English  

كتب القاضيه الخالق

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

قضية الخلق (معلومة)


    في الفترة التي جمعت فيها التوراة وحررت، انتشر وذاع صيت قصة الخلق البابلية في منطقة الهلال الخصيب وأثرت على الفكر البشري فيها، وقد تركت الرواية البابلية آثارًا على الفكر الديني للشعب العبري؛ على سبيل المثال فإنّ الكلمتين الأوليتين من سفر التكوين في البدء، تماثل الكلمتين الأوليتين في رواية الخلق البابلية إنامو إليش، والتي ترجمها البعض أيضًا بوصفها في البدء. إلى جانب استعمال السفر لفظتي توهو بوهو، في وصف الكون بعد خلقه، ولفظتي توهو بوهو ذات جذور بابلية، وتترجم عادة إلى العربية "خربة وخالية"، لتماثل حالة الفوضى التي تضعها الرواية البابلية، بفرق أنّ حالة الفوضى في الكون التي تحدثت عنها الأسطورة البابلية هي أزلية، خلافًا لحالة الفوضى في التكوين المحدثة فيما بعد الخلق؛ أيضًا فالنظرية البابلية تحدثت عن تزاوج بين غمر المياه - أي المحيط، أو المياه المالحة - والسماء -أو الغيم أو الضباب - أو آلهتها، فولدت آلهة كثيرة، وحدث تشاجر بين هذه الآلهة، وتمكن أحدها وهو مردوك أن يهزم باقي الآلهة، ثم فتح بطن آلهة غمر المياه، ومن دمها خلق الكائنات المختلفة على الأرض، ثم ترك الأرض واستوى إلى السماء حيث يعيش. ولذلك فإن رواية الخلق التوراتية، شكلت حسب رأي الأب هنري بولاد اليسوعي "ثورة عقائدية في الزمن الذي كتبت به"، فالرواية تقول أنّ الله - والذي يمكن مقابلته مع مردوك، بوصف مردوك الرّب الأعلى في الحضارة البابلية - خلق السماوات والأرض فهو غير ناتج عن تزاوج آلهتها، وإذ قال "في البدء خلق"، فهو إذن موجود قبل البدء، أي أزلي وغير محدث، قبل التاريخ وقبل الزمن. أما قضية الغمر، أي المياه الأولى التي خلقت منها جميع المبروئات حسب الرواية البابلية، فقد استعملها سفر التكوين بمقاربة مختلفة عن تلك التي وردت في الروايات البابلية، ومن الأمور الأخرى التي وجدت آثارًا تكوينية من تراث بابلي، توزيع الخلق على ستة أيام.

    التكوين والعلوم الحديثة

    حسب النظرة اليهودية - المسيحية لسفر التكوين أو التوراة بشكل عام، ورواية الخلق فيها، فهي ليست مقالاً في العلوم أو نصًا في الفلسفة بل ذات هدف روحي، وقد أشار كليمنت الإسكندري وكذلك أوريجانوس وسواهما من آباء الكنيسة أنّ "الكتاب يوحي بحقائق يتيسر فهمها، لا حقائق تاريخية"، أما باسيليوس الكبير علّم بأن التكوين "لا يجيب عن جميع الأسئلة، وهو يوحي بما يفيد هدانا الروحي، لكن بكلامه عن العالم، يوقظ فضوليتنا دون أن يرضيها"، كذلك فإنّ التوراة، ورواية الخلق فيها قد كتبت في عصر ما قبل العلم، لذلك فهي "مثقلة بتصورات زمانها" كما قال عالم اللاهوت الألماني كارل راهيز، وهو أحد مجالات النقاش حول إذا ما كان تحرير السفر تمّ بنية الرموز أم بنية تقديم نظريات علمية كاملة، والتي أظهرت رأيًا ثالثًا، هو نوع من القراءة المختلطة، فإن كتب بلغة «علوم عصره ونظرياته» فهو يقدّم لما بعد عصره الرموز والتعاليم الروحية.

    رغم ذلك، فقد ظهرت في شتى أنحاء العالم المسيحي مقارنات ومقاربات مختلفة حول نظريات العلم الحديث وما جاء في السفر بوصفها من "منبع واحد" أي الله، تعرف هذه النظرة بالوئامية أي التوائم ما بين العلم ومحتويات الكتاب أو المنقول والمعقول؛ فأعمال اليوم الأول على سبيل المثال: "قال الله ليكن نور، فكان النور" تناسب نظرية الانفجار الكبير، حيث انبثقت المادة المكونة للكون كلّه. أعمال اليوم الخامس عن الوحوش العملاقة تتلائم مع وجود حيوانات عملاقة منقرضة كالديناصورات والماموث. أما توزيع الخلق على ستة أيام فالمتفق عليه أن "اليوم" المذكور في النص ليس بأربع وعشرين ساعة، بل "ستة مراحل"، يعضد ذلك أن كلمة يوم وردت بمعان مختلفة في الكتاب، كما أنّ الظهور التدريجي للحياة خلال هذه الأيام - المراحل - يوافق تطور الحياة ومن ثمّ تطور الأنواع؛ أيضًا فإن رواية الخلق تبدو منسجمة مع فكرة القانون الطبيعي، فالله خلق العالم وزوده بقوانين تكفل له سيره الطبيعي، خلافًا للنظرة التقليدية التي كانت سائدة في ثقافة الشرق الأوسط وحضارات أخرى حول مسؤولية آلهة أو ألواح مساعدة لها في العمل الطبيعي كحركة الأجرام أو المد والجزر أو الحبل والولادة.

    نظرية الانفجار الكوني تأتي لتحلّ جزئيًا قضايا ذات صلة حول حجم الكون، إن كان محدودًا أم لا، وإذ دعمت العديد من الجهات الفكرية القول بعدم محدودية الكون، فإن الفلسفة المسيحية وكذلك عدد من الفلاسفة أمثال أرسطو اعتبروا أن الكون محدود وأنه "أبعد من حدود الكون ليس ثمة شيء، ولا حتى فراغ، لأن الفراغ حينذاك قد يكون مكانًا". أما أبرز المواضيع التي ثارت حولها نقاشات مستفيضة فهي قضية «المياه التي في الأعلى»، إذ نصّ السفر أن الله قد فصل بين مياه ومياه، بواسطة الجَلد، وساد الاعتقاد لفترة طويلة، بأن الجلد هو قبة السماء - سقف العالم، المنتصب على شواهق الجبال، وفوقه الجلد تلبث المياه، على أنّ هذه القبة تحوي ثقوبًا تسمح للمطر بأن يهطل، وقد استقرّ الرأي منذ القديس أوغوسطين في القرن الخامس على اعتبار أن "المياه التي في الأعلى" هي في حالة غازية أي سحاب.

    التكوين والتطور

    كانت نظرية التطور هادمة للنظرة التقليدية لنشوء العالم، ولبثت خلال القرن التاسع عشر أحد رموز الإلحاد، وانتهاك القدسيات، لاسيّما في الولايات المتحدة. خلال القرن العشرين ظهرت محاولات توليف عديدة بين التطور والتكوين، ومنها تيّار دي شاردان، الراهب الفرنسي اليسوعي المتوفى عام 1955، وفي عام 1987 نصّ التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية على وجوب "انفتاح المؤمن على موضوع التطور"، وبالمثل فإنّ جماعات ومنظمات دينية بروتستانتية قبلت هذه القراءة، لا تزال تواجه معارضة في أوساط أخرى مسيحية.

    الفكرة الأساسية تبدأ بقراءة أكثر رمزية لسفر التكوين، على سبيل المثال، فإنّ الآية الثالثة "وعلى وجه الغمر ظلام، وروح الله يرفّ على وجه المياه"، لا يستوي معناها دون معرفة أنّ إسرائيل، وهو الشعب البدوي، كانت المياه والبحر مصدر خوفه بعكس الفينيقيين والإغريق الذين عاشوا قرب البحر؛ وعلى العكس من البحر فإن الصخر أو الأرض تشكل عنصر ثبات واستقرار، القضية ذاتها تتجلى عند الحديث عن الظلام والنور، كما تظهر في أغلب كتب العهد القديم؛ فلذلك حين يقول السفر "وعلى وجه الغمر ظلام"، فالكاتب يعكس لبيئته، مفهوم العدم، الغير موجود كلفظ أو تعريف في مجتمعه لانعدام اشتغال إسرئيل في الفلسفة واقتصار مفردات لغته على الماديّات الملموسة، وبمعنى آخر تصبح عبارة "وعلى وجه الغمر ظلام، وروح الله يرفّ على وجه المياه"، مرادفة للقول: "انتصر الله، بالوجود، على العدم". وهكذا فالتطورات الموجودة في سفر التكوين، تدلّ على حقائق روحية، ومن ثمّ فإنه "عندما جبل الله الإنسان، من تراب بيديه"، هي صحيحة بجميع المعاني ما عدا المعنى الحرفي. عندما نقول "من تراب" فهذا يتوافق مع التطور الذي يقول بطفرة الحياة من مادة، وعندما نقول "يدي الله" أي بالمحصلة "عمل الله"، فإنّ "يد الله" تعمل من خلال الخلق، أي من قلب المادة لا من الناحية الخارجية، كما شرح مدرّس اللاهوت هنري بولاد:

    هناك مصنع بدائي لصنع الحلويات، حين تزوه تشاهد عمالاً يعدّون الدقيق وآخرون يعجنون وآخرين يضعونه في قوالب خاصة، ثم هناك من يضعه في الأفران، وهناك فتيات لتغليف المنتج. من صانع المنتج؟ العمال!. ولنقارن بين هذا المصنع وآخر بني على أحد التقنيات التكنولوجية، تدخل المصنع فلا تجد سوى الآلات: يدخل الدقيق من طرف ويخرج من الطرف الآخر مغلفًا جاهزًا، كل هذا يتم دون أن ترى يد بشرية تلمس المنتج، أعود وأسأل من الذين صنع الحلويات؟ الآلات سبب ثانٍ ليس إلا، السبب الأول هو العامل.
    هذا هو الوضع تمامًا في عملية التطور، بدل أن يعمل "بيديه" الإنسان أو بسلسلة أوامر شفهية منفصلة عن بعضها البعض الكون، ابتكر آليّة منظمة ومخططة لخلق المخلوقات، بدون أن نشعر بحركته أو بتدخله، حينئذ ندّعي أنها الطبيعة، وإذا سألنا إنسانًا ملحدًا سيجيب إنها الطبيعة، فهذه الطبيعة ذكية وفيها تخطيط وتفكير وولدت المشاعر؟.
    من الذي يخلق الطفل في بطن أمه؟ فيزيولوجيًا، من خلال الجماع ولقاء الحيوان المنوي بالبويضة، ولكن من وراء الستار من نظم هذه العملية وأرادها؟ هو الله. كان يمكن أن يخلق الله كل إنسان بمفرده من لا شيء، لكنه أراد أن يكون الإنسان مشاركًا له في الخلق؛ فهناك قوّة أوليّة أصلية - أي الله - تعمل من خلال كائنات وضعت فيها نوع من التلقائية - فالرجل والمرأة قوة ثانية في حال الحمل - ومن هنا يأتي شرف الكائنات: "تقدّسوا، لأنّ الربّ يعمل في وسطكم عجائب" قال يشوع بن نون.

    تعرف هذه النظرية أيضًا باسم "الخلق التطوري"، وهي تقرّ بجميع تفاصيل نظرية التطور ما عدا الصدفة، "الصدفة غير عاقلة، ولا تستطيع أن يكون لها منطق مفكر، الصدفة هي تصرف عشوائي"، "الصدفة تعني استقالة الفكر البشري" كما قال يوحنا بولس الثاني. ولذلك فنظرية التطور يجب أن تقرأ على ضوء قانون الغاية أو الغائية. أخيرًا، فإن أسلاف الإنسان الحالي، كإنسان نيادرتال يجسبون على الإنسان ولكن ليس على البشر، فالبشرية ابتدأت بآدم، بظهور الحضارات الاجتماعية نحو الألف الثامن قبل الميلاد، وهي بذلك تقارب الزمن المفترض في سلاسل أنساب التوراة، والتي تهدف للإشارة إلى قرابة جميع البشر الحاليين دون أن تضع شجرة عائلة للبشرية.

    المصدر: wikipedia.org