ من الجلد، والجورب مصنوعٌ من الصوف أو الكتان، أو القطن، ونحو ذلك. مسألة المسح على الخفين هي من مسائل الفقه لا من مسائل العقيدة؛ ولكن أُدخلت في مسائل الاعتقاد لأجل أنَّ أهل السنة والجماعة تميَّزوا عن عدد من الفرق بأنهم يرون المسح على الخفين، والمخالف في ذلك هم الخوارج والشيعة وعدد من الناس مختلفون في أماكنهم لا ينسبون إلى فرقة من الفرق. لذلك جعلت هذه المسألة من مسائل أهل السنة والجماعة وصارت مخالفة تلك الفرق مسألة من المسائل العقائدية؛ لأنها تميز أهل السنة والجماعة من الفرق الأخرى، وكان الصحابة يعملون بها. وعمل بالمسح على الخفين أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر أهل بدر والحديبية وغيرهم من المهاجرين والأنصار وسائر الصحابة والتابعين أجمعين وفقهاء المسلمين في جميع الأمصار وجماعة أهل الفقه والأثر كلهم يجيز المسح على الخفين في الحضر والسفر للرجال والنساء.
ثبتت مشروعية المسح على الخفين بأحاديث كثيرة بلغت حد التواتر فزادت على ثمانين حديث. لذا يُخشى على من أنكر مشروعيته الكفر. فقال الكرخي: «من أنكر المسح على الخفين يخشى عليه الكفر»، وقال الحسن: «حدثني سبعون عن أصحاب النبي صلى اللَّه عليه وسلم قد مسح على الخفين». ومن الأدلة: ما روى المغيرة بن شعبة قال: «كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فأهويت لأنزع خفيه فقال: (دَعْهما فإني أدخلتهما طاهرتَيْن، فمسح عليهما)». وعن صفوان بن عسال رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا كنا سَفرًا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم». وقال الإمام أبو حنيفة: «ما قلت بالمسح حتى جاءني فيه مثلُ ضوءِ النهار». قال بعض الفقهاء بأن المسح أفضل من غسل الرجلين، لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه، كما يكره أن تؤتى معصيته». وقال غيرهم غسل الرِجل أفضل منه، بشرط ألا يترك المسح شكًا في جوازه. واستدلوا تفضيل غسل الرجل أفضل، هو أن الذي واظب عليه النبي في مدة المعظم الأوقات، ولأن غسل الرجل هو الأصل فكان أفضل. ولو اعتقد المكلف جوازه ولكن تكلَّف نزعه يثاب على العزيمة.
أجمع فقهاء المسلمين على جواز المسح على الخفين من غير خلاف، لما روي من أحاديث عن رسول الله. وروي عن جرير أنه قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بال ثم توضأ، ومسح على خفيه». وهي رخصة في الوضوء دون الغسل، لما روى صفوان بن عسال قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا كنا سَفْرًا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام وليالهن إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم» مما أُسْتُدِلَّ به على المسح على الخفين من القرآن الكريم قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْن﴾، اسْتُدِلَّ به على أنَّ المسح هنا - مسح الأرجل - يُرَادُ به المسح على الخفين. وقد ذكرت مسألة المسح على الخفين في العقيدة، وعلة ذلك بأن الشيعة والخوارج لا يمسحون على الخفين، وأقدم من ذكرها في مسأل العقيدة هو الإمام سفيان الثوري في عقيدته حيث قال مخاطبًا من سأله عن معتقده: «يا شعيب بن حرب، لا ينفعك ما كتبت لك حتى ترى المسح على الخفين دون خلعهما أعدل عندك من غسل قدميك» كما قرر ذلك أبو حنيفة، وأبو الحسن الأشعري في كتابه الإبانة، والطحاوي في عقيدته، وابن بطة في الإبانة الصغرى، والبربهاري في شرح السنة، وابن خفيف في عقيدته، وأبو عمرو الداني في الرسالة الوافية. وعد سهل بن عبد الله التستري المسح على الخفين من خصال أهل السنة. وقال الإمام محمد بن نصر المروزي: «وقد أنكر طوائف من أهل الأهواء والبدع من الخوارج والروافض المسح على الخفين» وكان سفيان الثوري يذكر من السنة المسح على الخفين؛ مخالفةً للرافضة. وقال الإمام النووي: «أجمع من يعتد به في الإجماع على جواز المسح على الخفين في السفر والحضر سواء كان لحاجة أو لغيرها... وإنما أنكرته الشيعة والخوارج ولا يعتد بخلافهم»، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وقد تواترت السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم بالمسح على الخفين، وبغسل الرجلين، والرافضة تخالف هذه السنة المتواترة، كما تخالف الخوارج نحو ذلك».
ذهب جمهور العلماء إلى أن المسح على الخفين مؤقت، وهو الأرجح، ومدة المسح للمقيم يومًا وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام بلياليهن، لما روى شريح بن هانئ، أنهم سألوا عليًا عن المسح على الخفين فقال: «جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويومًا وليلة للمقيم» وعند المالكية إن المسح على الخفين لا يقيد بمدة، فقد روي عن عقبة بن عامر الجهني قال: «خرجت من الشام إلى المدينة يوم الجمعة فدخلت على عمر بن الخطاب فقال: «متى أولجت خفيك في رجليك» قلت: «يوم الجمعة» قال: «فهل نزعتهما» قلت: «لا» قال: «أصبت السنة»». واستدلوا بقاعدة أصولية، وهي: أن (الْمَفْهُومُ لَا عُمُومَ لَهُ) فأحاديث التَّوقيت فيها الأمر بالمسح: ( يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ) وَلَيْسَ فِيهَا النهي عن الزيادة إلا بِطرِيق المفهوم، والمفهوم لا عموم له. يقصد: أن توقيت رسول الله يُفهم منه أنه لا يُمسح بعد ذلك. ولكن ليس دائمًا. متى يكون دائمًا لا يجوز المسح بعدها؟ إذا وُجد نهي، مثل: لا تمسحوا بعد ثلاث ليال. هذا النهي يفيد العموم، أي: في أيّ حالة من الأحوال لا يجوز لكم المسح بعد الثلاث. ابن تيمية يقول: لا يوجد نهي بالنص. بل توقيتٌ يُفهم منه عدم الزيادة، (يسمى المفهوم) والمفهوم لا عموم له، أي: ليس دائمًا لا يجوز المسح، بل عند الحاجة يجوز المسح فوق ثلاث ليال. وعند عدم الحاجة لا يُمسح. وهذا فقه عمر وعقبة. وعقبة كان له حاجة، وهي: سرعة الوصول إلى المدينة. وجمهور العلماء يرون بأن التأقيت هو الأصل، ويمكن أن يُترك التأقيت عند الحاجة لذلك. ومدته هي للمقيم يومًا وليلة، ويمسح المسافر ثلاثة أيام بلياليهن، لما روي عن شريح بن هانئ قال: «أتيت عائشة رضي الله عنها أسألها عن المسح على الخفين فقالت: «عليك بابن أبي طالب فسله فإنه كان يسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم» فسألناه فقال: «جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويومًا وليلة للمقيم»». ويشترط في السفر الذي يجيز مسح ثلاثة أيام بلياليها أن يكون سفرًا قصر مباح، أما إن كان سفر معصية أو سفر غير قصر فتكون مدته يومًا وليلة. وعند فقهاء المالكية إن المسح على الخفين لا يقيد بمدة، فلا يجب نزعهما بعد مرور يوم وليلة كما عند الشافعية، ولا بعد مرور أسبوع كما عند الحنابلة، وإنما يندب نزعهما كل يوم جمعة وإن لم يرد الغسل لها؛ فإن لم ينزعهما يوم الجمعة يندب له أن ينزعهما في مثل اليوم الذي لبسهما فيه من كل أسبوع.
وتبدأ مدة المسح من وقت الحدث الحاصل بعد لبس الخفين، لأنه منذ وقوع الحدث بدأ عمل الخفين في منع سراية الحدث إلى الرجلين، فيصح لذلك رفع الحدث عنهما بالمسح دون الغسل. وقيل: إنها تبدأ من وقت لبس الخفين، وقيل أيضًا إنها تبدأ من أول وضوء بعد لبسهما. وإن أحدث في الحضر ثم سافر قبل المسح أتم مسح مسافر، لأنه بدأ العبادة بالسفر، أما إن مسح في الحضر ثم سافر أو مسح في السفر ثم أقام أتم مسح مقيم، لأنها عبادة يختلف حكمها بالحضر والسفر، فإذا كان أحد طرفيها بالحضر غُلِّب حكم الحضر كالصلاة، وإن شك هل بدأ المسح بالحضر أو بالسفر بنى على أنه مسح في الحضر، لأن الأصل الغسل والمسح رخصة.