اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
الأصل أنْ يأتي الفاعل بعد الفعل مباشرة فيفصل بين الفعل والمفعول به، أي أن يتأخر المفعول به عن الفاعل وينفصل عن الفعل. وهذا لا يمنع من إمكانية أن يتقدم المفعول به على الفاعل، مثل: «كَتَبَ كِتَاباً المُؤَلِّفُ». أو أن يتقدم المفعول به على الفعل والفاعل، مثل: «كِتَاباً كَتَبَ المُؤَلِّفُ». وعادة ما يُقدَّم المفعول به عندما يتمحور حوله الحديث وعندما يقع عليه الاهتمام، ففي الجملة السابقة فإنَّ ما يهم المتكلم وما يقع عليه عنايته هو الكتاب أكثر من غيره، ولهذا قُدِّم. أمَّا إذا كان اهتمام المتكلِّم والمخاطب وما يعنيهما ينصبُّ حول الفاعل، فالأولى حينها والأكثر فصاحة إبقاء الفاعل مُقَدَّماً على المفعول به، فيقال: «كَتَبَ المُؤَلِّفُ كِتَاباً» إذا اُفتُرَِضَ انَّ شهرة الكاتب أكبر من شهرة الكتاب عند بداية صدوره مثلاً. إلَّا أنَّ من النحاة من يرى أنَّ الالتزام بالترتيب الأصلي أولى من تقديم المفعول، بدون اعتبار أيٍّ منهم أكثر أهمية في الحديث. وفي معظم الحالات يكون الأمر منوَّطاً بالمتكلم فله الحرية في تقديمه أو تأخيره. إلّا أنَّ هناك حالات معينة يوجب فيها تأخُّر المفعول به على الفاعل، وحالات أخرى يوجب فيها تقديمه.
ويشترط لتقديم المفعول به ألّا يحدث أيَّ لبس في المعنى، وإنْ حدث فيوجب عندها تأخير المفعول به. وعادة ما تتعلق حالات اللبس بتشابه العلامات الإعرابية بين الفاعل والمفعول به، فتحدث مثلاً عندما لا تظهر علامة إعراب الفاعل والمفعول لتعذر النطق أو ثقله فتقدر، مثل: «ضَرَبَ يَحْيَى عِيْسَى». أو إذا كان كلٌّ من الفاعل والمفعول من المبنيات، مثل: «ضَرَبَ هُوَ الَّذِي تَعرِفُهُ». فلا يجوز في هاتين الجملتين السابقتين تقديم المفعول به، فلا علامة إعرابية تظهر موقعه الحقيقي كمفعول به وتميزه عن الفاعل، وستختلط حينها الأدوار بحيث يصير في المثال الأول «عِيْسَى» هو الضارب و«يَحْيَى» المضروب. أمَّا إذا أُمِنَ اللبس فيجوز تقديم المفعول به، حتى مع تشابه العلامات الإعرابية بين الفاعل والمفعول، وذلك بوجود قرينة تدلُّ على الفاعل وتُمَيّزه عن المفعول. وقد تكون هذه القرينة لفظية، مثل: «رَأَتْ عِيسَى سَلمَى» فالقرينة في الجملة هي تاء التأنيث التي دخلت على الفعل الماضي، ومنها عرفنا أنَّ الفاعل مؤنث واستطعنا تمييزه عن المفعول، ومثال آخر هو اتصال ضمير بالمفعول به يعود على الفاعل، فيمكن بواسطته تمييز المفعول عن الفاعل، مثل: «بَلَّغَ هُدَاهُ عِيسَى». وقد تكون القرينة معنوية، مثل: «دَخَلَ المَبنَى مُوسَى» فعلمنا انطلاقاً من المعنى العام للجملة أنَّ موسى هو الذي دخل المبنى وليس المبنى الذي دخله، فهو الفاعل إذاً. ويُفَضِّلُ بعض النحاة تقديم الفاعل على المفعول به إذا لم تظهر على أيٍّ منهما العلامة الإعرابية، حتى بوجود قرينة تميّز بينهما، وذلك احترازاً من اللبس.
ولا يمكن كذلك تقديم المفعول به عندما يكون الفاعل ضميراً متصلاً بالفعل، لأنَّ الضمير المتصل بالفعل لا ينفصل عنه. مثل: «كَتَبتُ كِتَاباً». إلَّا أنَّ هذا لا يجدي نفعاً إذا تَقدَّم المفعول على الفعل، فهو بذلك يتقدّم على الفاعل حتى وإن كان الفاعل ضميراً متصلاً، فيقال: «كِتَاباً كَتَبتُ». ويظل الفاعل مقدّماً حتى عندما يكون المفعول ضميراً متصلاً أيضاً، بشرط ألّا يقع الحصر على أي منهما، مثل: «كَلَّمتُهُ» أو «كَلَّمتَنِي» حيث تقدم وجوباً تاء الفاعل للمتكلم في المثال الأول وللمخاطب في المثال الثاني على ضمائر هاء الغائب وياء المتكلم المنصوبة محلّاً على المفعولية. ولا يمكن أيضاً تقديم المفعول به عندما يكون محصوراً بإنَّما أو محصوراً بإلَّا، مثل: «إنَّما تمطِرُ السَّمَاءُ مَاءً» حيث وقع الحصر على المفعول به، فإنْ قُدِّمَ المفعول به على الفاعل سيحدث هذا تغيّراً في المعنى، بحيث يصير الفاعل هو من يقع عليه الحصر. غير أنَّ البصريين والفراء والكسائي وابن الأنباري يجيزون تَقَدُّم المفعول به على الفاعل عندما يكون المفعول محصوراً بإلَّا، فيجوز القول وفقاً لما ذهبوا إليه: «ما يُطيع إِلَّا الأبَ الابنُ»، ويستشهدون في ذلك بشواهد شعرية منها قول مجنون بني عامر: «مَا زَادَ إِلَّا ضِعفَ ما بِي كلامُها». وبيت شعري لدعبل يقول فيه: «ولَمَّا أَبَى إِلَّا جِمَاحاً فُؤَادُهُ». ويجيز عباس جسن تقديم المفعول به المحصور بأداة الحصر «إِلَّا»، بشرط تقديم أداة الحصر معه، غير أنَّ يفضّل تأخر المفعول به لمخالفة التقديم اللغة الشائعة ومخالفته الذوق الأدبي والبلاغي الرفيع حسب رأيه. ويرى بعض النحاة أنَّ الفاعل يُقَدَّمُ وجوباً على المفعول به عندما يكون ضميراً مستتراً عائداً على مذكور قبله، مثل: «الكَاتِبُ كَتَب كِتَاباً» ففاعل «كَتَب» هو ضمير مستتر عائد على «الكَاتِبُ»، وموضع استتار الفاعل يكون بين الفعل والمفعول به.