اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
ملخص رواية "الغصن المقوس"
"كان يمكن أن أكون شخصا آخر لو لم أذهب إلى بلدة أغبالو." بهذا الاستهلال يدخل القارئ عالم رواية "الغصن المقوس" متسائلا عن الذي حدث في بلدة أغبالو وحول الراوي أحمد إلى شخص آخر غير الذي كان يمكن أن يكونه لو لم تطأ قدماه تلك البلدة. وسيظل هذا السؤال قائما طوال رحلة القراءة وتتكشف بعض من ارهاصات إجابته قليلا قليلا دون أن تسفر عن وجهها علانية. وكأنني بالرواية تعول على ذكاء القارئ وفطنته
سيكتشف القارئ وهو يمضي عوالم الرواية أن أحمد قد أدرك في وقت مبكر من طفولته كيف كانت أسرار أصدقائه تنقذف إليه على نحو غامض دون أن يطلبها منهم أو يتحايل عليهم في الوصول إليها. وحين أعجبه ذلك انساق وراءه وبنى عليه حلم طفولته. فصار يحلم أن يكون جاسوسا محايدا نبيلا لا يعمل لجهة ولا يبتز أحدا.
كبر أحمد وكبر معه حلم طفولته وأصبح يتهيأ ليكون حقيقة واقعة. غير أن مزيدا من الأسرار قاده إلى الاطلاع على كثير من الجوانب الخفية في حياة من يختلط معهم من الناس. إلى الحد الذي جعله يشعر أن تلقي أسرار الناس والتكتم عليها لم تعد "مجرد لعبة يلهو بها طفل عابث، أو يتسلى بها يافع شغوف يلهث وراء المخفي المستور. مدفوعا بغريزة ركبت فيه مند أن قدر له أن يكون إنسانا." (الرواية ص4) فأصبح بذلك يبحث عن طريقة ليتلخص بها من انجذاب أسرار الناس إليه وتدفقها عليه. وحين صار ممرضا وأصبح بإمكانه أن يختار مكانا يعمل فيه وقع اختياره على "بلدة أغبالو". وقد أراد منها أن تكون مقبرة لحلم طفولته.
قرر أحمد اتباع طريقة عجيبة تساعده في التخلص من الحلم هناك. ونسمعه يبوح بها حين يقول: "لن أسمح لأحد بعد اليوم أن يستودع عندي سرا. كائنا من كان، وكائنا ما كان سره. وإذا حدث وتجرأ أحدهم وأخبرني بسر ما فلن أتكتم عنه. سأذيعه في الحال. هذه هي الطريقة الوحيدة المجدية لوقف التدفق. ولا يوجد سواها. الإفشاء ثم الافشاء. لن يبيت في صدري سر بعد أن أحط رجلي في البلدة. أريد أن يعرف الناس هناك. ومنذ اليوم الأول، أنني لست مؤتمنا على أسرارهم. ستقوم الزوابع ولا شك. وسأجدني في قلبها تعصف بي. فليكن، ولتقم، ولتعربد كيف تشاء وأين تشاء وإلى أي مدى تشاء. أما أنا فلن أتمادى."
بهذا الإصرار ذهب أحمد إلى بلدة "أغبالو. وتمضي الأيام ويكتشف عبر أحداث وشخصيات أن بلدة أغبالو ليست كما كان يعتقد. فقد كان يظنها مجرد مكان ناء اختاره بإرادته الحرة ليكون قبرا لحلم طفولته. وسيتركه وينساه حالما يتحقق أنه بالفعل خلصه من "حلم الطفولة".
غير أن بلدة أغبالو كان لها رأي آخر. فقد أظهرت لأحمد وجها آخر لم يكن من الوجوه التي عرفها عنها أثناء كان يسأل عنها ويتحرى. فقد أدرك أحمد ورأى وتحقق أن لبلدة "أغبالوا" كيانا قويا وشخصية جبارة ووجودا فاعلا وتأثيرا ظاهرا في الشخوص كما في الأشياء التي تتحرك بين أرجائها وعلى ترابها. وإنها لتستعمل في ذلك وسيلتها التي لا تقهر.
رأى "رحمة" التي لم تستطع الفكاك من غواية البلدة رغم أنها تملك كل الأسباب والوسائل التي تجعلها تعيش بعيدا عنها. ورأى الرعاة الرحل كيف تخلوا عن نمط حياتهم وبنوا بيوتا في البلدة وسكنوها رغم أنهم كانوا يزعمون أن الترحال ميزة حياتهم الأساسية التي ورثوها عن آبائهم أجدادهم. حتى الوادي الجبار أجبرته البلدة على التشعب داخل ترابها وإرواء حقولها. شخص واحد نجا من غواية البلدة ورحل عنها بعد أن غوته وأمسكته إلى ترابها زمنا، أجبرته فيه أن يكون راعي الأغنام، وقد كان رساما موهوبا.
وجد أحمد نفسه عوض أن يمضي في الطريقة التي حددها ليقبر حلمه في بلدة أغبالو يخشى على نفسه من حبائل غوايتها. وكأن "الحلم" و"البلدة" تآمرا عليه، وربما انتصرا عليه.
ومن تم فقد حاولت رواية "الغصن المقوس" أن تقارب بلدة أغبالوا خصوصا ليس فقط باعتبارها مكانا تتحرك فيه الشخوص وتسعى من خلاله وعبره إلى تحقيق غاياتهم ومساعيهم وإنما باعتباره هو الآخر شخصية فاعلة لها هي مجالا معتبرا للتأثير والتجلي والتفاعل.
إن هذه العلاقة الجدلية بين الانسان والمكان هي التيمة الكبرى التي حرصت الرواية على إظهارها ولفت نظر القراء إليها من خلال كل ما تبدت بي بلدة "أغبالو" من مظاهر الاغراء والغواية والتأثير.