English  

كتب الفتح الإسلامي للغال

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

الفتح الإسلامي للغال (معلومة)


الفَتحُ الإسلَامِيُّ لِلغَالِ أو الغَزْوُ الإسْلَامِيُّ لِلغَالِ، وفي بعض المصادر ذات الصبغة القوميَّة خُصُوصًا يُعرفُ هذا الحدث باسم الفَتْحُ العَرَبِيُّ لِلغَالِ (على الرُغم من أنَّ جيش المُسلمين تضمَّن عربًا وبربر بشكلٍ أساسيٍّ وغيرهم من العرقيَّات الأقل عددًا)، كما يُعرف هذا الحدث أيضًا باسم الفَتحُ الإسلَامِيُّ لِغَالَة، وتسُميه بعض المصادر الفتح الإسلامي لِفرنسا أو الفتح الإسلامي لِجنوب فرنسا، هو سلسلة من الحملات العسكريَّة التي قام بها المُسلمون لِفتح بلاد الغال وما وراء جبال البرتات بعد تمام فتح الأندلُس. كانت بدايات تلك الفُتُوح ضرورة إستراتيجيَّة لِحماية المُكتسبات الإسلاميَّة في أيبيريا، إذ كان قسمٌ من نُبلاء القوط - سادة الأندلُس السابقين - قد انسحبوا من أمام الجُيُوش الإسلاميَّة واستقرُّوا في مُقاطعة سپتمانية بِجنوب الغال، فكان لا بُد من مُلاحقتهم والقضاء على نُفوذهم تمامًا كي يستقرَّ الأمر لِلإسلام والمُسلمين في الأندلُس.

توغَّل المُسلمون بعد فتح سپتمانية في بلاد الغال، فتساقطت أمامهم الحُصُون والقلاع والمُدن الواحدة تلو الأُخرى، ففتحوا قسمًا من إقليم أقطانية وهزموا جُيُوش الأُمراء الإفرنج الواحد تِلو الآخر، ومال إليهم السُكَّان في بعض المُدن رغبةً منهم بِالتخلُّص من سُلطة النُبلاء الإقطاعيين. ولمَّا تبيَّن لِلإفرنج أنَّ بِلادهم ستسقط بِيد المُسلمين تمامًا بعد أن وصل هؤلاء أسوار مدينة بريش (باريس) عاصمة المملكة، اتحد الأُمراء تحت راية الدوق الأكبر فيهم، والذي كان يتولَّى نظارة البلاط الإفرنجي، المدعو قارلة مارتل (شارل مارتل)، وحاربوا المُسلمين وتمكنوا من هزيمتهم عند مدينة طُرش (تور) في معركةٍ عُرفت في المصادر العربيَّة والإسلاميَّة باسم «معركة بلاط الشُهداء» لِكثرة ما خسره المُسلمين من رجال. تابع المُسلمون رُغم خسارتهم فتح بعض المُدن والمناطق الغاليَّة، فسقطت في أيديهم مُدن أبينيون ولوطون (ليون) وأوتن، على أنَّ سيطرتهم عليها لم تدم طويلًا قبل أن تعود جميعها إلى حظيرة الإفرنج. وبِحُلول سنة 759م كان المُسلمون قد خسروا سپتمانية أيضًا بعد أن حوصرت قصبة هذا الإقليم، وهي مدينة أربونة، من قِبل الملك الإفرنجي پپين القصير، واضطرَّت حاميتها ومن سكنها من المُسلمين الوافدين والأهالي الأصليين الذين أسلموا إلى الانسحاب نحو الأندلُس، بعد حوالي 40 سنة من دُخول الإقليم المذكور في حوزة الدولة الأُمويَّة.

توقفت مُحاولات المُسلمين لِفتح الغال خِلال ما تبقَّى من عصر الوُلاة في الأندلُس لِكثرة ما وقع من فتنٍ وثوراتٍ في البلاد وانهماك الوُلاة في إخمادها، ثُمَّ بعد سُقُوط الدولة الأُمويَّة في المشرق وقيام الدولة العبَّاسيَّة على أنقاضها، وما تبع ذلك من قيامٍ لِإمارة قُرطُبة على يد آخر أُمراء بني أُميَّة عبدُ الرحمٰن الداخل، وما اتخذه من وقتٍ لِتثبيت حُكمه وإرساء الأمن والاستقرار في رُبُوع الأندلُس. تابع خُلفاء عبدُ الرحمٰن الداخل إرسال الحملات العسكريَّة نحو الغال في سبيل دفع الخطر الإفرنجي بعيدًا عن ديار الإسلام ولِفتح ما تيسَّر من بِلاد. أصابت بعض تلك الحملات قدرًا من النجاح، واستقرَّ المُسلمون في عددٍ من المناطق المهجورة وفق ما تُشير إليه بعض الروايات اللاتينيَّة، كما أُشير إلى استقرار بعض المُسلمين في معابر جبال الألب الفاصلة بين إفرنجية وشبه الجزيرة الإيطاليَّة، لكنَّ هؤلاء لم يستمروا في إقامتهم في تلك المناطق، ولم تستثمرهم السُلطة المركزيَّة في قُرطُبة، فاندثروا مع مُرور الوقت بِحسب الوثائق اللاتينيَّة نتيجة انقطاع صلاتهم مع الأندلُس. وفي عهد الحاجب المنصور جرت آخر مُحاولات التوغُّل في الغال دون أن تُصيب نجاحًا مُهمًا، وسُرعان ما توقفت بعد سُقُوط الخِلافة الأُمويَّة الأندلُسيَّة وانقسام البلاد إلى عدَّة ممالك. ترك الفتحُ الإسلامي لِلغال آثارًا ثقافيَّة بارزة على الغال والغاليين، إذ تأثَّرت اللُغة القسطانيَّة بِاللُغة العربيَّة بِشكلٍ واضح، كما كان لِتلك الحملات أثرٌ أذكته الكتابات المسيحيَّة واستُخدم في توجيه الإفرنج نحو ضرورة قتال المُسلمين بعد قُرونٍ خِلال زمن الحملات الصليبيَّة.

أوضاع الغال قُبيل الفُتُوحات الإسلاميَّة

الأوضاع السياسيَّة

  • طالع أيضًا: المملكة الإفرنجيَّة

كانت مملكة الإفرنج قد قامت وثبَّتت أركانها على يد أميرٍ شُجاعٍ مقدامٍ يُدعى «كلوڤيس» كان يتزعَّم إحدى فُروع القبائل الجرمانيَّة التي استقرَّت مُنذُ أواخر القرن الخامس الميلادي، بين نهر الرَّاين وبحر الشمال في إقليم الفلمنك وما إليه، ثُمَّ على ضفاف الرَّاين الوُسطى والموزل. وكان كلوڤيس المذكور قد فتح شمال فرنسا المُعاصرة سنة 486م مُنتزعًا إيَّاه من آخر الوُلاة الرومان الذي كان قد أقام به دولة مُستقلَّة بُعيد انهيار الإمبراطوريَّة الرومانيَّة الغربيَّة، ثُمَّ حارب القبائل الألمانيَّة القاطنة شرق نهر الرَّاين، وافتتح أراضيها حتَّى باڤاريا. وفي سنة 507م حارب كلوڤيس القوط، وكانوا قد استقرُّوا في الغال (القسم الجنوبي من فرنسا) وقتل ملكهم ألاريك الثاني، واستولى على الأراضي الواقعة ما بين نهر اللوار وجبال البرتات، عدا ولاية سپتمانية التي بقيت في يد القوط. وهكذا أرسى كلوڤيس قواعد دولته الكبيرة، وجعلها مملكةً عُظمى تربَّع هو على عرشها لِيكون أوَّل مُلوك الإفرنج عامَّةً ومُؤسس الأُسرة الميروڤنجيَّة، واتخذ تخت مُلكه في مدينة بريش (باريس)، فأصبحت عاصمة بلاد الفرنجة مُنذ ذلك الحين. تابع أبناء كلوڤيس وخُلفاؤه من بعده سياسة الفتح، وافتتحوا بورغندية وأواسط جرمانية وشمالي شبه الجزيرة الإيطاليَّة. ثُمَّ وقعت الحرب الأهليَّة حينًا بين أُمراء الإفرنج الذين اقتسموا تُراث كلوڤيس، حتى جاء كلوتير الثاني سنة 613م فبسط سُلطانه على الغال كُلها، واستأنف الفتح لإخضاع باقي الإمارات الإفرنجيَّة الواقعة شرقيَّ الرَّاين. وسار ولده داگوبرت في أثره، وجمع كلمة الفرنجة تحت لواءٍ واحدٍ، وغلبت سلطة الإفرنج على جرمانية الغربيَّة ثانيةً. كان داگوبرت آخر المُلوك الميروڤنجيين الذي استطاع أن يقبض على زمام السُلطة المركزيَّة بِيدٍ قويَّة، أمَّا خُلفاءه فكانوا رجالًا ضِعاف الخِلال والعزائم، مُنغمسين في الترف والملذَّات، فضعُف سُلطان العرش، وانهارت السُلطة المركزيَّة القويَّة التي كان يقبض عليها ملكُ الفرنجة، واستقلَّ الأشراف والزُعماء المحليُّون وأصبح كُلٌ منهم الآمر الناهي في إقطاعه، ولا يرتبط بِالسُلطة المركزيَّة في بريش إلَّا إسميًّا.

نتيجة ضعف المُلُوك وتراجع سُلطانهم، برزت في تلك الفترة سُلطة سياسيَّة جديدة في البلاط الإفرنجي هي سُلطة الحاجب، الذي عُرف باسم «مُحافظ القصر» أو «ناظر العرش» (باللاتينية: Maior domus)، وكان هذا المنصب في المبدأ مُتواضعًا، ليست له أية صفة سياسيَّة أو إداريَّة، تقتصر مهامُه على النظر في شُؤون القصر المنزليَّة، ولكنَّهُ غدا منذ أوائل القرن السابع الميلاديّ، منصبًا هامًّا، يتولاه رجالٌ أقوياء يتطلَّعون إلى السُلطة، وأصبح بمضيِّ الزمن أهم مناصب المملكة الإفرنجيَّة السياسيَّة والإداريَّة، يستأثر صاحبه بِكُل السُلطات الحقيقيَّة، وإليه مُنتهى الأمر في أخطر شُؤون الدولة، يُباشرُها باسم العرش ومن ورائه، ولا يُباشر الملك إلى جانبه غير رُسوم المُلك الإسميَّة، ويلتف حوله الزُعماء والأكابر، ويُباشر في مُعظم الأحيان سُلطة الملك الحقيقيَّة، خُصوصًا إذا كان الملك طفلًا قاصرًا، فهو عندئذٍ يغدو الملك الحقيقي باسم الوصي أو النائب. كانت الأُسرة القارليَّة (الكارولنجيَّة) القويَّة قد اختصت بهذا المنصب الخطير، منذُ عهد الملك داگوبرت، وأخذت تُهدد بِنُفُوذُها وقُوَّتها مصير الأُسرة الميروڤنجيَّة الملكيَّة. وكان القارليُّون أقوى بُطون الإفرنج في أوستراسيا (إفرنجية الشرقيَّة)، فامتلكوا ضياعًا شاسعةً ما بين نهري الرَّاين والموزل وتزعَّموا جماعة النُبلاء، وتولُّوا منصب رُعاة الكنيسة، ومُنح زعيمهم مُحافظ القصر لقب «دوق الإفرنج» تنويهًا بِرياسته وسُلطانه، الذي أصبح فوق سُلطان العرش. وكان انحلال الأُسرة الميروڤنجيَّة وانهيار سُلطانها سببًا في تفرُّق كلمة الفرنجة وانحلال المملكة الإفرنجيَّة الشاسعة، وتطلُّع الزُعماء إلى الاستقلال والرياسة، أُسوةً بما انتهى إليه مُحافظ القصر؛ فأُضرمت نيران الحرب الأهلية حينًا بين الإفرنج في أوستراسيا والإفرنج في نيوستريا (إفرنجية الغربيَّة)، وأسفر هذا الصراع عن استقلال ولاية أقطانية في غالة الجنوبيَّة، وكذلك استقلال مُعظم الولايات الجرمانيَّة، ِبرياسة طائفة من الأُمراء الأقوياء.

آل منصب المُحافظ في أواخر القرن السابع الميلاديّ إلى أميرٍ مقدامٍ جريءٍ من الأُسرة القارليَّة، هو پپين الهرشتالي (بالفرنسية: Pépin d"Héristal)‏، فحارب الخارجين عن طاعته في فريزيا وسكسونيا وباڤاريا وأخضعهم، ولبث مُحافظًا لِلقصر يحكم مملكة الفرنجة في الشرق والغرب بِقُوَّةٍ وعزمٍ، مدى سبعةٍ وعشرين عامًا، ثُمَّ تُوفي سنة 715م موصيًا بِمنصبه لحفيده الطفل تودفالد، ولد ابنه گريمولد الذي قُتل قبل وفاته. وكان لِپپين الهرشتالي ولدٌ آخر من زوجته «ألفايده»، وهو قارلة (كارل أو شارل) مارتل، تركه أبوه فتًى قويًّا في نحو الثلاثين من عُمره، وكان من الطبيعي أن يكون هو مُحافظ القصر بعد وفاة أخويه الكبيرين گريمولد ودروگو. ولكنَّ پپين تأثَّر بِتحريض زوجه الأولى «بلكترود» وأوصى بِالمنصب لِحفيده، فكان مُحافظ القصر طفلًا هو تودفالد، يحكم مكان الملك الميروڤنجي وهو طفلٌ أيضًا، بِواسطة بلكترود التي عُيِّنت وصيَّة على حفيدها.

وكان أوَّل ما فعلت بلكترود أن قبضت على قارلة، وزجَّتهُ إلى السجن لتأمن شرَّه ومُنافسته. ولكنَّ أشراف إفرنجية الشرقيَّة ساءهم أن تتولَّى الحُكم امرأة. فثاروا ونادوا بأحد زعمائهم «راگنفرد» مُحافظًا لِلقصر، ونشبت الحرب بين الفريقين، وهُزم حزب بلكترود، فارتدَّت مع حفيدها إلى كلونية، وقبض راگنفرد على زمام الحُكم. وفي تلك الأثناء فرَّ قارلة من سجنه، والتف حولهُ جماعة من أنصار أبيه، وحارب الفرنجة الشرقيين، فاستغاث راگنفرد بالدوق أودو أمير أقطانية القوي، فلم يُغنه ذلك شيءًا، وانتهى قارلة بأن هزمه ومزَّق قُوَّاته، واضطره إلى التسليم والصُلح. أما بلكترود فقد عقدت الصُلح أيضًا، وتنازلت عن كُل حقوقها. وغدا قارلة مارتل مُنذ سنة 720م مُحافظًا لِلقصر لا يُنازعه مُنازع، يحكم جميع الفرنجة في القسمين الشرقي والغربي من المملكة، وعند هذه النُقطة كان المُسلمون قد فرغوا من فتح الأندلُس وطرقوا باب الغال.

الأوضاع الاجتماعيَّة

كان الشكلُ الأوليّ من نظام الإقطاع يسود مُختلف أنحاء المملكة الإفرنجيَّة، وكانت جُمهرة من الأُمراء والدوقات والكونتات تتقاسم السُلطة في مُختلف الولايات والأنحاء، وكُلَّما ضعُف سُلطانُ العرش اشتد نفوذُ أولئك الزُعماء المحليين، كما أُسلف. كما كانت العشائريَّة سائدة بين مُختلف طبقات الشعب، بحيثُ تعصَّب كُلُّ فريقٍ لِجماعته وعشيرته التي يتحدّر منها. وكان حق وراثة الأرض بين الإفرنج موضوعًا حسَّاسًا على المُستوى الاجتماعي، نظرًا لِأنَّ المكانة السياسيَّة والاجتماعيَّة لِلفرد كانت تتوقف عليه، فوفقًا لِحق الوراثة كانت تقل أو تزيد مكانة الإفرنجي بِانتقاص أو ازدياد ما يملكه من أراضٍ وضياع. وحقُ وراثة الأرض كان عادة اجتماعيَّة قديمة سادت بين القبائل الجرمانيَّة مُنذُ ما قبل استقرارها وتحضُّرها، فكان زعيمُ العشيرة يُوزِّع الجياد والرِّماح على رفاق السِّلاح قبل أي غزوة، وكان منحُ مثل هذه الأشياء يتم دون تحفُّظ، وكان من يتلقَّاها يحتفظ بها طالما كانت صالحة لِلاستعمال حتَّى ولو ترك خدمة زعيمه. وكان من حق المُحارب أن يُوصي بها عند وفاته لِأيِّ شخصٍ يشاء، ولم يكن هُناك ضررٌ من ذلك لِأنَّ مثل هذه الأشياء يُمكن تعويضها في عمليَّات غزوٍ جديدة. ولكنَّ المُشكلة كانت أنَّ رئيس العشيرة كان يمنح بعض الأراضي بعد الغزو، وليس من السهل تعويض الأرض بِقدر تعويض السلاح، وهُنا أدرك المُلوك ضرورة تحديد وتقييد هباتهم من الأراضي، ومن هذه القُيُود ولاءُ من يحصل على المنحة وأن تكون المنحة طوال حياته فقط ولا تُورَّث من بعده. وكان من الطبيعي أن يميل النُبلاء إلى التخلُّص من شرط الولاء وعدم التقيُّد بِالمُدَّة وأن يكون من حقِّهم توريث الأرض لِأولادهم. ولمَّا ضعُفت سُلطة العرش الإفرنجي نجحوا بِذلك، على أنَّ بعض المُلُوك الأقوياء أو مُحافظي القصر الذين لاحظوا العجز الناشئ في إيرادات الأراضي نتيجة تملُّص النُبلاء من ولائهم لِلعرش فرضوا بعض الضرائب على النُبلاء لِتعويض هذا العجز، فتمرَّد عليهم هؤلاء، ممَّا ولَّد صراعٌ اجتماعيٌّ دائم بين الحُكَّام وطبقة النُبلاء تمثَّل بِرغبة الأخيرين في تأمين مركزٍ دائمٍ لِأنفُسهم ولِأُسرهم من بعدهم، وبِضرورة تحقيق الحُكومة مُتطلبات المملكة النامية. أمَّا على صعيد طبقة الفلَّاحين والمُزارعين، فإنَّ الوثائق والمخطوطات بِالكاد تذكر عنها شيءًا قبل القرن التَّاسع الميلاديّ، وجلَّ ما هو معروف عن هذه الطبقة في العُصُور الوُسطى المُبكرة يتأتَّى من الاكتشافات الأثريَّة. ويبدو من خِلال التدقيق في تلك الاكتشافات، ومُطالعة الوثائق القليلة المُتبعثرة، أنَّ هذه الطبقة كان منها من يخضع بِالكامل لِسُلطة النُبلاء الإقطاعيين، وأنَّ بعضها الآخر كان عبارة عن مُجتمعاتٍ مُصغرة ذاتيَّة الحُكم إلى حدٍ كبير. وقد تجمَّع الفلَّاحون في قُرى أو بلدات صغيرة شُيِّدت مُنذُ العصر الروماني ثُمَّ تراجع شأنها بعد انهيار الإمبراطوريَّة، وكان مُعظم تلك التجمُّعات مُحصنًا يتمحور حول سوقٍ محليَّة أو كنيسةٍ كُبرى. وعرفت الزراعة بعض التحسُّن والتطوُّر عن العصر الروماني، فاستعمل الفلَّاحون أنواعًا أكثر تقدُمًا من المحارث، واعتمدوا أُسلوب تناوُب المحاصيل لِمُدَّة ثلاث سنوات.

الأوضاع الاقتصاديَّة

كان المُجتمع الإفرنجي يعتمدُ على الاقتصاد الزراعي، ومن أهم خصائص ذلك الاقتصاد: الضيعة، التي تكفي نفسها بنفسها من المنتوجات الزراعيَّة والمصنوعات المحليَّة. أمَّا الصناعة فكانت مراكزها الأساسيَّة في الأديرة التي اشتهرت بِإنتاج أفضل المصنوعات المعدنيَّة والجلديَّة والخشبيَّة وغيرها، كما انتشرت الصناعة في الضياع والقُرى. وفي ظل اقتصاد يعتمد على الضيعة، تعذر تلمُّس آثار الحياة المدينيَّة، فكانت «المُدن» عبارة عن بلداتٍ وحُصُون أكثر منها مُدنًا فعليَّة. أمَّا التجارة فإنها كانت محصورة وضيِّقة ومحليَّة، وذلك لِأنَّ الفُتُوحات الإسلاميَّة في شمال أفريقيا وما رافقها من أعمالٍ عسكريَّةٍ، حالت دون تدفُّق البضائع الأفريقيَّة نحو أوروپَّا الغربيَّة، كما فقد الروم البيزنطيُّون قسمًا كبيرًا من طُرق تواصُلهم وتجاراتهم مع أوروپَّا الغربيَّة نتيجة الفُتُوحات، فأصبحوا مُضطرين لِلإتجار مع تلك البلاد عن طريق البر، ممَّا زاد من تكلفة النقل والمخاطر، ورفع أسعار البضائع الشرقيَّة في الغرب، ولمَّا كان الفقر مُنتشرًا في أواسط العامَّة من الأوروپيين، لم يُقبل أحد تقريبًا على اقتناء تلك المُنتجات، واستعاضوا عنها بِالمُنتجات المحليَّة، وأغلبُها كان بسيطًا. حافظت المناطق الإفرنجيَّة الجنوبيَّة المُطلَّة على البحر المُتوسِّط على صناعة الفخَّار ويبدو أنَّ تجارة البضائع الفخَّاريَّة كانت رائجة وشائعة في تلك الفترة بِجنوب الغال، وكان هُناك شبكات تجارة بها مُتوسطة في تلك الأنحاء، على أنَّ قسمًا منها كان مُخصصًا لِلاستهلاك المحلّي فقط. أمَّا العُملة السائدة آنذاك فكانت عِبارة عن شكلٍ مُعدَّل من الدينار الروماني، وكان يُسكُّ من الذهب حتَّى أواخر القرن السَّابع الميلاديّ، عندما أصبح يُسكُّ من الفضَّة.

الأوضاع الدينيَّة

كانت المسيحيَّة واسعة الانتشار بين صُفُوف الفرنجة بدايةً من سنة 496م تقريبًا، عندما اعتنق الملك كلوڤيس - المذكور سلفًا - وأكثر من ثلاثة آلاف من رجاله المسيحيَّة على المذهب الخلقيدوني. وتُفيدُ رواية المُؤرِّخ الغالي الروماني جرجير الطُرشي (بِالفرنسيَّة: Grégoire de Tours؛ بِاللاتينيَّة: Gregorius Turonensis) في كتابه المُعنون «تاريخ الفرنجة» (بالفرنسية: Histoire des Franks)‏ أنَّ كلوڤيس تعرَّف على المسيحيَّة من خلال زوجته «كلوتلدا» التي وُلدت على هذا الدين، ولمَّا نشبت الحرب بين الإفرنج والآلمان، واشتبك كلوڤيس ورجاله مع الأعداء في معركةٍ طاحنةٍ كادت أن تُهزم فيها القُوَّاتُ الإفرنجيَّة، رفع كلوڤيس عينه لِلسماء وهو يبكي وقال كما لو كان يُخاطبُ السيِّدُ المسيح: «أَنتَ الَذِي عَانَيتَ لِتُقَدِّمَ المُسَاعَدَةَ لِلمُحتَاجِين والنَّصرُ لِمَن يَثِقُونَ فِيكَ، أَسأَلُكَ المَجدَ بِمُسَاعَدَتِك، وَإِذَا أَعطَيتَنِي النَّصرَ عَلَى أَعدَائِي... فَإِنَّنِي أُصَدِّقُك وَسِأُعَمَّدُ بِاسمِكَ وَأَتَخَلَّى عَن آلِهَتِي... إِنِّي أُنَادِيكَ وَأُرِيدُ أَن أُؤمِنَ بِكَ فَنَجِّني مِن أًعدَائِي أَوَّلًا...». ويُضيف جرجير المذكور أنَّهُ عندما نطق كلوڤيس بِهذه الكلمات استدار الآلمان وبدأوا في الفرار بعدما لقى ملكهم مصرعه، فخضع جُنُودهم لِلإفرنج وتوسَّلوا لِكلوڤيس كي يُوقف المذبحة، وأعلنوا استعدادهم لِلدُخُول في طاعته، فوافق كلوڤيس وتوقفت الحرب، وعاد إلى منزله حيثُ عُمِّد بعد أيَّامٍ مع رجاله. مهَّد اعتناق كلوڤيس لِلمسيحيَّة على المذهب الخلقيدوني إلى التحالف والتقارب الذي قام بين الفرنجة والبابويَّة في الفترة التالية من حُكم الفرنجة. ولمَّا تقرَّب الفرنجة من البابويَّة، وقع الخِلافُ الدينيّ بينهم وبين الطوائف المسيحيَّة الأُخرى المُناوئة لِلخلقيدونيَّة، وأبرزُها الآريوسيَّة. فقد كان المذهب الآريوسي واسع الانتشار بين عامَّة الشعب من العناصر الجرمانيَّة الأُخرى في الغال، ومنها البُورغنديُّون والقُوط الغربيُّون، فقاتلهم الإفرنج بِقيادة كلوڤيس، فهُزم البُورغنديين واعتنق ملكهم گُندوباد المذهب الخلقيدوني، ثُمَّ طرد القوط الغربيين من الغال، لِيُصفِّي ما بقي في البلاد من الأملاك غير الإفرنجيَّة ويُطهرها من المذاهب اللاخلقيدونيَّة. توطَّدت علاقة الإفرنج بِالبابويَّة في عهد البابا جرجير الثالث (731 - 741م)، عندما اتفق الأخير مع قارلة مارتل على التعاون، على أن يغزو أحدهما بِالسيف والآخر بِالصليب. فخرج المُبشرون تحت رعاية المملكة الإفرنجيَّة لِتنصير الوثنيين في جرمانية، ونقل البابا إلى قارلة مفاتيح قبر القديس بُطرُس مع هدايا أُخرى، وطلب منهُ القُدوم إلى إيطاليا وتخليصها من يد اللومبارديين الذين باتوا يُهددون روما تهديدًا خطيرًا، على أنَّ قارلة لم يكن لديه الوقت الكافي لِإنجاز هذه الحملة، بسبب صراعه مع المُسلمين.

إلى جانب المسيحيَّة، كان هُناك فئة صغيرة من اليهود تعيشُ في بعض المُدن الغاليَّة والإفرنجيَّة مُنذُ العصر الروماني بِحسب الظاهر، ولعلَّهم تواجدوا في الغال بِصفةٍ رسميَّة مُنذُ عهد الإمبراطور كاراكلَّا الذي منح أحرارهم الجنسيَّة الرومانيَّة، كما فعل مع جميع الفئات المُكوِّنة لِلمُجتمع الروماني. عاش اليهود بطمأنينة إلى جانب النصارى في الغال، وتشارك الطرفان بِبعض الأعياد والمُناسبات، غير أنَّ أوضاع اليهود ما لبثت أن أخذت تتدهور بعد انعقاد مجمع أُرليانش (أورليان) سنة 539م، عندما حذَّر رجال الدين المسيحيُّون رعاياهم من الانجرار وراء المُعتقدات والأفكار اليهوديَّة أو التأثُّر بهم كي لا يُفسدون عليهم دينهم، كما أصدر المجمع قرارًا يمنع اليهود من التجوُّل في الشوارع يوم الأحد، ومن التزيُّن كذلك وحتَّى من تزيين بُيُوتهم في ذلك اليوم، كما هُدم الكنيس اليهودي في بريش (باريس) وأُقيمت مكانه كنيسة. وفي سنة 629م فرض الملك داگوبرت تعميد جميع اليهود في بلاده تحت طائلة الطرد والترحيل، ويبدو أنَّهُ نفَّذ وعيده إذ أنَّ الوثائق لا تُشير إلى أيِّ تواجُدٍ يهوديٍّ في البلاد في زمانه، على أنَّ إقليم سپتمانية الذي كان خاضعًا لِلمملكة القوطيَّة الغربيَّة بقي معقلًا من معاقل اليهود، فعاشوا في مدينة أربونة وعملوا بِالتجارة، رُغم تعرُّضهم لِلمُضايقات من المُلُوك القوط أيضًا، ممَّا جعلهم يثُورون عليهم عدَّة مرَّات. وكان ممَّا زاد البغضاء والكراهيَّة تجاه اليهود أنَّ طائفة الرذنيَّة منهم (أو الرادانيُّون، تيمُنًا بِنهر الرون المُسمَّى «روادنوس» بِاللاتينيَّة حيثُ كانت مراكز اليهود) احتكروا تجارة الذهب والحرير والبردي والفلفل الأسود والبُخُور مع ديار الإسلام، فكانوا وحدهم من يصلون الشرق بِالغرب، واضطرَّ عامَّة الشعب إلى اللُجوء إليهم لِلحُصُول على بعض البضائع، كما اضطرَّت الكنائس إلى اللُجوء إليهم لِلحُصُول على البُخُور، حتَّى أنَّ لفظ «يهودي» (باللاتينية: Judalus) و«تاجر» (باللاتينية: Mercator) كانا مُترادفين إذ ذاك.

الأوضاع العسكريَّة

تُشيرُ الدلائل والمُكتشفات إلى أنَّ الجُيُوش الإفرنجيَّة كانت تعتمد أساليب وتقنيَّات الحصار والتطويق المُتوارثة عن الرومان في معاركها وحُروبها، إلى جانب اعتمادها على سلاح المُشاة والفُرسان. وكان يُعتقدُ بِأنَّ الإفرنج كانوا يعتمدون على الخيَّآلة الثقيلة المُدججة بِالدُروع لِاقتحام صُفوف أعدائهم وكسر خُطُوط دفاعهم، وأنَّ هذا الأُسلوب اتبعه قارلة في حربه مع المُسلمين، غير أنَّ المُؤرخين المُعاصرين يتفقون على أنَّ الركَّاب الذي يُربطُ بِالسرج، ويسمح لِلفارس أن يثبُت على صهوة جواده أثناء إمساكه بِرمحه الخشبيّ الثقيل، لم يعرفه الإفرنج إلَّا عند نهاية القرن الثامن الميلاديّ، ولعلَّهم أخذوه عن المُسلمين، وبالتالي فإنَّ الخيَّآلة الثقيلة لم يكن لها وُجودٌ آنذاك. وكان لدى المُلُوك والنُبلاء والأُمراء الإفرنج حاشيةٌ من الجُنُود شكَّلت أساس الجُيُوش الإفرنجيَّة على الدوام، وقد أطلق المُؤرخون على هذه الفئة من الجُند تسمية «الإقطاعة» (باللاتينية: Comitatus) بدايةً من القرن التاسع عشر الميلاديّ أُسوةً بِالمُؤرِّخ الروماني تاسيتس الذي استعمل ذات التسمية في مُؤلَّفاته العائدة إلى القرن الثاني الميلادي. كانت هذه الحاشية تتكوَّن من جماعةٍ من الشباب الأصحَّاء الأقوياء الذين يُقسمون يمين الولاء والطاعة لِسيِّدهم أو ملكهم مدى الحياة، فيحلفون أن لا يتخلُّون عنه ويُعاهدونه على القتال حتَّى النصر أو الموت، سواء نجا سيِّدهم من المعركة أو قُتل فيها.

دوافع فتح الغال والتمهيدات

  • طالع أيضًا: الفتحُ الإسلاميُّ لِلأندلُس

أتمَّ المُسلمون بِقيادة مُوسى بن نُصير وطارق بن زياد افتتاح أغلب شبه الجزيرة الأيبيريَّة سنة 95هـ المُوافقة لِسنة 714م، ثُمَّ أوقفت الأعمال العسكريَّة بِأمرٍ من الخليفة الوليد بن عبد الملك وعاد قائدا الفتح سالِفا الذِكر إلى دمشق لِأسبابٍ اختلف المُؤرخون على تحديدها. وقبل أن يُغادر مُوسى بن نُصير عيَّن ابنه عبد العزيز واليًا على الأندلُس طيلة مُدَّة غيابه، وأمرهُ بِمُتابعة الجهاد لِتوطيد الفتح، وترك معهُ جيشًا ونفرًا من أنجاد المُسلمين ووُجوههم منهم حبيب بن أبي عُبيدة الفهري حفيد عقبة بن نافع. لم يمكث عبد العزيز بن مُوسى طويلًا في إشبيلية، إذ أنَّ مُقتضيات الفُتُوح أجبرته على الخُرُوج لِفتح أقاليم غربيّ الأندلُس والمناطق الواقعة في شرقيّ البلاد وشمالها. فخرج على رأس جيشٍ يُرافقه دليلٌ من رجال يُليان باتجاه الأقاليم الغربيَّة، ففتح يابرة الواقعة بِالقُرب من لشبونة، وشنترين الواقعة على نهر تاجة، وقُلمريَّة قُرب ساحل المُحيط الأطلسي، وأستورقة المُجاورة لِجُليقية، وتوقَّف عند حُدود هذه المُقاطعة الجبليَّة لِينعطف نحو الجنوب حيثُ لا زالت بعض المواقع الهامَّة خارج نطاق السيطرة الإسلاميَّة، ففتح مُدن ريَّة ومالقة وغيرها من القُرى التابعة لها، وسيطر على كامل مُقاطعة ريَّة، وفرَّ مُعظم المُدافعين القوط والإفرنج إلى الجبال للاحتماء بها. وأخضح إلبيرة، وترك فيها حاميةً عسكريَّةً مُشتركةً من المُسلمين واليهود الذين كانوا مُتواجدين فيها، ثُمَّ توجَّه نحو مرسية في الشرق ووطَّد الحُكم الإسلامي فيها وأخضعها رسميًّا لِلإدارة الأُمويَّة. ثُمَّ عمل عبد العزيز بوصيَّة أبيه، فأرسل الغزوات إلى طرَّكونة وجرونة على الشاطئ الشمالي الشرقي، وإلى بنبلونة في الشمال الشرقي، وإلى أربونة على خليج ليون من ساحل إفرنجية الجنوبي. وبِذلك استُكملت عمليَّاتُ الفُتُوح في عهد عبدُ العزيز بن موسى، ولم يبقَ خارج نطاق السيطرة الإسلاميَّة سوى بضعة جُيُوب، وطُويت صفحة العهد القوطي نهائيًّا في البلاد، وافتُتحت صفحة العهد الإسلامي فيها.

قضت سياسة المُسلمين، بعد أن فتحوا شبه جزيرة أيبيريا ووصلوا إلى سُفُوح جبال البرتات، بِعُبُور هذه الجبال الفاصلة بين الأندلُس والمملكة الإفرنجيَّة في غالة وغزو المناطق الجنوبيَّة لِهذه المملكة، بِهدف حماية مُكتسباتهم في الجنوب. ذلك أنَّ بعض بقايا القوط تمركزت في مُقاطعة سپتمانية الواقعة في جنوبي غالة، وهي على وشك التنسيق مع القوط في أقصى شمال غربيّ الأندلُس، على الجانب الآخر من الجبال، لِطرد المُسلمين من البلاد، فكان إخضاعُ هذا الإقليم وسُكَّانه من القوط لِسُلطان المُسلمين ضرورة عسكريَّة. والمعروف أنَّ إقليم سپتمانية ظلَّ بعيدًا عن سيطرة الفرنجة مُنذُ أيَّام كلوڤيس، مُؤسس المملكة الإفرنجيَّة كما أُسلف، الذي فشل في ضمِّه إلى أراضي مملكته، ثُمَّ جاءت أحداث انقسام الأُسرة الميروڤنجيَّة الحاكمة بِسبب ما جرى من اقتسام المملكة بين ورثته، الأمر الذي أدَّى إلى استمرار ابتعاد الإفرنج عن الإقليم، وترك القوط ينعمون بِالسيطرة عليه، وظلَّ تابعًا لهم حتَّى نُسب إليهم وعُرف باسم «بلاد القوط» (باللاتينية: Gothia أو Marca Gothica). ويُعدُّ حرص المُسلمين على ضمان سلامة مُمتلكاتهم بِفتح مناطق الأطراف المُجاورة تفكيرٌ سليم في حقل السياسة العسكريَّة حيثُ ظلَّ القوط يُشكِّلون خطرًا عليهم ويُهددون مُمتلكاتهم.

أدرك مُوسى بن نُصير من قبل أهميَّة فتح هذا الإقليم لِتأمين الخُطُوط الدفاعيَّة لِلولاية الإسلاميَّة الجديدة من الشرق والشمال، فصمَّم على ضمِّه إلى المُمتلكات الإسلاميَّة، واتخاذه حاجزًا يقي المُسلمين الهجمات من الشمال والشمال الشرقي، غير أنَّ مشروعه لم يتحقق ووقف عند سُفُوح جبال البرتات بِسبب استدعائه إلى دمشق. ويبدو أنَّ الإشارات المُتناثرة الواردة في بُطُون الكُتب التاريخيَّة من أنَّ مُوسى بن نُصير أراد عُبُور جبال البرتات والتوغُّل في عُمق القارَّة الأوروپيَّة وُصوُلًا إلى دمشق عن طريق القُسطنطينيَّة، أمرٌ بعيدُ الاحتمال ويخرج عن نطاق التفكير السليم، غير أنَّهُ يُمكن القول إنَّ الفُتُوح الإسلاميَّة بِعامَّة مُنذُ أن انطلقت في أيَّام أبي بكرٍ الصدِّيق، لا تتوجه إلى ميدانٍ جديدٍ إلَّا بعد أن تدعم قواعدها وتُثبِّت أقدامها في المناطق التي تفتحها، ثُمَّ تجعل منها مناطق صالحة لِلانطلاق واستئناف الجهاد، ولم تشُذ الفُتُوح في الغرب عن هذه القاعدة العامَّة، وهي التقدُّم في خُطى مُتدرِّجة ومُتتابعة وفقًا لِمُقتضيات الظُروف الداخليَّة والخارجيَّة. وكرَّس مُعظم الوُلاة، الذين تعاقبوا على حُكم الأندلُس، وقتهم وجُهدهم في مُتابعة هذه الرسالة على الرُّغم من المُشكلات الداخليَّة التي كانوا يُواجهونها، كما أنَّ قراراتهم بِهذا الشأن لم تتأثَّر بِتوجُّهات سُلطة الخِلافة المركزيَّة في دمشق أو سُلطة الولاية في القيروان، وإنما بِحتميَّات التطوُّر السياسي والعسكري على الأرض وبِالواقع الجديد الذي فرض سياسات توسُّعيَّة يُمكن ألَّا تتفق مع توجُّهات الخليفة الأُموي أو والي إفريقية المُقيم بِالقيروان.

مسير العمليَّات العسكريَّة

فتح سپتمانية

ابتدأت مُحاولات فتح سپتمانية بعد افتتاح مُدن الثغر الأعلى: سرقسطة وطركونة وبرشلونة وغيرها، إذ سار مُوسى بن نُصير شمالًا، فاخترق جبال البرتات، وغزا سپتمانية فاستولى على قرقشونة وأربونة، ثم غزا وادي نهر الرون التابع لسُلطان مملكة الفرنجة حتَّى بلغ مدينة لوطون؛ فتأهَّب الفرنجة، ويُقال وقعت بعض المُناوشات بين المُسلمين والفرنجة على مقربة من أربونة، إلا أنها كانت مجرّد غارات سريعة لم ترق إلى الفتح. ظلَّت الأُمور هادئة، بعد ذلك بعد استدعاء مُوسى بن نُصير إلى دمشق، وتولِّي ابنه عبدُ العزيز ولاية الأندلُس، ثُمَّ الاضطراب الذي شهدته الولاية بمقتل عبد العزيز إلى أن دخلها الحُر بن عبدُ الرحمٰن الثقفي واليًا في نهاية سنة 97هـ المُوافقة لِسنة 716م، حيثُ جدَّد الحُر مُحاولات المُسلمين لِلتوسُّع شرقًا، فعبر جبال البرتات في ربيع سنة 99هـ المُوافقة لِسنة 718م، فافتتح قرقشونة وأربونة وبزبيه ونيمة، وتابع زحفه حتى ضفاف نهر الغارون. ولكنَّهُ اضطرَّ أن يعود أدراجه، بعد أن حدثت قلاقل في منطقة نبرّة الجبليَّة، وفي قُرطُبة. ثم جاءه العزل بعدما تولَّى الخليفة الجديد عُمر بن عبد العزيز الذي عيّن السَّمح بن مالك الخولاني بدلاً منه. والواقع أنَّ النشاط العسكري الإسلامي الجدِّي ابتدأ مع تولِّي السمح بن مالك ولاية الأندلُس في سنة 100هـ المُوافقة لِسنة 719م، وهو العام نفسه الذي تولَّى فيه قارلة بن پپين الثاني منصب مُحافظ القصر في مملكة الفرنجة، ويُعدُّ ذلك حدثًا غير عاديّ في تاريخ العلاقات بين المُسلمين في الأندلُس وبين مملكة الفرنجة، من واقع أنَّ هذه الأخيرة لم تستطع أن تتصدَّى لِفُتُوح المُسلمين في شبه الجزيرة الأيبيريَّة قبل مجيء پپين وابنه قارلة.

كان السمح بن مالك قائدًا شُجاعًا، قويُّ الإيمان، راسخُ العقيدة، حوَّل الحماس في نُفُوس الجُند إلى جهاد، ولم يتردَّد، بعد استلام مُهمَّاته، في المضيّ بِأوَّل حملة عسكريَّة ذات طابع توسُّعي إلى ما وراء جبال البرتات، مُدركًا أهميَّة مُقاطعة سپتمانية، التي كانت جُزءًا من المملكة القوطيَّة الغربيَّة التي قضى عليها المُسلمون، وخُطورة بقاء القوط فيها. كانت سپتمانية مُقاطعة ساحليَّة تمتد من جبال البرتات على امتداد ساحل الغال المُطل على البحر المُتوسِّط، وتتصل بالريڤييرا الإيطاليَّة في الزمن المُعاصر، واشتملت على سبعة أقسام إداريَّة الأمر الذي جعلها تُعرف بِسپتمانية (باللاتينية: Septimania)، أي «مُقاطعة الجهات السبع» أو «المعاقل السبعة»، وعاصمتها مدينة أربونة المُهمَّة، ذات الموقع الإستراتيجي الفريد على ساحل البحر المُتوسِّط. استهلَّ السمح بن مالك استعداداته العسكريَّة بِأن اتخذ من مدينة برشلونة القطلونيَّة قاعدةً لِلانطلاق والغزو، ثُمَّ عبر جبال البرتات من ناحية روسيون، فألفى نفسه في مُقاطعة سپتمانية، وزحف باتجاه العاصمة أربونة التي اختارها لِتكون أوَّل فُتُوحه لِعدَّة أسباب، لعلَّ أهمها:

  • قُرب المدينة من البحر، وتُؤمِّن السيطرة عليها لِلمُسلمين قاعدةً بحريَّةً تتلقَّى الإمدادات عن طريق البحر بدلًا من اجتياز جبال البرتات المليئة بِالشعاب والمخاطر.
  • تُعدُّ المدينة مركزًا هامًّا وحيويًّا، تنطلق منها العمليَّات العسكريَّة نحو بورغندية وأقطانية.
  • يتيحُ فتح المدينة نشر الإسلام في كافَّة أرجاء جنوب الغال.
  • إنَّ مُناخ المدينة يُناسب مزاج المُسلمين حيثُ يُشبه مناخ مُدن شمالي أفريقيا والأندلُس.

حاصر السمح بن مالك مدينة أربونة مُدَّة ثمانية وعشرين يومًا حتَّى سقطت في يده، فدخلها وحصَّنها وشحنها بِالحاميات وجعلها قاعدةً لِفتح سائر مُقاطعة سپتمانية. وفعلًا فتح المُسلمون مُدن هذه المُقاطعة، كان من بينها مدينة قرقشونة، وتصدَّى السمح لِكُلِّ قوَّةٍ حاولت مُقاومته، ثُمَّ عمد إلى تنظيم شُؤون المُدن المفتوحة وفقًا لِلمبادئ الإسلاميَّة، فأعاد ترتيب شُؤون الإدارة العامَّة بِشكلٍ عادل، وترك الأهالي النصارى يختارون بين الإسلام وبين البقاء على المسيحيَّة، وأعطاهم عهد الأمان على أنفُسهم وأملاكهم ونسائهم وأولادهم وأموالهم ودُور عبادتهم، وترك لهم حُريَّة الاحتكام إلى رجال الدين المسيحيين في المُشكلات التي تنشب بينهم، فكفلت هذه السياسة السمحة المحبَّة والتقدير لِلسمح ومن معهُ من المُسلمين من جانب السُكَّان الذين كان الفرنجة يُعاملونهم مُعاملةُ قاسية مليئة بِالتعالي على الرُغم من انتمائهم الديني المُشترك، الأمر الذي جعلهم مكروهين في تلك البقاع الجنوبيَّة.

غزوات أقطانية ومعركة طولوشة

  • طالع أيضًا: معركة طولوشة

واصل السمح بن مالك توغُّله في جنوبيّ الغال باتجاه الشمال الغربي، حيثُ نهرُ الغارون حتَّى وصل إلى مدينة طولوشة (تولوز) عاصمة مُقاطعة أقطانية، وحطَّم أثناء زحفه المُقاومة التي اعترضته من جانب البشكنس والغسكونيين، سُكَّان هذه الأنحاء. كانت مُقاطعة أقطانية تحت حُكم الدوق أودو الكبير، الذي استقلَّ بها أثناء مرحلة النزاع الميروڤنجي الداخلي في عهد أحفاد كلوڤيس. وكان أودو المذكور ينتمي إلى السُلالة الميروڤنجيَّة، ومن أجل ذلك كان يحقد على قارلة مارتل مُحافظ القصر لاستئثاره بِالسُلطة من دون أقربائه الشرعيين، وكان قد سبق واصطدم به قبل ذلك، لِذا عمل، بعد انفصاله عن السُلطة المركزيَّة في المملكة الإفرنجيَّة، على توسيع رقعة أراضيه في جنوبي بلاد الغال على حساب أُمرائها الإقطاعيين المُنهمكين في التنازع على الأراضي والامتيازات، وساندهُ القوط والبشكنس. وكان أودو يُراقب عن كثب تطوُّر الأوضاع السياسيَّة في مُقاطعة سپتمانية تمهيدًا لِلانقضاض عليها وضمِّها إلى أملاكه، وذلك بِهدف الاستفادة من مواردها وتقوية مركزه، لِمُواجهة قارلة وانتزاع مُلك الإفرنج منه، وكان هذا قد بدأ بِدوره يُخطط لِلاستيلاء على هذه المُقاطعة وما يُجاورها من بلاد، وقد أزعجهُ فتح المُسلمين لها، لِذلك نهض لاستعادتها منهم. كما يبدو أنَّ النشاط الإسلامي روَّع أهل أقطانية، فكان هذا دافعٌ آخر استغلَّهُ الدوق أودو لِإعلان الحرب على المُسلمين. وسُرعان من استرعت استعدادت الدوق أودو انتباه السمح بن مالك، فأسرع بِالزحف نحو العاصمة طولوشة لِفتحها قبل وُصُول الدوق إليها. ضرب المُسلمون الحصار على المدينة وبدأوا في استخدام آلات الحرب التي أحضروها معهم، وبِواسطة مراجمهم أخذوا يدفعون بِالجُنُود الإفرنج الذين كانوا فوق التحصينات إلى الداخل، فكانت المدينة على وشك السُقُوط في أيديهم حينما وصل أودو إلى ظاهرها.

أشارت بعض المصادر التاريخيَّة إلى أنَّ الجيش الإفرنجي كان كبيرًا لِدرجة أنَّ الغُبار الذي كان يتصاعد تحت أقدام الجُنُود كان من الكثافة بِحيثُ غطَّى ضوء النهار عن أعيُن المُسلمين، فاضطربوا لِذلك، لكنَّ السمح جعل يسيرُ بين صُفوف الجُند يحُثهم فيها على الثبات عند اللقاء ويقرأ عليهم الآية المائة والستين من سُورة آل عمران: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾، وانقضَّ الجيشان على بعضهما «كالسيل العارم النَّازل من جبل»، وفق الوصف الوارد في بعض المصادر الإسلاميَّة، ودارت بين الطرفين معركة كبيرة حامية الوطيس يوم 9 ذي الحجة 102هـ المُوافق فيه 9 حُزيران (يونيو) 721م، أظهر فيها السمح شجاعة نادرة، فكان يظهر في كُلِّ مكانٍ من ميدان القتال يُنظِّمُ الصُفُوف ويبُثُّ الحماس في نُفُوس الجُند، ويقولون إنَّ الجُنُود كانوا يتعرَّفون على الممر الذي سلك بِأثر الدماء التي تجري فيه والتي تركها سيفه. ولكنَّهُ بينما كان يُقاتلُ في قلب المعركة أصابه رمح وأسقطه عن فرسه، ولم يكن من السهل تفادي تلك الخسارة نظرًا لاختلال التوازن العسكري بين القُوَّتين، كما أنَّ مقتله قضى نهائيَّا على معنويَّات المُقاتلين، فتخاذلوا وتبعثرت صُفُوفهم، واختاروا أحد كِبار الجُند، وهو عبدُ الرحمٰن الغافقي، لِتولِّي القيادة العامَّة، وكان نائب السمح بن مالك. لم يستطع الغافقي أن يفعل شيءًا سوى تنظيم عمليَّة الانسحاب وإنقاذ من تبقَّى من الجُند والعودة إلى أربونة. خسر المُسلمون جرَّاء هذه الهزيمة بعض المُدن وأبرزها قرقشونة، كما سقط في هذه المعركة كثيرٌ من أعلام المُسلمين، وبعضهم ممن شاركوا في الفُتُوحات السَّابقة. طبعت معركة طولوشة هذه المرحلة من التوسُّع الإسلامي في الغال بِطابعٍ جهاديّ خاص وسُميت بِـ«سنوات المد الإسلامي باتجاه أوروپَّا»، وشكَّل مقتل السمح بن مالك نُقطة ارتكاز وانتشار في تلك المُقاطعات في ذلك الوقت، وبناء إدارة إسلاميَّة فيها.

التوغُّل الإسلامي في عُمق إفرنجية

وُلِّي عبدُ الرحمٰن الغافقي إدارة شُؤون الأندلُس مُؤقتًا ريثما يتولَّاها شخصٌ آخر، فتولَّى تصريف أُمورها شُهورًا قليلة، ثُمَّ عيَّن بشر بن صفوان الكلبي، والي إفريقية والمسؤول إداريًّا عن الأندلُس، قريبه عنبسة بن سُحيم واليًا عليها خلفًا لِلسمح بن مالك، فقدِم إلى قُرطُبة في شهر صفر سنة 103هـ المُوافق فيه شهر آب (أغسطس) سنة 721م لِيتسلَّم مهام منصبه من عبد الرحمٰن الغافقي. وبعد أن قضى مُدَّة أربع سنوات في تنظيم شُؤون الولاية وحل المُشكلات الداخليَّة؛ استأنف النشاط الجهادي فيما وراء جبال البرتات في أراضي الغال في سنة 105هـ المُوافقة لِسنة 723م، وقد هدف إلى إزالة الأثر السيء الذي ترتَّب على هزيمة السمح بن مالك والانتقام لِمقتله، واستعادة ما خسره المُسلمُون من أراضٍ في مُقاطعة سپتمانية وتعزيز التواجد الإسلامي فيها، ثُمَّ الانطلاق من تلك المُقاطعة لِغزو عُمق بلاد الفرنجة. وفي سنة 105هـ المُوافقة لِسنة 724م، سار الوالي الجديد بِالجيش شمالًا عابرًا جبال البرتات مرَّة أُخرى، فاستعاد بعض مُدن سپتمانية التي فقدها المُسلمون بعد هزيمة طولوشة، مثل قرقشونة التي حاصرها وشدَّد عليها الحصار حتَّى نزل المُدافعون عن البلد على شُرُوطه، فنزلوا لهُ عن المدينة ونصف الإقليم المُحيط بها وتعهَّدوا بِرد أسرى المُسلمين الذين كانوا في الحصن وبِأن يدفعوا الجزية إذا اختاروا البقاء على دينهم، وأن يشتركوا مع المُسلمين في حرب أعدائهم جنبًا إلى جنب وأن يُقدموا لهم فرقة عسكريَّة تُساندهم. يُضيفُ صاحب «مُدوَّنة مواسياك» أنَّ عنبسة استولى بعد ذلك على نيمة وأخذ من أهلها رهائن بعثهم إلى برشلونة، لِيكونوا ضمانًا على ولاء سُكَّانها. ويتحدث مُؤرخون إفرنج عاصروا هذه الأحداث عن تخريب أديرة «جوسل» (بالفرنسية: Jaucels)‏ على مقرُبة من بزبيه، و«سان بوزيل» (بالفرنسية: St. Bausile)‏ قريبًا من نيمة، وكذلك ديرٌ يقع في «سان جيل» (بالفرنسية: Saint-Gilles)‏ قُرب آرل، حيثُ بُنيت فيما بعد مدينة تحملُ نفس الاسم، وديرٌ في منطقة «إيگمورت» (بالفرنسية: Aiguesmortes)‏. ويقول هؤلاء المُؤرخين أنَّ وُصُول المُسلمين إلى هذه الأديرة كان مُفاجأةً كبيرة، فلم يكد الرُهبان يجدون الوقت لِلخُرُوج بما فيها من الآثار والتُحف الدينيَّة، وكذلك استطاعوا تحطيم أجراس الكنائس خوفًا من أن يحملها المُسلمون معهم، وتنصُّ تلك المصادر الإفرنجيَّة أيضًا على أنَّ المُسلمين وجدوا من السُكَّان بعض المُقاومة، ولكنهم لم يستعملوا العُنف في البُلدان التي أعلنت خُضُوعها من تلقاء نفسها. تابع عنبسة بن سُحيم زحفه على رأس جيش المُسلمين، ففتح ما بين المُدن سالِفة الذِكر من القواعد، ثُمَّ تابع زحفه شمالًا في وادي الرون، مُهاجمًا بورغندية حتَّى وصل إلى مدينة أوتن، فغزاها وخرَّبها وغنم منها غنائم وافرة. عند هذه المرحلة، لجأ أودو دوق أقطانية إلى مُفاوضة المُسلمين ومُهادنتهم بعد أن رأى تصميمهم على فتح كامل البلاد، وحتَّى لا يقع بين فكَّي كمَّاشة المُسلمين من جهة، وقارلة مارتل من جهةٍ أُخرى.

أتاح رُكُون أودو إلى الهُدوء أن يُتابع المُسلمون تحرُّكهم باتجاه وادي الرون، فتقدَّم عنبسة بن سُحيم مع امتداد مجرى النهر صُعُودًا، ويبدو أنَّهُ وجد الطريق أمامه خالية، فسار مُسرعًا، دون أن يلقى مُقاومة، وصعد مع النهر حتَّى أدرك نهر الساءون، وفتح في دربه مدائن كثيرة هي - بِحسب بعض المُؤرخين - أوزه وڤيين، وجاس في جهات مُقاطعة پروڤانس، وأشرف على مدينة لوطون (ليون) عاصمة بورغندية، وهُناك تفرَّع الجيشُ الإسلامي إلى قسمين: القسمُ الأوَّل فتح مدائن ماسون وشالون وديجون وبيز ولانگر، والقسم الثاني اتجه صوب أوتن مرَّة أُخرى. وتوغَّل المُسلمون بعيدًا إلى مدينة صانص على بُعد مائة وعُشرون كيلومترًا جنوبي بريش (باريس) ففتحوها، ثُمَّ تابعوا زحفهم حتَّى أصبحوا على بُعد ثلاثين كيلومترًا من بريش، حيثُ انتهت غاراتهم واسعة المدى. ويبدو أنَّ المُقاومة التي لقاها المُسلمين، بِقيادة «إيبون» أُسقف صانص، أجبرت عنبسة بن سُحيم على التوقُف والعودة إلى الجنوب. عاد عنبسة بمن معهُ من الجُند مُحملين بِالغنائم بعد أن وصلوا إلى قلب الغال، وغزوا حوض الرون كُلِّه وتخطوا نهر اللوار وأصبحوا على مسافة قصيرة من السين نفسه، وتركوا قلب بلاد الفرنجة دون أن يستقرُّوا فيها. وعلى الرُغم من جُرأة المُحاولة التي قام بها عنبسة بن سُحيم ووُصوله إلى أبعد مسافة وصل إليها قائدٌ مُسلم من قبل في قلب أوروپَّا؛ فإنَّ أعماله العسكريَّة هذه كانت أقرب إلى المُحاولة منها إلى الفتح المُنظَّم والاستقرار، فلم يكن هُناك أيَّة إجراءات خاصَّة توحي بِذلك، حيثُ كان يفتح المُدن ثُمَّ لا يلبث أن يُغادرها من دون أن وضع حامية عسكريَّة فيها أو ترتيب يُشير إلى هدف المُسلمين الاستقراري في هذه المدينة أو تلك. والواقع أنَّ المُسلمين لم يُحاولوا الاستقرار خارج نطاق مُقاطعة سپتمانية، كما تجنَّبوا الاصطدام بِالفرنجة في هذه المرحلة، ويبدو أنَّ الهدف الحقيقي لِهذه الغارات يكمن في: إخضاع ما تبقَّى لِلقوط من نُفُوذ، وتعزيز الحُضُور الإسلامي في سپتمانية وحماية مُكتسبات المُسلمين فيها من واقع درس البيئة الجديدة التي أضحت تُجاور مُمتلكاتهم، أي أنها كانت غزواتٌ تمهيديَّة تهدف إلى اكتشاف النقاط الضعيفة في تحصينات العدو. كما يبدو أنَّ عنبسة بن سُحيم أراد إشعار جيران المُسلمين الجُدد بِقُوَّة الدولة الإسلاميَّة، والقضاء على الشائعات التي راجت عن قُوَّة المُسلمين في جنوبي بلاد الغال بعد مقتل السمح بن مالك. ويبدو أنَّ عنبسة بالغ في اطمئنانه لِلفرنجة ولِأودو، ذلك أنَّهُ، حين انتهى من غاراته واسعة المدى وغادر سپتمانية في طريق عودته إلى قُرطُبة، داهمتهُ جُمُوعٌ كبيرة من الفرنجة وأوقعتهُ في كمين. ودار قتالٌ بين الطرفين أُصيب عنبسة خِلالهُ بِجراحٍ بالغة توفي على أثرها في شهر شعبان سنة 107هـ المُوافق فيه شهر كانون الأوَّل (ديسمبر) سنة 725م، قبل أن يدخل الأندلُس، وتولَّى عذرة بن عبدُ الله الفهري، وهو أحد قادة الجيش، تصريف شُؤون الجُند حتَّى عاد بهم إلى قُرطُبة.

ثورة منوسة وغزوات ما بعد عنبسة

بوفاة عنبسة، شهدت الأندلُس اضطرابات جديدة نتج عنها توالي عدد من الوُلاة في فترة زمنية قصيرة، بالإضافة إلى تمرُّد بعض حُكَّام المناطق وأبرزهم الزعيم البربري منوسة حاكم شرطانية الذي تحالف وتصاهر مع أودو دوق أقطانية، فتزوَّج ابنته «لامبيجيا». واحتمى الدوق بِهذه المُصاهرة من بطش المُسلمين بِدليل أنَّ عنبسة بن سُحيم عدل، أثناء توغله في عُمق الأراضي الإفرنجيَّة، عن اجتياح مُقاطعة أقطانية وذلك تحت تأثير منوسة كما يبدو. ومنوسة هذا - بحسب رواية إيزيدور الباجي - كان وُلِّي أُمور شرطانية بُعيد فتحه

المصدر: wikipedia.org