اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
ولقد قادت المراجعة الشاملة للمفاهيم القديمة حول «البدائية»، إلى ظهور جيل جديد من الأنثروبولوجيين في الغرب، أخذ يرى بوضوح، ونتيجة للدراسة الموضوعية لركام المعلومات التي تكدست خلال القرن العشرين، أن المجتمعات التي ندعوها «البدائية» ليست مرحلة طفولية من مراحل تطور البشرية، وليست انحرافات في مسارات مسدودة على شجرة التطور التي تتربع فوقها المجتمعات الصناعية الحديثة، بل أنها شكل تام من أشكال الحياة الإنسانية الناضجة والمكتفية بنفهسا.
يقول أحد الأنثروبولوجيين البارزين في هذا الاتجاه، آشلي مونتاغيو:
ومن مجال الفن أيضا يأتينا البرهان على رقي نواح معينة من ثقافات العصر الحجري الموصوفة بالبدائية، وهو رقي يدفعنا إلى مقارنته بنظائرها في حضارتنا الحديثة. تقول آشلي مونتاغيو الذي اقتطفنا منه أعلاه، في هذا الموضوع ما يلي:
وحول الفكرة نفسها يقول كلود روي، وهو واحد من الدارسين المهمين للفنون البدائية:
ويقول دارس مهم آخر لفنون ما قبل التاريخ، وهو أندرياس لومیل:
لقد أدت هذه الرؤية الجديدة لمسألة «البدائية» إلى إعادة النظر في المصطلح نفسه، ومحاولة استبداله بمصطلح بديل لا يوحي بفكرة التدني من الناحية التطورية. فاقترح بعض الباحثين مصطلح «الجماعات اللاكتابية» بدل «الجماعات البدائية»، واقترح آخرون «الجماعات الإثنية» أو «الجماعات الوطنية» وغيرها. وهنالك مصطلح استخدمه مؤرخ الأديان المعروف میرسيا إلياد، الذي استبدل «البدائي» بـ«التقليدي»، وذلك انطلاقا من كون المجتمعات التي ندعوها «بدائية»، هي مجتمعات محافظة إلى حد بعيد، وبطيئة النمو والتغير، مقارنة بالمجتمعات التي توضعت تاريخيا على الخط الرئيسي لاتجاه سير الحضارة الذي انتهى بمجتمع الصناعة والتكنولوجيا الحديث، وبما أن هذه المصطلحات الجديدة مازالت موضع جدل بين الباحثين، ولم يكتب لواحد منها الاستمرار والانتشار، يمكن في اعتقادي المحافظة مؤقتا على مصطلح «البدائي» بعد استبعاد المعاني السلبية التي ارتبطت به. وهذا ما قام به المؤلفون الأجلاء الذين ترجمنا لهم في هذا الكتاب.
لقد اعتاد الانثربولوجيون النظر إلى الثقافات البدائية الحديثة باعتبارها ممثلة لمجتمعات ما قبل التاريخ وأكثر شبها بها، وافترضوا أن الأنماط الثقافية البدائية القائمة اليوم (أو التي كانت قائمة إلى وقت قریب، لأن معظم المجتمعات البدائية قد تخطت بشكل أو آخر عتبة الحضارة الحديثة ولو من حيث الشكل فقط) تتطابق مع الأنماط الثقافية التي ميزت طفولة الجنس البشري، وأن البدائية الحديثة ليست إلا بقايا متحجرة من تلك العصور الغابرة.
وبناء على هذا الافتراض، أخذ الأنثربولوجيون يعكسون معظم ما يجدونه لدى هذه الثقافات على المراحل الابتدائية للثقافة الإنسانية في عصورها الحجرية، في سعيهم للبحث عن البدايات والأصول. غير أن الدراسات المعمقة لفيض المعلومات التي تحصلت لدينا خلال القرن المنصرم، تظهر أن الثقافات البدائية ليست مستحاثات من العصر الحجري، بل هي ثقافات «تاريخية» قد مرت بتاريخ لا يقل طولا عن تاريخ الشعوب المتمدنة، أوصلها إلى ما هي عليها الآن. ورغم بطء مسيرتها، فإن المجتمعات البدائية قد خضعت بالتأكيد إلى تغییرات جمة في اللغة والدين والعادات والتكنولوجيا، وتبادلت التأثير بشكل دائم مع بعضها البعض ومع الثقافات "العليا"، بالغا ما بلغ من عزلتها. ولذا فإن مؤسساتها لا يمكن أن تعكس بحال من الأحوال المؤسسات الثقافية الأصلية.