English  

كتب اللاجئ العراقي

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

اللجوء إلى العراق (معلومة)


غادر أسعد طلس بيروت إلى بغداد في 26 كانون الأول/ ديسمبر 1949 برفقة صديقهِ حيدر الركابي وعند وصوله إلى العاصمة العراقية استقبلته أحزاب الاستقلال والوطني الديمقراطي، ونادي البعث العربي بالترحاب. وبين 26 كانون أول/ ديسمبر 1949 و 19 إيلول/ سبتمبر 1950 أمضى فترة لجوئهِ الأولى في العراق. كان أسعد طلس في البداية مؤمناً بصدق نوايا العراقيين الوحدوية لكنهُ بمرور الوقت أخذ يقتنع بأن الحكم هناك، وخاصةً الوصيّ عبد الإله كان يعمد فقط إلى المماطلة والتسويف استجابةً لتعليمات البريطانيين الذين لم يكونوا راغبين في قيام أي نوع من التنسيق بين البلدين. التقى أسعد طلس خلال فترة لجوئه إلى العراق ثلاث مرات على الأقل بالوصيّ عبد الإله، الأولى في 6 كانون الأول/ديسمبر 1949 والثانية في 1 شباط/فبراير 1950 والثالثة في 2 نيسان/ابريل 1950، لكن هذه اللقاءات الثلاثة لم تكن لِتَردم الهوة الواسعة بين شخصين كانا على طرفَي نقيض.

منحت السلطات العراقية أسعد طلس وضع اللجوء السياسي وأعطته راتباً شهرياً متواضعاً لتدبير أمورهُ المعيشية، وحرص هو بالتالي على عدم القيام بأي نشاط سياسي ملحوظ خاصةً وأنه بدأ يشعر أن رئيس الوزراء المتنفذ نوري السعيد الذي لم يكن راضياً عن وجودهِ في العراق أخذ ينسّق في الخفاء مع أديب الشيشكلي لإبعاده.

انتهز أسعد طلس فرصة تواجده في بغداد فانصرف لمتابعة اهتماماته البحثيّة وبدأ عملاً دؤوباً لفهرسةِ خزائن المخطوطات القيّمة في مديرية الأوقاف العامة بمساعدة ابن خالتهِ مدير الأوقاف العام في بغداد آنذاك موسى كاظم آل شاكر، كما نشر أيضاً الكتاب الذي قام بتحقيقه بعنوان (الوسائل إلى معرفة الأوائل) من تأليف جلال الدين السيوطي، ولسببٍ غير معروف اختار الناشر تغيير عنوان الكتاب إلى (الوسائل إلى مسامرة الأوائل) بدلاً من الإبقاء على العنوان الأصلي.

في 8 كانون الثاني/ يناير 1950 زار أديب الشيشكلي القاهرة في مسعى لإعادة الدفء إلى العلاقات السورية-المصرية التي توترت إبّان فترة حكم الحنّاوي. حصل الشيشكلي على قرض مصريّ لدعم الاقتصاد السوري مقابل موافقة سوريا على توقيع معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي العربي التي جاءت رداً على فكرة التقارب بين سوريا والعراق، و بذلك غدت سوريا جزءاً من المحور السعودي-المصري المناوئ للحلف الهاشمي.

في أعقاب الإعلان عن التفاهم السوري-المصري وجد العراق أن عليه أن يتحرك لإنقاذ علاقته بالمحور المناوئ، فذهب وزير الخارجية العراقي إلى القاهرة التي استقبلته يوم 21 كانون الثاني/ يناير 1950 بترحاب واضح. وخلال أيام توصّل الطرفان إلى اتفاق تهدئة تعهّد كلٌّ منهما معهُ بالامتناع عن التدخل المباشر في الشؤون السورية وتأجيل الحديث عن أية صفقة إتحادية أو وحدوية بين العراق وسوريا مدة خمس سنوات كاملة.

بعد إقرار الدستور السوري الجديد في الخامس من إيلول/ سبتمبر 1950 واستجابةً للضغوط الشعبية والإقليمية المتصاعدة أطلق أديب الشيشكلي سراح سامي الحناوي ورجاله، وفي التاسع من الشهر نفسه غادر الحناوي للمرة الأخيرة موطنه سوريا بسرّية تامة إلى لبنان دون أن يعلم أنه لن يعود اليه حياً بعد ذلك.

غادر أسعد طلس بغداد إلى بيروت على عجل في 19 أيلول/ سبتمبر 1950 للقاء شريكه الحناوي، وفي الثاني والعشرين من الشهر نفسه التقى رئيس الوزراء اللبناني رياض الصلح، وفي اليوم التالي تمّ اللقاء بين أسعد طلس والحناوي للمرة الأولى منذ وقوع انقلاب الشيشكلي. تكررت لقاءات الرجلين في بيروت، ودوّن أسعد طلس في أوراقهِ الشخصية بعض ما دار في هذه اللقاءات المطولة، وكان من المفارقات أن الحناوي أسرّ لأسعد طلس في لقاء جرى بينهما يوم 3 تشرين الأول/ أكتوبر أنه يحسّ بدنوّ أجَله وأنّ هناك مَن سيتمكن من اغتياله.

تحققت نبوءة الحناوي في 30 تشرين الأول/ أكتوبر 1950 عندما اغتيل في أحد شوارع بيروت وهو يهمّ بركوب حافلةٍ عامة في وضح النهار. كانت ابنة أسعد طلس ذات السنوات السبع ميادة تمسك بيدهِ عندما أطلق حرشو البرازي النار عليه مُحملاً إياه مسؤولية مقتل حسني الزعيم قائد الانقلاب الأول ورئيس وزرائه محسن البرازي صبيحة الانقلاب على حكمهما قبل ذلك بأشهر قليلة. سقط الحناوي قتيلاً بقرار متسرّع لشابٍ مندفع من أسرة البرازي التي كانت تريد الثأر لمقتل أحد أبنائها. نُقلت جثة سامي الحناوي لاحقاً إلى سوريا لتشيّعَه مدينته حلب في جنازة مهيبة يوم 2 تشرين الثاني/ نوفمبر ويُدفن في مقبرة هنانو الشهيرة، أما أسعد طلس الذي لم يتمكن من المشاركة في التشييع فقد عاد إلى بغداد في 9 تشرين الثاني/ نوفمبر بجواز سفر يحمل اسماً مُستعاراً هو عبد السلام القيمقجي بعد أن فقد إلى الأبد قريبه وشريكه في الانقلاب.

عقب اغتيال الحناوي آثر أديب الشيشكلي التراجع قليلاً لإفساح المجال أمام السياسيين المدنيين السوريين للعب دور أكبر في إدارة شؤون البلاد مع حرصهِ على استمرار سيطرته الكاملة على الجيش مصدر القوة الرئيسية فيها، لكن الاضطراب والخلاف ظلّا السمة التي طبعت السياسة الداخلية السورية في تلك المرحلة.

في 16 تموز/ يوليو 1951 إغتيل رئيس الوزراء اللبناني رياض الصلح وهو في ضيافة الملك عبد الله بن الحسين في الأردن، وبعد ذلك بأيام إغتيل العاهل الأردني نفسه فتم اختيار ابنه الأمير طلال بن عبد الله ملكاً على الأردن خلفاً له، وبدا الإقليم كله سائراً نحو مرحلة جديدة من التصعيد الدمويّ.

في دمشق وجد أديب الشيشكلي أن الفرصة قد حانت من جديد لتشديد قبضته على مقادير البلاد، فقام في ليلة 28-29 تشرين الثاني/ نوفمبر 1951 بانقلابه الثاني على حكومة معروف الدواليبي المدنيّة وتولى زمام الأمور بشكل مباشر وعند ذلك قدّم الرئيس هاشم الأتاسي استقالته من منصبه في 2 كانون الأول/ ديسمبر 1951 احتجاجاً. رفض العراق الانقلاب لكن السعودية ومصر ولبنان ومعها القوى الغربية أيدت الشيشكلي الذي غدا رجل سوريا القوي بلا منازع. كان أسعد طلس يتابع كل هذه التطورات المقلقة التي عصفت بوطنهِ من ملجأهِ السياسي في بغداد التي لم تكن بدورها أقل اضطراباً.

في العراق تحركت الأحزاب والجامعات ضد سياسة الوصيّ عبد الإله الذي شعر بالخطر فقرّر مواجهة الاضطرابات بالقمع وتعطيل الصحف ومنع التظاهر، وعندما عاد الملك الشاب فيصل الثاني أخيراً إلى بغداد بعد إنهاء دراسته في بريطانيا في 23 تشرين الأول/ أكتوبر 1952 استبشر العراقيون بعودتهِ آملين أنها ستعني نهاية نفوذ خاله الوصيّ عبد الإله لكن آمالهم سرعان ما تبخّرت عندما استمرت الأمور على حالها دون أيّ تغيير. عند هذه النقطة أيقن أسعد طلس عقم أية مساعٍ للتعاون مع الوصيّ لذلك قرر الانصراف بشكل كامل إلى اهتماماتهِ البحثيّ فانكبّ على العمل في فهرسة مخطوطات خزائن الأوقاف العراقية، وعندما شعر أنّ الأوضاع في وطنهِ تبدو ذاهبة نحو الأسوأ وأنّ إقامته في العاصمة العراقية ستكون إقامة طويلة قرّر العمل أستاذاً في كلية الآداب في جامعة بغداد.

بعد أربع سنوات من العمل الدؤوب، نشر أسعد طلس في عام 1953 في بغداد كتابه (الكشّاف عن مخطوطات خزائن كتب الأوقاف) وأهداهُ إلى (الشباب القومي في دنيا العروبة، إلى المؤمنين بماضي أمّتهم الخالدة، إلى العاملين الذين يعتزّون بتراث أمّتهم الفكري ونضالها السلميّ، إلى تلك الفئة المتأججة وطنيةً وعِزّة قومية، إلى الشباب الجامعيّ النابه في الشام والعراق وشمالي أفريقيا).

شهد عام 1953 دخول شخصيات جديدة كثيرة إلى المعترك السياسي العربي، ففي الأول من آذار/ مارس اعتلى الملك الشاب فيصل الثاني رسمياً عرش العراق عقب بلوغه السنّ القانونية. فقدَ خالهُ الأمير عبد الإله منصبه الرسمي كوصيّ على العرش لكنهُ لم يفقد نفوذه وظلّ رجل بريطانيا القوي الذي يدير سياسة المملكة. وفي الثاني من أيار/ مايو تمّ تتويج ملكٍ شاب آخر هو الحسين بن طلال ملكاً على الأردن.

في 10 تموز/ يوليو 1953 أجرى أديب الشيشكلي انتخابات رئاسية صوريّة أوصلتهُ إلى حكم سوريا بسلطات فردية شبه مطلقة وأتبعها في 9 تشرين الأول/ بانتخابات برلمانية أثارت الكثير من المعارضة الشعبية. عند هذه المرحلة انخرط أسعد طلس بشكل مباشر مع كثيرين غيره داخل سوريا وخارجها في معارضة علنية لحكم أديب الشيشكلي الذي ردّ بقمع أكثر شدّة وعنفاً، وخصّ المملكة العراقية التي مدّت يد العون لخصومهِ السياسيين بحملات شعواء زادت حالة التوتر بين البلدين.

في الأول من شباط/ فبراير 1954 بعث أسعد طلس برسالة هامة إلى العاهل السعودي الملك سعود بن عبد العزيز يدعوه فيها صراحةً لدعم معارضي حكم أديب الشيشكلي، لكن الملك السعودي ردّ على رسالة أسعد طلس بكتابٍ لم يتضمن أية وعودٍ قاطعة، واكتفى بالإشارة إلى أن أهداف المملكة المعروفة هي (خير العرب والمحافظة على كيان واستقلال سوريا والتمني بأن تجتمع كلمة أبنائها لما فيه مصلحة وطنهم واستقلاله التام).

نجحت أخطاء الشيشكلي المتراكمة وفي مقدمتها حملته العسكرية الدامية على بعض المنشقين في جبل الدروز، ثم الاستقطاب الحاد الذي نشأ في أوساط كبار ضباط الجيش الذي انقسم على نفسه في إقناعه أخيراً بضرورة الانسحاب من المشهد السياسي حقناً للدماء. قدّم الشيشكلي في 25 شباط/ فبراير 1954 استقالته الطوعية من منصبهِ الرئاسيّ وغادر سوريا إلى المنفى، وكان من المصادفات المُلفتة قيام جمال عبد الناصر في نفس اليوم بالإطاحة باللواء محمد نجيب ليتزعّم بشكل مباشر تنظيم الضباط الأحرار في مصر.

في الأول من آذار/ مارس 1954 نشر أسعد طلس كتاب (المصايد والمطارد) لكشاجم الذي حقّقه أثناء وجوده في العراق، وكان من المُلفت أن صديقهُ سلمان الصفواني صاحب جريدة اليقظة العراقية وناشر الكتاب أهدى العمل إلى (ذكرى البطل العربي الخالد والجندي القومي المجاهد الذي بذل روحه في سبيل أمتهِ العربية وقضى في سبيل عزّتها ووحدتها، الشهيد اللواء سامي الحناوي).

تنفّست سوريا الصعداء برحيل الشيشكلي إلى منفاه في الأول من آذار/ مارس 1954 وعاد الرئيسان السابقان هاشم الأتاسي وشكري القوتلي ومعهم العديد من رجال السياسة إلى البلاد، وكان أسعد طلس في مقدّمة العائدين في حزيران/ يونيو 1954.

المصدر: wikipedia.org