اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
كان بناء الكنيسة القسطنطينية قد أخذ بالتداعي بعد اثني عشر قرنًا على بناءها، ورغم محاولات البابا مارتن الخامس بعد الانتهاء من انشقاق أفينغون ترميم الكنيسة إلا أن البناء قد ظل متداعيًا. فكان ذلك الحافز الأساسي لفكرة الإصلاح والتوسع، طلب البابا نيكولا الخامس من المهندس برناردو روسيلينو وضع مخططات جديدة لترميم الكنيسة ومن ثم طلب منه لاحقًا وضع مخططات جديدة للبناء عام 1452، كان روسولينو مهندسًا بارزًا وقد عهد إليه أيضًا تحسين المخطط المعماري لمدينة روما، وقد قام روسولينو بتقديم مخططاته القائمة على شكل صليب إغريقي متساوي الأذرع ومن ثم نقل حوالي 2500 قطعة حجر للشروع بالبناء من مقالع روما، لكن البابا توفي بعد فترة وجيزة عام 1455 ولم يكن قد أنجز من العمل سوى القليل؛ لم يهتم خلفاء نيكولا الخامس بالمشروع أو بمتابعة ترميم الكنيسة أو إعادة بنائها ولعبت القلاقل السياسية الدور البارز في ذلك، حتى حبرية البابا بولس الثاني الذي طلب من المهندس جوليانو دا سانغالو الشروع بدراسة المخططات السابقة وتعديلها غير أنه عاد فجمد المشروع عام 1471، وظل المشروع مجمدًا طوال ثلاث عقود توالى فيها أربعة بابوات هم: سيكتوس الرابع (1471 - 1484) وإينوسنت الثامن (1484 - 1492) وألكسندر الرابع (1492 - 1503) وبيوس الثالث (1503)، غير أن المشروع قد عاد إلى التداول من جديد خلال حبرية يوليوس الثاني.
أصبح يوليوس الثاني حبرًا أعظم عام 1503 وعرف عنه دعمه للفنون وبنوع خاص الفن والنحت ونقل عنه أنه أراد أن يجعل من كاتدرائية القديس بطرس: أعظم بناء في العالم المسيحي، ويعود له أيضًا بناء كنيسة سيستين المجاورة لكاتدارئية القديس بطرس وتزيينها. كانت هناك العديد من العوامل المساعدة للبابا، فمن ناحية كانت روما تنعم بالاستقرار السياسي والوفرة الاقتصادية، ومن ثم كانت الكنيسة القديمة آخذة بالتداعي حتى خيف من انهيارها وسوى ذلك فإنها لم تكن تستوعب أعداد الحجاج المتزايدين إلى ضريح القديس بطرس؛ اقترح عدد من المهندسين على البابا فكرة فصل ضريح القديس بطرس عن الكنيسة، لكنه رفض ذلك وقرر العودة إلى خطط البابا نيكولا الخامس بتشييد بناء جديد بالكامل، ومن ثم كلّف المهندس دوناتو برامنتي دراسة المخطط القديم الذي وضع أيام حبرية نيكولا الخامس وتعاقد مع مايكل آنجلو لنحت عدد من التماثيل لتزيين الكنيسة. كان برامنتي كبير مهندسي روما وله خبرة طويلة في بناء الكنائس والكاتدرائيات، وفي ما يخصّ بناء الكاتدرائية، أجرى برامنتي بضع تعديلات طفيفة على المخطط السابق، لكنه أبقى على الصليب الإغريقي ذي الأذرع المتساوية على أن تشيد القبة الكبرى في منطقة تقاطع ذراعي الصليب مع وجود أربع قبب أخرى أصغر حجمًا على كل ذراع، والحفاظ على الحنية التقليدية لناحية الشرق من بناء الكنيسة. مخطط برامانتي لم يكن خاليًا من الصعوبات الهندسية وفق معطيات فترة عصر النهضة، وكان المخطط موضع النقاش في عدد من المحافل الرسمية، ولا يزال القسم الأكبر من المخططات وتعديلاتها والتعليقات عليها، محفوظة في عدد من المتاحف خصوصًا في معرض أوفيزي في فلورنسا. في 18 أبريل 1506 وضع البابا حجر الأساس لبناء الكنيسة الجديدة، غير أن الكنيسة القسطنطينية لن تهدم دفعة واحدة وبالكامل وإنما على مراحل، حيث امتدت عملية البناء حوالي القرن من الزمن.
توفي برامنتي في 11 أبريل 1514 فشكل الكرسي الرسولي برئاسة البابا ليون العاشر لجنة من ثلاث مهندسين هم أنتونتيو دي سانغالو ورافاييل والراهب غيوكوندو دافيرونا؛ كانت الحالة معقدة إذ تم هدم النصف الشرقي من الكنيسة القديمة ولم تنتهي عمليات بنائها بعد. تزامن ذلك مع ظهور مارتن لوثر والانشقاق البروتستانتي الذي هزّ الكنيسة الكاثوليكية، وأثر سلبًا على التمويل اللازم لاستكمال علميات البناء، خصوصًا أن جزءًا من التمويل كان قادمًا من صكوك الغفران التي كانت الجزء الأساسي من المشكلة مع مارتن لوثر. رغم ذلك لا يمكن القول أن المشاكل كانت اقتصادية بحتة، فقد ظهرت عدة مشاكل هندسية لمخطط برامنتي، لذلك قدمت اللجنة المكلفة مخططًا جديدًا للبابا، حوّل من خلاله الصليب الإغريقي المتساوي الأذرع إلى صليب لاتيني طويل، تقوم القبة الرئيسية في منطقة تقاطع ذراعيه، مع إضافة خمسة أرواقة ومصليات صغيرة على الجانبين تفصل عن الأروقة الأساسية بمجموعة من الأقواس، كما عمد رافاييل في مخططه إلى تصغير حجم الأبراج التي كان من المقرر تشييدها في الكنيسة. وبدأ العمل بتقويض الجناح الأيسر للكنيسة القسطنطينية وتشييد النموذج الجديد لها.
في عام 1520 مات رافاييل والراهب غيوكوندو، فتم تعيين بالداساري بيروزي للعمل مع سانغالو، وأرادوا الرجوع عن مخطط رافاييل، غير أن نهب روما وعواقبه الاقتصادية والسياسية أدى إلى توقف العمل. ومع وفاة بيروزي عام 1536 تفرّد سانغالو بالإدارة فقام بإجراء الدمج بين مخطط رافاييل ومخطط بيروزي بحيث جعل صحن الكنيسة ضيق المساحة مقابل توسيع مساحة الأروقة، كذلك فقد كان اقتراحه للقبة أعقد من المخططات السابقة بحيث شمل المخطط وللمرة الأولى على وضع أضلاع خارجية لدعم القبة، ومن ثم اقترح بأن يعلو القبة فانوس وهو ما تمّ لاحقًا إنما على شكل أكبر. ويمكن القول أن مخططات سانغالو كانت مزجًا موفقًا بين المخططين السابقين، ولم يكتفي فقط بالتخطيط بل باشر العمل، وقام بطم ثلاث أمتار جديدة لرفع مستوى الأرض؛ ثم وضع مخططًا جديدة للشكل العام، بحيث صمم أروقة متفرعة عن الرواق الأصلي وجعل أجنحة الكاتدرائية أكثر اتساعًا، ويعود لجهوده إنهاء تشييد القسم الأيسر بكامله من الكاتدرائية. عيّن البابا بولس الثالث (1534 - 1549) مايكل آنجلو رغم معارضته، مهندسًا للبناء في 1 يناير 1547 وقد بلغ العقد السابع من العمر؛ وبعد دراسات تخطيطية مستفيضة دامت خمس سنوات حول طريقة تنفيذ المخططات وإدخال بعض التعديلات عليها خصوصًا من ناحية الجدران المصليات الجانبية، شرع مايكل آنجلو بين عامي 1551 و1557 ببناء الجناح اليميني من الكاتدرائية، ونصب الأعمدة المركزية الأربعة كقاعدة للقبة الكبرى، وكان قد بدأ منذ نوفمبر 1546 ببناء نموذج خشبي للقبة الكبرى، فأتمه في عام 1560. القبة كما اقترحها آنجلو هي أعلى قبة بالعالم بارتفاع 136.5 متر (448.1 قدم)، وأما قطرها الداخلي مقياسه 41,47 م (136.1 قدم) لتكون أصغر بقليل من بعض قباب البانثيون المخصص لآلهة روما الوثنية، بيد أن قطرها أكبر بحوالي 9.1 متر (30 قدم) من آيا صوفيا في إسطنبول التي كانت أكبر قبة في زمانها وقد أنجزت عام 537، وكان تصميم كاتدرائية فلورنسا وقبتها المرتفعة الملهم الأساسي لآنجلو في تصميم قبة الكاتدرائية الأكبر في المسيحية.
كما تمّ خلال هذه الفترة تصميم المذبح البابوي على يد كارلو مديرنو، ويمكن القول بأن الطرف الشرقي بكامله يعود تصميمه لآنجلو. كان مخطط برامانتي يعتمد على المربعات في حين قام رافاييل بتحويل جزء من المربعات إلى أنصاف دوائر، وأخيرًا اقترح مايكل آنجلو تقنية ثالثة تقوم على دعم سطح الجدار بزوايا مختلفة، ودعمه أيضًا بمجموعة من الأعمدة الكورنثية على الطراز اليوناني بحيث تتحمل ضغط كتلة البناء لاسيّما قبته الكبرى؛ كذلك يعود له وضع فتح في القبة الكبرى بحيث يسمح بدخول الضوء من خلالها، لتكون بذلك كاتدرائية القديس بطرس مخالفة للكاتدرائيات القوطية التي تميزت بانعدام النور الخارجي والظلمة العامة، ما يساهم على الخشوع وفق آراء مهندسي الكنائس في القرون الوسطى. وقد لاقى هذا التجديد الهندسي الذي قدمه آنجلو بعضًا من الاعتراض، غير أن دعم البابا بولس الثالث وخليفته يوليوس الثالث (1549 - 1559) لآنجلو حال دون توقيف العمل، رغم أنه تباطئ في بعض المراحل بنتيجة توقف الأفران عن خبز حجارة البناء بسبب نقص المواد الأولية اللازمة.
إثر وفاة آنجلو عين بيوس الرابع (1559 - 1565) مهندس الكاتدرائيات جياكومو باروزي الشهير بفينولا مهندسًا للبناء، غير أن أي تطور يذكر لم يحصل في عهده ولا في عهد خليفته القديس بيوس الخامس (1566 - 1572) بسبب الحروب مع الدولة العثمانية من جهة، وتعثر إيجاد صيغة هندسية ملائمة لإشادة القبة الكبرى من جهة ثانية. وكذلك في عهد خليفتهما غريغوري الثالث عشر (1572 - 1585) والذي عين ديلا بورتا مهندسًا للكاتدرائية وفشل في إيجاد المعايير الهندسية الملائمة، ليترك الأمر للحث الفعال الذي قام به البابا سيكتوس الخامس (1585 - 1590) والمساعدة من المهندس دومنيكو فونتانا، بحيث تم الشروع في بناء القبة يوم 15 يوليو 1588، ووضع آخر حجر فيها يوم 14 مايو 1590، وقد رافق الحدث قرع أجراس جميع كنائس روما طوال النهار، وقد وضع في الحجر الأخير صندوقان رصاصيان، الأول يحوي على بقايا من الصليب الحقيقي الذي يؤمن المسيحيون أن يسوع قد مات عليه، والثانية تحوي على رفات القديس أندراوس، إلى جانب مداليات أخرى تحوي قربانًا. حول القبة كتب باللاتينية وبخطوط مذهبة بعرض 2 متر (6.6 قدم):
والتي تعني بالعربية:
المقتبسة من إنجيل متى 18/16، وهي الجملة التي قالها يسوع لبطرس، مفوضًا إياه زمام الكنيسة وفق المعتقدات الكاثوليكية؛ كذلك فقد كتب جملة ثانية:
في منتصف القرن الثامن عشر ظهرت تشققات في القبة، ولذلك تم تركيب سلاسل حديد بين مختلف أجزائها وذلك لتدعيم البناء، ويشير البعض إلى أن مايكل آنجلو كان قد وضع الفكرة في مخططاته لبناء الكاتدرائية، كما فعل برونليسكي في كاتدرائية فلورنسا؛ وفي 7 ديسمبر 2007 تم اكتشاف جزء من مخططات مايكل آنجلو حول بناء القبة حفظ في متحف الفاتيكان، ويعتبر هذا الرسم هامًا لمعرفة كيفية بناء القبة، إذ إن العديد من مخططات ورسومات آنجلو قد دمرت قبل وفاته أو خلال الحروب بين الدولة البابوية ونابليون الأول، وقد أظهر المخطط حسابات رياضية مفصلة ودقيقة حول ضغط البناء وقدرة التحمل وسواها من المعلومات التفصيلية.
وإلى جانب القبة الكبرى، يوجد قبتان أصغر حجمًا فوق المصلى الكلمنتي والمصلى الغريغوري داخل الكاتدرائية، وثمانية قباب أخرى صغيرة الحجم فوق المصليات الجانبية. يمكن الوصول لسطح الكاتدرائية عن طريق درج لولبي يقع بين صحن الكاتدرائية ورواقها، وقد وصف النقاد المنظر من سطح، بأنه إطلالة فريدة على الفاتيكان ومدينة روما.
في اليوم الأول من الصوم الكبير 18 فبراير 1606، قام البابا بولس الخامس (1605 - 1621) بالموافقة على تفكيك الأجزاء المتبقية من الكنيسة القسطنطينية، حيث تم نقل الرخام المهدى من الإمبراطور قسطنطين ليستخدم لاحقًا في بناء صحن الكنيسة، ومن بين ما تمّ نقله، اثنين من الأعمدة التي نقش عليها رسوم لأسود، ومجموعة من النواويس والتوابيت لبابوات سابقين. كان كارلو مديرنو ومنذ عام 1602 يتولى إدارة المشروع بعد وفاة دومنيكو فونتانا، ومديرنو هو ابن شقيق فونتانا. خلال عملية الإصلاح المضاد، برز بشكل متكاثر أصوات داعية للعودة إلى الصليب اللاتيني بدلاً من الصليب الإغريقي، ووجد المعترضون أن الصليب الإغريقي ينتمي للعالم الدنيوي أكثر من انتماءه للعالم المسيحي، غير أن البابا بولس الخامس دعم المخطط القائم وأعطى أوامره في سبتمبر 1605 لتطويل الجناح بحيث يغدو شكل الصليب أكثر بروزًا، كذلك عمد ماديرنو إلى تطويل الجناح الشرقي من الكاتدرائية ليشكل مقدمة الصليب، ثم أنهى مع عدو وجود عوائق هندسية ذلك الصليب، حتى حدود الواجهة الحالية بمساعدة سبعمائة عامل. وفي 22 نوفمبر 1614 يمكن اعتبار الكاتدرائية وقد اكتمل بناءها وفق الشكل المتعارف عليه اليوم.
أما واجهة الكاتدرائية فقد بنيت بين عامي 1607 و1614 على يد لجنة مؤلفة من عشرة مهندسين معماريين في روما تحت إمرة كارلو ماديرنو، الذي قام بوضع مخطط الواجهة. الواجهة بارتفاع 114,69 متر (376.3 قدم) وعرض 45,55 متر (149.4 قدم) مبنية من الحجر الجيري والرخام، ويتموضع فيها سبعة أعمدة كورنثية عملاقة، وهي مؤلفة من ثلاث طوابق يعلو الطابق الثالث تمثالاً ليسوع حاملاً الصليب ويبارك المتواجدين في الساحة، وبقربه يوحنا المعمدان وأحد عشر تلميذًا من تلاميذ يسوع، وقد نقش على الواجهة باللغة اللاتينية وبحروف كبيرة:
وصف بعض النقاد أن الواجهة تقل في مستواها الفني عن داخل الكاتدرائية، يعود ذلك حسب البعض بسبب الرغبة في الانتهاء من العمل بسرعة، بالإضافة إلى أن ماديرنو لم يكن يرغب في الخروج عن النمط المعماري لمايكل آنجلو، وسوى ذلك فإن التماثيل والأعمدة الكورنثية ثقيلة جدًا بحيث أن مستوى الأرض لا يستطيع احتمالها، بل إن الأبراج الجانبية التي كانت ضمن المخطط الأصلي للبناء استغني عنها، بعد أن اكتشف أن الأرض في تلك البقعة، ليست مستقرة بشكل كافي لتحمل الوزن؛ كما أن الواجهة القليلة الارتفاع تجعل من القبة أكثر وضوحًا وبروزًا. استعيض عن الأبراج ببرجين صغيرين في أقصى يمين ويسار واجهة الكاتدرائية، يحوي كل منهما على قوس أجراس وساعة، وقد تم تحويل الساعة للعمل على الكهرباء خلال حبرية البابا بيوس الحادي عشر.
تتصل الواجهة مع ساحة القديس بطرس بسلم عريض مصنوع من الرخام الأبيض، يقف عند قدميه تمثالان ضخمان للقديس بطرس والقديس بولس، أولهما من صنع جيوسيس دي فلبريس أما الآخر من صنع آداموا تاد وليني، وقد وضعا في مكانهما الحالي عام 1840. واجهة الكاتدرائية تتألف من ثلاث طبقات، الطبقة الأولى هي الطبقة الأرضية والطبقة الثانية تدعى "طبقة التبريكات"، فبحسب الأعراف البابوية، فإن البابا المنتخب الجديد يطل من شرفة الكاتدرائية المتوضعة في الطابق الثاني ليلقي تحيته على الجمهور في الساحة ويمنحهم بركته الأولى، وبنتيجة ذلك اشتقّ اسم الطابق. أما الطابق الثالث فهو سطح الكاتدرائية.
قام البابا أوربان الثامن في 18 نوفمبر 1626 بافتتاحها رسميًا، بعد أن انقضت السنوات السابقة في وضع الأعمال الفنية المختلفة داخلها، وقد تم التدشين في يوم تدشين الكنيسة القسطنطينية السابقة ذاته.