اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
توفي أولجايتو يوم الأربعاء 27 رمضان 716هـ المُوافق فيه 13 كانون الأوَّل (ديسمبر) 1316م، ورُفع ابنه ووليّ عهده أبو سعيد على عرش الدولة الإلخانيَّة خلفًا له، وكان في الثالثة عشرة من عُمره. تعرَّضت الدولة الإلخانيَّة، في بداية عهد أبي سعيد، لاضطراباتٍ داخليَّةٍ، أثارها تنافس بعض الأُمراء وأطماعهم، فتعددت ثورات أولئك الأُمراء في مناطق مُتفرِّقة ضدَّ إلخانهم، غير أنَّ أبا سعيد استعان عليهم بقائد جيشه الأمير «جوبان»، فقضى عليهم، وأعاد إلى البلاد استقرارها وهدوءها. وفي الحقيقة فإنَّ جوبان المذكور تمكَّن من السيطرة على مقاليد الأُمُور في الدولة، وازدادت قُوَّته حتَّى لم يبقَ لِأبي سعيد من السُلطة سوى الاسم، وأصبح الانتهازيُّون والمُتسلقون يتقرَّبون إليه في سبيل تحقيق مآربهم وغاياتهم، ومن أبرز هؤلاء الوزير تاج الدين علي شاه التبريزي. فقد كان لِأبي سعيد وزيران هُما الإداري والسياسي المُخضرم الكبير رشيد الدين فضل الله الهمذاني وتاج الدين سالف الذِكر، وقد برزت بينهما خلافاتٌ عميقة في ظل طُمُوح تاج الدين إلى التفرُّد بِمنصب الوزارة، فعمد إلى الدهاء والوقيعة لدى جوبان الذي دفع الإلخان للتخلُّص من رشيد الدين ونجح في ذلك، وأمر الإلخان بقتل وزيره الكبير في سنة 718هـ، فانفرد تاج الدين علي شاه بالوزارة حتى وفاته في أوائل سنة 724هـ. تعرَّضت الدولة الإلخانيَّة، بعد مقتل رشيد الدين، إلى سلسلةٍ من الفتن والاضطرابات الداخليَّة الجديدة، بين مُختلف الجماعات المغوليَّة، أشرف خلالها كيان الدولة على الانهيار، إلَّا أنَّها شكَّلت علامةً فارقةً على بداية النهاية لِمسيرتها السياسيَّة، وتمثَّلت تلك الفتن بازدياد نُفُوذ الأمير جوبان وابناه الوزير «دمشق خواجة» والقائد حسن، بِشكلٍ كبير، إذ صارت أُمُور الجيش والشعب في أيدي المذكورين، فعلا شأنهم، وتجاهلوا الإلخان في مُعظم الأُمور، فغضب عليهم، وزاد من غضبه ما صدر عن إبنا جوبان من تصرُّفات رعناء غير مسؤولة، طالت أهالي مدينة غزنة التي استباحها حسن بن جوبان وارتكب فيها ألوانًا من الفواحش والفسق؛ وحرملك الإلخان نفسه الذي حوَّلهُ دمشق خواجة إلى مرتعٍ لِإشباع رغباته الجنسيَّة. كانت تلك الأسباب أكثر من كافية لِتدفع الإلخان إلى شنَّ حملةٍ شعواء لاستئصال هذه الأُسرة، ونجح في ذلك، فقتل المذكورين جميعًا ثُمَّ نصَّب غيَّاث الدين مُحمَّد بن رشيد الدين الهمذاني في هذا المنصب، لشعوره بِالندم على قتل أبيه فضلًا عن أنَّ غيَّاث الدين كان أصلح الناس لِهذا المنصب في ذلك الوقت؛ حيثُ كان واسع الأُفق، ومُطَّلعًا على العُلُوم العقليَّة والنقليَّة، فأحسن إدارة شُؤون الدولة وتوخَّى العدل، وعمل على رعاية مصالح الناس. وعمل أبو سعيد، بعد مقتل جوبان، على التخلُّص نهائيًّا من سيطرة الأُمراء من واقع عدم تعيين أحد في منصب أمير الأُمراء على أن يُباشر السُلطة بِنفسه، وقضى على كُل أميرٍ بدت منه مُحاولة تُمرُّد على السُلطة، ولاحق كُل من شكَّ بأمره أو تناهى إلى سمعه بأنَّهُ يُخطط لِمُؤامرةٍ ما.
مال أبو سعيد إلى التفاهم مع المماليك في مصر والشَّام، وسعى إلى الدُخُول في مُفاوضاتٍ مع السُلطان الناصر مُحمَّد بن قلاوون بِهدف عقد صُلحٍ بينهما، بعدما رأى وأعوانه أنَّهم عاجزون عن السير في السياسة التقليديَّة المُعادية لِلمماليك، الذين صمدوا في وجههم، وتغلَّبوا على أسلافهم في عدَّة معارك حاسمة. لِذلك، دخل الطرفان في مُباحثاتٍ مُستمرَّة دامت ثلاثة أعوام حتَّى جنح الناصر مُحمَّد إلى الصُلح بعد أن عبَّر لهُ أبو سعيد عن نواياه الطيِّبة، ورغبته السابقة في قيام علاقات بينهما على أُسسٍ من المحبَّة والاحترام المُتبادل. كان من مظاهر هذا الصُلح بين الدولتين أن توطَّدت العلاقات الطيِّبة بين المماليك والإلخانيين، مما اعتُبر تحوُّلًا في العلاقات بين الطرفين، إذ هدأت المنطقة، ولم تعد تشهد حُرُوبًا طاحنةً من نوع الحُرُوب التي شهدها القرن الثالث عشر الميلاديّ، وسادها جوٌ من الهُدوء والسلام. كذلك، صار يُدعى لِأبي سعيد في مكَّة بعد الدُعاء لِلخليفة العبَّاسي والسُلطان المملوكي. كما صرف الإلخانيُّون النظر عن التحالف مع الغرب الأوروپي. تُوفي أبو سعيد في قره باغ، من أعمال أرَّان، في 13 ربيع الآخر 736هـ المُوافق فيه 30 تشرين الثاني (نوڤمبر) 1335م، وقيل 12 ربيع الأوَّل المُوافق فيه 29 تشرين الأوَّل (أكتوبر) من ذات السنة، وحُمل جُثمانه إلى مدينة سُلطانيَّة ودُفن تحت القبَّة التي كان قد أقامها بِجوار قبر أبيه.