English  

كتب الفتح العثماني للجزائر

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

الفتح العثماني للجزائر (معلومة)


الغزو الاسباني لموانيء الجزائر

كان لضعف دولة بني زيان، تأثير سيء على أوضاع الجزائر فانقسمت على نفسها إلى إمارات صغيرة مفككة متناحرة، أمثال: إمارة جبل كوكو ببلاد القبائل، والامارة الحفصية بقسنطينة، وامارة الذواودة بالحضنة والزاب، وامارة بني جلاب بتقرت ووادي ريغ، وامارة بني يزناسن وفقيق بالحدود الغربية، وإمارة الثعالبة بجزائر بني مزغنة ومتيجة.

وشجع هذا التفكك الأسبان للقيام بغزو موانئها ومدنها الساحلية والسيطرة عليها واحدة بعد الأخرى وفق مشروع استعماري واسع يهدف إلى استعمار المغرب العربي كله، ممهدين له بحركة جوسسة واسعة. فكلف الكاردنال كزيميناس شخصًا يدعى لوراندودي باديا، بمهمة التجسس في مملكة تلمسان الزيانية وذهب إليها في زي تاجر مسلم، وبصحبته البندقي الإيطالي جيرونيمو فيينالي، وبقي ما يقرب من عام جمع المزيد من المعلومات، ثم شرعت اسبانيا في إعداد خطة الغزو على الشكل التالي:

احتلال المرسى الكبير ووهران

ففي شهر سبتمبر من عام 1505 أعد الملك الأسباني "الكاردنال كزيميناس" حملة عسكرية أسند قيادتها إلى (دون دييقو فيرنانديز) وكلفه بالهجوم على المرسى الكبير الذي كان يستقر به عدد كبير من مسلمي الأندلس المطرودين. فهجم عليه يوم 9 من نفس الشهر واحتله بعد معارك دامية، وبخيانة بعض من لا ضمير لهم، وارتكب الأسبان مجازر رهيبة تؤكد مدى الحقد الديني الدفين في قلوبهم ضد المسلمين آنذاك. وبعد حوالي خمس سنوات وجه الأسبان ضربتهم الثانية إلى مدينة وهران، فأعدوا حملة ضخمة خرجت من قرطاجنة باسبانيا يوم 16 ماي 1509 بقيادة "الكاردينال كزيميناس" نفسه ووصلت إلى وهران يوم 19 من نفس الشهر وفرضت عليها الحصار حتى استولت عليها بفضل خيانة بعض ضعفاء الذمة والسماسرة اليهود كذلك، وفعلوا فيها ما فعلوه بالمرسى الكبير من تقتيل وتخريب وهتك للأعراض. وبعد هذا النجاح عين الأسبان أحد قراصنتهم وهو "بيدو نافارو" حاكما عاما عليها وعلى المرسى الكبير ومملكة بني زيان التلمسانية التي أعلنت خضوعها لهم وهو ما يؤكد نيتهم في احتلال البلاد كلها.

احتلال بجاية

ولم يتوقف الأسبان عند هذا الحد، بل أخذوا يتحرشون ضد مدينة بجاية التي كانت تخضع لأمير حفصي تابع لإمارة قسنطينة الحفصية يدعى عبد الرحمن، وينافسه في الحكم أخوه عبد الله، فشنوا عليها حملة كبيرة يوم 5 يناير 1510 واحتلوها بعد أن فتكوا بأهلها وخربوا الكثير من آثارها ومعالمها التاريخية الإسلامية.

واحتلوا في نفس العام عنابة، وطرابلس الغرب، ولكنهم فشلوا في احتلال جزيرة جربة، وقرطاج التونسية، وخافت الدولة الحفصية بتونس مغبة الأمر من الأسبان بعد احتلالهم لبجاية، فتقرب سلاطينها منهم وأعلن السلطان الحفصي أبو عبد الله قبوله لدفع أتوات كالية لهم كعنوان للخضوع والاستسلام.

التمركز أمام مدينة الجزائر

وكما ارتاع الحفصيون بتونس من الأسبان، شعر بالخطر كذلك سكان مدينة الجزائر وتوجسوا من أن يهاجمهم الأسبان بين حين وآخر بعد أن أصبحوا بين فكي كما شتهم تقريبا من بجاية ووهران وكذلك رأوا أن يظهروا للأسبان رغبتهم في الأمن والسلام، فوجهوا وفدا إلى بيدرو نافارو ببجاية تعهد له بإطلاق سراح الأسرى المسحيين ومسالمة القوات الأسبانية في البحر، ودفع أتاوة مالية سنوية للأسبان في بجاية بقدر مبلغها بنفس المبلغ الذي كانت تدفعه مدينتهم لبجاية الحفصية قبل ذلك. وفي مقابل هذا لا يتعرض الأسبان بسوء لمدينة الجزائر. وأكثر من هذا سافر وفد جزائري آخر إلى إسبانيا عام 1511 وتنازل للأسبان عن الجزر الساحلية المواجهة لمدينة الجزائر ليقيموا عليها حصونا ومراكز لهم فأسسوا في احداها حصنا كبيرا أصبح يدعى حصن الصخرة وصار شوكة حلق هذه المدينة يهدد أمنها وسلامتها باستمرار.

اخضاع مستغانم

وعلى غرار هذا، فعلت مستغانم، ومزغران، بالناحية الغربية قرب وهران فشعر سكانها بالخطر وقدموا عام 1511 فروض الطاعة والولاء للاسبان بوهران وبذلك أحكم الأسبان قبضتهم على سواحل الجزائر الشرقية والغربية كما اخضعوا إمارة بني زيان بتلمسان وصاروا يتلاعبون بأمرائها ومستقبلها.

ظهور الإخوة الأتراك عروج وخير الدين وإسحاق

عروج وخير الدين وإسحاق أبناء لأب من أصل تركي بإقليم الروملي اسمه يعقوب بن يوسف كان يقطن بجزيرة مدلي (ميتلان) في الأرخبيل اليوناني، ويحترف صناعة الفخار، وله زيادة على الأبناء الأولين ولد آخر هو محمد إلياس. وولد عروج حوالي عام 1473م وخير الدين في العام الموالي وكان عروج وخير الدين يبيعان الفخار لأبيهما في الجزائر اليونانية بواسطة بعض المراكب، وفي احدى المرات وقع عروج أسيرا وبيع عبدا لشخصين بجزيرة رودس. وفي أثناء توجه إلى مصر كمجدف في سفينة تحمل أسرى مسلمين جرى افتداؤهم بالمال، واغتنم فرصة حدوث زوبعة بحرية ففر من المركب وانتهى به المطاف إلى أضاليا بإمارة (قرمان) حيث تعرف على شخص اسمه: علي بوراس استرقه وصاحبه معه إلى مصر وكلفه بقيادة مركب بحري يحمل الأخشاب لصنع السفن، ولسوء الحظ اعترضه بعض قراصنة جنوة الإيطاليين وأحرقوا له سفينته فعاد إلى أضاليا وتعرف بالأمير قرقود شقيق السلطان سليم. فأكرم مثواه لما لاحظه عليه من سمات البطولة والنخوة، وجهز له سفينة للجهاد في البحر المتوسط الشرقي ضد القراصنة المسيحيين، وساقته الظروف إلى جزيرة جربة جنوب شرق تونس حوالي عام 1504 فاستقر بها ولحق به أخواه خير الدين (خخسرف-الخضر) وإسحاق وأصبح لديهم حوالي اثنتي عشرة سفينة، واتفق مع الأمير الحفصي أبي عبد الله محمد علي ان يسمح لهم بجعل جربة مركزا لاسطولهما، ويفتح كل المواني التونسية لهم عند الضرورة مقابل خمس الغنائم التي يغنمونها في البحر، فأخذوا يجاهدون ضد القراصنة المسيحيين وبخاصة الأسبان منهم والبرتغاليين. ولما كانت جربة بعيدة عن ميدان الجهاد الحقيقي في الحوض الغربي للبحر المتوسط حيث كثرت هجمات الأسبان على السواحل الأفريقية فقد اتفقوا مع الأمير الحفصي على نقل مركزهم العسكري من هناك إلى حلق الوادي في أقصى شمال شرق تونس في نفس العام تقريبا.

محاولة تحرير بجاية من الإسبان

ابتداء من عام 1512 بدأ نجم الإخوة الأتراك يخترق الآفاق، وأخذ الناس يسمعون عن انتصاراتهم الرائعة ضد القراصنة الأسبان في عرض البحر وفي شواطئ الأندلس نفسها. ولذلك اتصل بهما علماء وأعيان بجاية، وأمير قسنطينة الحفصي أبو بكر في نفس العام، واستصرخهم للنجدة ورفع كابوس الأسبان عن بجاية فلبوا الرغبة وزحفوا على المدينة بعمارة بحرية من حلق الوادي، ولكنهم لم يصادفوا نجاحا بسبب تحصينات الأسبان القوية وتعاون قلعة بني عباس مع الأسبان، وجرح عروج أثناء محاولة اقتحام المدينة واضطر المشرفون على علاجه أن يقطعوا ذراعه بعد أن استعصى هليهم علاجها.

التمركز في مدينة جيجل

وقد أثرت خيبة بجاية في نفس عروج، وأدرك أن تمركزهم بحلق الوادي يبعدهم عن ميدان المعركة ولا يساعد على التفوق على الأسبان، ولذلك قرروا البحث عن مركز جديد لهم يكون قريبا من بجاية ووجدوا أن جيجل أحسن مكان لهما للتمركز والاستعداد، وكانت مدينة جيجل محملة من طرف قراصنة جنوة الإيطاليين منذ عام 1260 كمركز تجاري بين أفريقيا وإيطاليا، ثم هجم عليها أندريا دوريا الذي كان في خدمة فرنسا عام 1513، واحتلها وسنحت الفرصة لعروج وأخيه عندما استنجد بهما سكانها فحملا عليها وانتزعاها منه منذ عام 1514 ونقلا إليها مركزهما من حلق الوادي وأصبحا على مقربة من بجاية.

إعادة الكر على بجاية

بعد الاستقرار في مدينة جيجل اهتم عروج وإخوته بأمر المسلمين المضطهدين بالأندلس فأخذوا يترددون بأسطولهما على شواطئ الأندلس وينقلان المهاجرين إلى شمال أفريقيا ولم يكتفوا بهذا فأغار خير الدين على جزر البليار وأسر ما يقرب من ستة ألف أسير أسباني كانتقام من الأسبان. ونظرا للنجاح الذي حققه عروج بجيجل فقد بايعه سكانها أميرا عليهم واستحثه شيوخ القبائل وأمير جبل كوكو أحمد بن القاضي على إعادة الكرة على الأسبان في بجاية فنضم حملة عليهم عام 1514 بجيش بري وحاصرها ما يقرب من ثلاثة شهور دون جدوى واضطر إلى رفع الحصار، وكرر المحاولة في ربيع العام الموالي بقوة برية كبيرة ولكن نفاذ الذخيرة الحربية وامتناع الأمير الحفصي بتونس عن تزويده بالذخيرة اضطره إلى الانسحاب منها بعد أسر عدّة مئات من الأسبان 600. ومن حسن حظ عروج واخوته في هذه الفترة أن السلطان العثماني بعث إليهم أربع عشرة سفينة ومجموعة من المجدفين المهرة وكمية من الأسلحة والذخائر جزاء الهدية الثمينة التي أرسلها له بعد فتح جيجل، وقد جاءت هذه الهدية في الوقت المناسب.

الاستقرار في مدينة الجزائر

تحولت القلعة والحصن العسكري الذي أنشأه الأسبان على الصخور المواجهة لمدينة الجزائر عام 1510 إلى وكر للجوسسة والتخريب يشن منه الأسبان دوما الغارات على المدينة، فيسلبون منهم أموالهم وأغنامهم ويعرضون باستمرار حياتهم للخطر الشديد مما جعلهم يعيشون في حالة استنفار دائم.

ونتيجة لذلك ذهب وفد من سكان المدينة إلى جيجل عام 1516 وشكا لعروج ما هم عليه من الضيق والخطر المحدق بهم وبمدينتهم باستمرار، وكان هو وأخوه يهيئان لضربة قاضية ضد الأسبان في بجاية. فخلف أمر بجاية وقرر انجاد سكان مدينة الجزائر، وخرج عروج على رأس قوة برية بعضها من الأتراك وأغلبها من سكان القبائل، بينما قاد خير الدين أسطولا بحريا في نفس الاتجاه والتقيا معا بمدينة الجزائر واستقبلها السكان استقبالا حسنا وشرعا في الحال في قذف الحصن الأسباني بمدافعهما، وأثناء تلك المدة اتجه عروج إلى شرشال التي كانت تخضع لشخص تركي آخر اسمه قارة حسن كان يتعاون مع بعض المهاجرين الندلسيين فقضي عليه، وسيطر على المدينة ثم عاد إلى مدينة الجزائر وبايعه السكان أميرا للجهاد في سبيل الله. فأثار ذلك حقد سالم التومي وأشياعه الذين كانوا يحتفظون بالسلطة في المدينة فحاولوا التآمر ضده ولكنه فطن للمؤامرة فقبض على سالم التومي وأغتاله في منزله وقيل في الحمام يوم جمعة.

الاسبان يتحركون

اعتبر الأسبان استقرار عروج وأخويه بمدينة الجزائر خطرا شديدا عليهم وعلى مستقبلهم لا في هذه المدينة فقط وانما في كل الشمال الأفريقي، ولذلك عزموا على مقاومتهم وتحطيم سلطتهم وطردهم وتحالفوا مع أمير تنس الخاضع لهم واستمالوا إليهم أشياع سليم التومي وبعض زعماء القبائل المجتورة للمدينة بواسطة عملائهم وجواسيسهم، وثم وجهوا من وهران حملة كبيرة بقيادة حاكمها الأسباني (دييقودو فيرا) وصلت إلى الجزائر أواخر سبتمبر 1516 ونزلت قرب باب الواد وتركهم عروج حتى نزلوا إلى البر ثم أخذ يناوشهم لاستنزاف قوتهم وطاقتهم وأغتنم فرصة تقهقرهم وظهور ريح شمالية فزحف بقواته عليهم وأغرق الكثير منهم وقتل البعض وأسر البعض الآخر. وكانت هزيمة وكارثة مهولة بالنسبة للاسبن، وانتصارا عظيما بالنسبة لعروج واخوته وللسكان الذين لم يخفوا ابتهاجهم وفرحتهم في المدينة وأحوازها مما دفع سكان البليدة ومليانة والمدية ودلس، وبلاد القبائل إلى مبايعة عروج واعلان الخضوع والطاعة له فامتد نفوذه وتوسع نتيجة لذلك.

تلمسان تستنجد

ولما كان موقف أمير تنس الزياني مخزيا لتعاونه مع الأسبان، فقد قرر عروج الانتقام منه، واخضاع مدينته فذهب إليها على رأس قوات كبيرة واقتحمها في شهر جوان 1517، وافتكها منه، وقتله وطرد الأسبان المتمركزين بها ثم قسم مملكته الجديدة إلى قسمين قسم شرقي مركزه دلس ويشرف عليه أخوه خير الدين، وقسم غربي مركزه مدينة الجزائر ويحكمه هو نفسه. وبينما كان عروج في تنس ينظم أمورها ويصلح من شؤونها، حضر إليه وفد من سكان مدينة تلمسان ليشكوا له أوضاع بلادهم السيئة وتهديد الأسبان باحتلال مدينتهم بسبب اختلاف أمراء بني زيان على العرش والسلطة. فقد قام أبو أحمد الثالث بالاستيلاء على العرش في تلمسان بالقوة بعد أن طرد منه ابن أخيه أبا زيان الثالث ووضعه في السجن ولم يقنع بهذا فعمل على ممالأة الأسبان والتعاون معهم وقبول حمايتهم مما شجعهم على التدخل في الشؤون الداخلية للبلاد. لبّى عروج رغبة الوفد واستخلف أخاه خير الدين على مدينة الجزائر وأحوازها واتجه هو إلى تلمسان، ومر على قلعة بني راشد قرب معسكر فوضع بها حامية تركية كبيرة تحت قيادة أخيه إسحاق لتحمي ظهره، وواصل هو الزحف إلى تلمسان واستطاع بسهولة أن يتغلب على أبي حمو الثالث المتآمر وحشوده ودخل إلى المدينة وأخرج أبا زيان من السجن وأجلسه على عرشه من جديد. ولكن هذا السلطان سرعان ما تآمر على عروج وحاول أن يغتاله أو يطرده من البلاد مما دفع عروج إلى القبض عليه واغتياله. أما أبو حمو الثالث فقد ذهب إلى وهران ليطلب النجدة من أعدائه القدماء الأسبان، وهكذا تعاون الأسبان وأبو حمو مع بعض الموتورين بالبلاد وشنوا حملة على قلعة بني راشد واحتلوها وطردوا منها صاحبها إسحاق بن يعقوب ثم قتلوه في الطريق في أواخر جانفي 1518، وواصلوا السير إلى تلمسان وفرضوا عليها حصارا شديدا واضطر عروج أن يعتصم بالمشور عدة أيام. ثم غادرها ليلا في اتجاه بني يزناسن قرب ساحل البحر، ولكن الأسبان تفطنوا لخروجه وتتبعوه واغتالوه بين المالح (ريوصالادو) وزاوية سيدي موسى في نفس العام وحزوا رأسه وأرسلوه إلى اسبانيا حيث طيف به معظم مدنها ومدن أروبا الأخرى كما أرسلوا جلبابه الذي كان يلبسه إلى كنيسة القديس جيروم حيث اتخذوه شارة لهم.

إلحاق الجزائر بالدولة العثمانية

بعد مقتل عروج، تحرج مركز أخيه خير الدين بالجزائر وأصبحت الأخطار تهدده من كل جانب في الداخل وفي الخارج. ففي الداخل كثر المعارضون ضده وتمرد عليه أحمد بن القاضي في جبل كوكو، وتمردت شرشال وتنس، وتواطأ بنو زيان من الأسبان، وتقاعس أمير تونس "الحفصي" عن مد يد المساعدة له، بل انه عزم على محاولة إخضاعه لسلطته واتضحت سوء نيته عندما رفض تزويد عروج بالذخيرة الحربية أثناء الحصار الثالث الذي فرضه على بجاية عام 1515م.

وفي الخارج كانت أخطار الأسبان بادية تهدد بابتلاع شمال أفريقيا كله بسبب تمركزهم في عدة نقاط من الساحل أمثال: وهران، وبجاية، وبتدخلهم المستمر في شؤون الإمارة الزيانية بتلمسان.

وهكذا وبسبب هذه العوامل كلها اعتزم خير الدين مغادرة الجزائر ليستأنف الغزو والجهاد ضد القراصنة في البحار حتى يبني قوته، ولكن عقال مدينة الجزائر وكبراءها ألحوا عليه بأن يبقى في المدينة. وعندئذ عرض عليهم فكرة ربط الجزائر بالدولة العثمانية وإدخالها ضمن أملاكها حتى تكسب نوعا من الحماية الدولية ويجد هو الحكمة وسيطرته على البلاد. وهذه الفكرة تدل على بعد نظر خير الدين لأن الجزائر سندا بواسئلها الخاصة لا تستطيع ان تقف في وجه الزحف الأسباني، لأن الدولة العثمانية هي الدولة آنذاك التي بمقدورها أن تدعم سلطته وتمده بكل ما يحتاج إليه من مال وسلاح وعتاد ورجال. وقد استحسن كبار المدينة الرأي فأرسل خير الدين وفدا إلى السلطان سليم الأول عام 1518م، الذي كان موجودا بمصر، عرض عليه الفكرة وقبلها وأرسل إلى خير الدين التعيين كأول حاكم تركي على الجزائر بلقب (بايلر باي) مع مجموعة من الجنود الانكشاريين 200 وعدد من المدافع والذخائر الحربية وأذن لخير الدين بتجنيد عدد من المتطوعيين ليساعدوه في حفظ الأمن والنظام.

وبذلك دخلت الجزائر تحت سيطرة الدولة العثمانية وأصبحت ضمن ولايتها واكسبها ذلك الوضع نوعا من الحماية ودرأ عنها كثيرا من الأخطار خاصة اطماع الأسبان.

الحكم الذاتي

    تدرّج الحكم التركي بالجزائرليتوقف عند عهد آغا القمرين سنة 1659، حيث ينتخب الآغا حاكما من قبل الأوجاق أو طائفة الانكشارية (القوى العسكرية البرية). "جمهورية عسكرية" سنة 1711 حيث يقدم الدّاي علي شاوش على رفض استقبال الموفد من إسطنبول لحكم الجزائر، ليتقرّر بذلك شبه استقلال الجزائر. بناء على ذلك، تتّجـه الجزائر في حركية تاريخية: "أنّ الجزائر ليست مستعمرة، إذ أن الأتراك لا يستحوذون الحصة التي يقتطعونها. إنّ الدّولة الجزائرية كيان مستقل وسيّد بدون منازع، تستجيب للمواصفات المعتمدة في القانون الدولي. فالشروط الكلاسيكية متوفّرة كلها لديها (إقليم، مجموعة بشرية، سلطة عمومية، استقلال فعلي واعتراف دولي)، لقد نجح الأتراك في مدّ الجزء الأوسط من المغرب باستقلالية سياسية وجغرافية تميّزها عن البلدان المجاورة منه، فقد توضّحت أكثر معالم حدودها الغربية والشرقية. وإذا ما ظلّت حدودها الجنوبية غامضة بفعل الصحراء، فإنّ ذلك لا يؤثر على وحدتها الإقليمية. وبجانب هذا التحديد الجغرافي، يضاف تحديد اقتصادي ذو طابع جبائي أساسا. ومع أواخر العهد التركي، يتّجـه الحكم في اتجاه إبعاد العنصر التركي منه بتمركز السلطة في أيدي الدايات، أي إقصاء الأقلية التركية والاستناد على العنصر الكرغلي في تسيير إدارة البايلك الجهوي، وحكم الباي أحمد في الشرق ومحمد الكبير بالغرب شاهد على ذلك. وأن الأتراك لم يكونوا وحدهم يستحوذون على فائض الإنتاج. ونتساءل هنا عمّن كان يتقاسم معهم فائض الإنتاج، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، يمكن القول أن الدّولة التي أقاموها كانت تجمع الشروط المعتمدة للتعريف بالدولة ككيان، لكن يبقى هذا التعريف قائما من منظور العامل الخارجي ومن منظور القانون الدولي. لكن هذا لا يكفي لإقران صفة "الجزائرية" عليها، فلا بدّ من استكمال التعريف بعامله الدّاخلي حتّى يسمح لنا بإضفاء الطابع الوطني عليها. وعندما نستهدف تدقيق هذه المواصفات، نقف عند الملاحظات التالية:

    أما الاعتراف الدولي، فهو شرط لا جدال فيه، وقد حظيت الدّولة التي أقامها الأتراك بالجزائر باعتراف دولي ثابت جعلها تبرم اتفاقات دولية باسمها في السلم أو الحرب، وكثيرا ما كانت تتعارض تلك الاتفاقيات مع سياسة الإمبراطورية العثمانية بناء على تناقض المصلحتين. ولقد امتدّ خطاب الاستقلالية الفعلية هذا إلى خطاب الرّحالة، الكتاب والمؤرّخين الأوربيين الذين لم يتحفّظوا في نعتها بهذه الصفة التي صيغت في عدّة تعابير مثل: "أيّالة الجزائر"، "الدّولة البربرية"، "الدولة الجزائرية" مملكة الجزائر.الخ.

    وأمّا بالنسبة إلى الاستقلال الفعلي، فقد عبرت مبادرة علي شاوش في 1711، عن ممارسة الحكم التركي سلطته في اتجاه استقلال فعلي، لكن من الناحية المعنوية ظلّ الحكم مرتبطا روحيا بالآستانة في علاقة التّابع بالمتبوع، يلجأ إليها في السّراء والضّرّاء كلما اقتضى الحال ذلك. ويكفي في هذا الصّدد ذكر مراسلات الدّايات للسلطان العثماني من أجل دعمهم المادي في استجلاب الانكشارية للتدخّل من أجل فكّ المنازعات الدّاخلية، وأكبر دليل على تواصل هذا الارتباط السياسي هو موقف الباي أحمد في طلب استغاثة من العثمانيين لصدّ الاحتلال الفرنسي وبالمقابل رؤية العثمانيين لهذا الحدث التاريخي في أن الجزائر مازالت تابعة لهم. وبغضّ النّظر عن هذا الجانب، فإنّ مثل هذا الاستقلال الفعلي لم تجن منه الجزائر ككيان منفعة بقدر ما انحصرت منافعه في الأقلية التركية الحاكمة بإعفائها من "إرسال الحصة التي يقتطعونها إلى إسطنبول.

    دايات الجزائر مع العثمانيين

    نجد أن دايات الجزائر رفضو عدة مرات توسط "الباب العالي" احيانا بأدب جم لكن بحزم وجزم وأحيانا باستخدام كلمة مستحيل كما هي في هاتين الرسالتين من "الداي عمر" إلى الخليفة العثماني محمود الثاني.

    الأولى بتاريخ 5 جمادى الثانية 1230ه‍ الموافق 16 ماي 1815م اذ جاء فيها «منذ ثلاثين سنة استحوذ بحارتنا على سفينة روسية وقد طلبها "محمد آغا" (وزير من قصر الباب العالي وامر السلطان) كما أن بحارتنا استولوا على سفينة في جبل طارق و"محمد آغا" يطالب بها أيضا، نعلم حضرة سلطاننا انه من المستحيل إرجاع ذلك.

    والرسالة الثانية إلى السلطان نفسه بتاريخ 6 جمادى الثانية 1230ه‍ الموافق ل 17 ماي 1815م يقول فيها: «إن بواخر مدينة "دوبروفونيك" (يوغسلافيا) قد اعترضت سفن القرصنة الفرنسية التي حاصرتها وقد تمكن ثلاثة من بحارة دوبروفونيك من الهرب والوقوع في أيدي البحارة الجزائريين الذين أوصلوهم للجزائر لعدم وجود أوراق رسمية تثبت جنسيتهم لقد اتصلنا برسالتكم التي طلبتم فيها اطلاق سراح هؤلاء غير اننا نعلمكم أنه يتعذر علينا ذلك لعدم وجود جوازات سفر معهم من جهة ومن جهة اخرى ان هدفهم محاربتنا) ويمضي الرسالة من داي الجزائر عمر بن محمد. بل وأكثر من ذلك فكم من مرة رد دايات الجزائر بعنف على مبعوثي الخلفاء العثمانيين بل وقنبلوا سفنهم للإنذار عند مغادرتهم ميناء الجزائر عندما كانو يأتون ليتوسطوا لدول أوروبية شاركت في الحروب ضد الجزائر بل يحلفون وهم رافضون وساخطون عليهم وعلى وساطاتهم وموسطيهم فيعود مبعوثو الباب العالي بيد فارغة إلى سفراء فرنسا واسبانيا وإيطاليا الذين ينتظرون الموافقة على أحر من الجمر نتائج توسط الخلفاء عند دايات الجزائر الغلاظ الصلاب ذوي الرؤوس الغليظة الذين كان طابعهم العناد والإصرار والمسارعة للضغط على الزناد كما وصفهم معظم المؤرخين المعاصرين لهم من الامريكان والاوروبيين.

    المصدر: wikipedia.org