اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
كان القضاء، خِلال عهد الألاخين الوثنيين، على درجةٍ كبيرةٍ من السوء نتيجة انتشار الرشوة وإصدار الأحكام المصلحيَّة الخاصَّة. فكان القُضاة يشترون مناصبهم بِالمال ثُمَّ يتقاضون الرشاوى لِإصدار أحكامٍ لِصالح الراشي، كما كان كِبار أُمراء المغول وقادتهم يستغلُّون نُفُوذهم لِلتدخُّل لدى القُضاة لِإصدار أحكامٍ خاصَّةٍ أيضًا، ولم يتورَّع بعض القُضاة عن إصدار حُكمين مُتناقضين في القضيَّة الواحدة. ونتيجةً لِاندثار العدالة في الأجهزة القضائيَّة، أحجم الناس الذين يقع عليهم الظُلم، عن رفع شكاواهم إلى المحاكم، كما شاع تزوير المُستندات، وفُقدت الذِمم، وصار يتقدَّم لِلشهادة من لا أمانة ولا صدق له، ولا يتورَّع عن الإدلاء بِشهادة زُور، ما هدَّد الناس في أموالهم ومُمتلكاتهم وأرواحهم وأعراضهم. استمرَّ الوضع على هذه الشاكلة حتَّى تولَّى محمود غازان أمر الدولة الإلخانيَّة، فأصدر أربعة فرمانات نظَّم بِموجبها الشُؤون القضائيَّة، ووضع حُلولًا عمليَّة تستند على أحكام الشرع الإسلامي تناولت تفويض القُضاة في أمر القضاء، وتحديد زمن لِلنظر في القضايا، وعدم عرض القضايا التي مضى عليها ثلاثون عامًا، وضرورة إثبات ملكيَّة البائع قبل البيع، وتأكيد الأحكام السابقة، وتمهيد الشرائط اللاحقة. حرص غازان على اختيار من يتولَّى منصب القضاء على أن يكون بعيدًا عن كُل تأثير، وألَّا يكون هُناك رقيب عليه إلَّا ضميره، وقرَّر منح القُضاة مُرتَّبات مُرتفعة لِإبعادهم عن المُغريات، وحرَّم عليهم أن يتقاضوا أموالًا أو هدايا. وحتَّى لا يقعوا تحت تأثير المُتقاضين، حرَّم على هؤلاء الذهاب إلى بُيُوتهم، كما منعهم من اصطحاب أفراد كُثر معهم إلى المحكمة، ومُعاقبة كُل من يتفوَّه بِكلامٍ جارحٍ أو غير لائق أمام القاضي، وإذا حرَّر القاضي وثيقة جديدة عليه أن يُتلف الوثائق القديمة، ونبَّه على أهميَّة تأدية الشهادة، وشدَّد على ضرورة تأكُّد القُضاة من صدق الشاهد وسلامة نواياه وبُعده عن كُلِّ شكٍّ أو ريبة، كما عليه أن يسأل كلا الشاهدين على انفراد حتَّى يقف على التباين في أقوالهما، لِأنَّ وسيلة تحقيق الأُمُور منوطة بِتناقض أقوال المُتكلمين، ويُؤدِّي هذا الاجتهاد إمَّا إلى الصحَّة، التي يُمكن إصدار الحُكم بِموجبها، وإمَّا إلى الشُبُهة، التي تكون سببًا في عدم إصدار الحُكُم. أمَّا من تثبُت عليه تُهمة التزوير فتُحلق لحيته، ويُحمل على ثورٍ ويُطاف به في المدينة، ويُعزَّز تعزيزًا تامًّا حتَّى يتَّعظ ويكون عبرةً لِغيره. وعلى الرُغم من كُل ذلك، عمد غازان إلى بث العُيُون والمُخبرين في الدوائر القضائيَّة لاستقصاء الأحوال وإرسال تقارير بِحق كُل من يُثبت عليه الانحراف حتَّى يُنزل العقاب به.
استمرَّ مغول فارس، بعد اعتناقهم الإسلام، يُعظِّمون الياسق (تُسمَّى أيضًا «الياسا» أو «الياسة» أو الياساق)، وهو مجموعة القوانين والأحكام التي وضعها وأقرَّها جنكيز خان لِتنظيم حياة القبائل المغوليَّة، وكُتبت بِالخط الأويغوري، وأصبحت تُعرف عند الإلخانيين بِـ«كتاب الياسق الكبير» (بِالفارسيَّة: ياساق نامۀ برزگ)، وكانوا يرجعون إليها في تحديد العديد من العُقُوبات، وبحسب ما ورد فيها فإنَّ الزاني كان يُقتل سواء كان مُحصَّنًا أم غير مُحصَّن، وكذلك اللوطي، ومن يتعمَّد سحر الناس والتجسُّس عليهم دون وجه حق، ومن بال في الماء أو على الرماد، أو دخل بين اثنين وهُما يتخاصمان فأعان أحدهما على الآخر. وتضمَّنت الياسق نُصوص تحث الأبناء على طاعة آبائهم والإخوة الصغار لِإخوتهم الكبار، والزوجات لِأزوجهن، وغير ذلك. وكانت بعض قوانين الياسق تتماثل مع الشريعة الإسلاميَّة، بينما كان بعضها الآخر لا يتوافق معها أبدًا، وقد استمرَّ المغول يتبعون بعض تلك القوانين المُتعارضة مع الشريعة الإسلاميَّة، مثل امتناعهم عن استعمال مياه الأنهار لِلغسيل والاغتسال. ويقول المقريزي إنَّ عامَّة المغول المُسلمين لمَّا كانوا لا يستطيعون الخُرُوج عن سُنَّة جنكيز خان والاقتداء بِحُكم الياسق؛ فإنهم كانوا ينصبون حاجبًا لِيقضي بينهم فيما اختلفوا فيه من عوائدهم، والأخذ على يد قويُّهم، وإنصاف الضعيف منهم على مُقتضى ما في الياسق، وكانوا يجعلون إليه النظر في قضايا الدواوين السُلطانيَّة عند الاختلاف في أُمور الإقطاعات.