English  

كتب العلم التالت

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

علم المثلثات (معلومة)


    تكمن ولادة علم المثلثات ضمن علم الفلك، الذي يعد واحداً من العلوم التي درسها المسلمون باهتمام بالغ لصلته بتحديد أوقات الصلاة والشعائر الدينية. ولكن علماء الفلك الإغريق كانوا قبل المسلمين يحسبون أضلاع مثلث ما وزواياه المجهولة بافتراض معرفة قيمة الأضلاع والزوايا الأخرى، وذلك من أجل معرفة حركة الشمس والقمر والكواكب الخمسة المعروفة حينذاك. اهتم الإغريق بالمسائل التي تدل على مواقع الشمس والقمر والكواكب، فألّفوا جداول ووضعوا قوانين مكنتهم من التعامل مع المسائل الهندسية، وكان أدق من عالج هذا الموضوع بطليموس في كتابه "المجسطي" (Almagest)؛ فقد كان فلكياً عمل في الإسكندرية مطلع القرن الثاني للميلاد، وقد ضاع الكتاب الأصل، وبقيت النسخة التي ترجمها المسلمون إلى العربية مستعملين لها مصطلحات أكثر إحكاماً ودقة مما عليها كتاب "المجسطي" الذي يعني "الأعظم"، وهذا العنوان يعكس موقعه العالي لديهم. اعتمد الفلكيون الأقدمون لحل مسائل علم المثلثات المستوية كلها على جدول موحد في المجسطي اسمه "جدول الأوتار في الدائرة"، أما الأقواس التي تحصر الزوايا بزيادات من نصف درجة حتى 180 درجة، فإن الجدول يفيد في إعطائها أطوال الأوتار المقابلة لها في دائرة نصف قطرها ستون وحدة.

    يشرح الطوسي، من علماء القرن الثالث عشر، في كتابه "شكل القطاع"، كيف استُخدمت قائمة أطوال الأوتار هذه لحل المسائل المتعلقة بالمثلثات قائمة الزاوية، وقد أبدى الطوسي ملاحظة حاسمة، وطدت الرابطة بين المثلثات وأقواس الدوائر، وهي: كل مثلث يمكن أن يحصر بدائرة؛ ولذلك فإنه ينظر إلى أضلاعه بوصفها أوتاراً تقابل أقواساً مقابلة لزوايا المثلث. لكنّ عيبين ظهرا في الاعتماد على هذه الجداول: العيب الأول أن جل التحولات التي يمكن أن تنشأ عند حل أطوال مجهولة أو زوايا مثلث قائم الزاوية، تتطلب معالجات كثيرة للجدول وخطوات وسيطة متعددة؛ وهذا مناقض لاستخدام الدلالات المثلثاتية المألوفة الست، وهي: الجيب، والتجيب (جيب التمام)، والزوايا المتبادلة، وقاطع الزاوية وقاطع تمام الزاوية - والظل وظل التمام - المميزة للتقنيات الحديثة التي ابتكرها ورتبها بطريقة منتظمة أول مرة علماء الرياضيات المسلمون. وأما العيب الثاني لجداول أطوال أوتار الدائرة فهو أنه لا بدّ من مضاعفة الزوايا في غالب الأحيان لحساب طول قوس ما.

    والواقع أن سلسلة من العلماء المسلمين كانوا قد أرسوا قواعد علم المثلثات قبل القرن العاشر، ممهدين بذلك الطريق للطوسي كي يجمع إسهاماتهم وينظمها ويفصل فيها. ومن أبرز هؤلاء الأعلام وأكثرهم تأثيراً محمد بن جابر بن سنان البتاني المولود في حرّان شمال شرق سورية اليوم، والمتوفى في سامراء بالعراق عام 929م، ويعد واحداً من أعظم علماء الفلك والرياضيات المسلمين، ومما حفزه على ريادة دراسة علم المثلثات مراقبته حركات الكواكب. والمسألة الأهم هي أن البتاني شرح عملياته الرياضية، وحث الآخرين على متابعة المراقبة والبحث من أجل إتمام عمله وتوسيعه، كما طور هو وأبو الوفاء البوزجاني، وابن يونس المصري، وابن الهيثم، علم المثلثات الكروي وطبقوه على حل المسائل الفلكية. وكان البتاني أول من استخدم مصطلحي "جيب" و"جيب التمام" معرفاً إياهما بوصفهما أطوالاً بدلاً من نسب كما نعرفهما اليوم، أما الظل فقد أشار إليه البتاني بعبارة "الظل الممدود"، أي ظل قضيب أفقي وهمي مركب على جدار. وفي القرن الحادي عشر عرّف البيروني الدالّات المثلثاتية للظل وظل التمام التي ورثها عن الهنود بصورة تجريبية. ومن الجدير بالذكر أن كلمة "جيب الزاوية" العربية (وهي نسبة الضلع المقابل للزاوية القائمة مقسوماً على وتر المثلث قائم الزاوية) تعني بالعربية أيضاً "فجوة" أو "تجويف" أو "جيب" (بالمعنى التشريحي) ووجد هذا المصطلح طريقه إلى اللاتينية (Sinus) وإلى الإنجليزية (Sine). كان الخوارزمي المولود عام 780م قد طور الجيب وجيب التمام والجداول المثلثاتية، والتي ترجمت فيما بعد إلى اللغات الأوروبية. أما العالم الفذّ البيروني المولود عام 973م، فكان من بين أولئك الذين أرسوا أسس علم المثلثات الحديث.

    وينبغي ذكر بعض الإنجازات المميزة الأخرى التي حققها العلماء المسلمون في حقل علم المثلثات وكذلك تطبيقات البيروني في قياس محيط الأرض، ومما يُذكر أن الطوسي وضع قانون الجيب معتمداً على أفكار هندسية بدائية واستخدمها بذكاء، ثم تابع ليطبق القانون في حل أنواع المسائل كلها بطريقة منتظمة. أما أبو الوفاء البوزجاني فقد برهن على نظرية الإضافة المألوفة للجيوب التي تعد أكثر كفاءة ودقة إذا ما قورنت بنظرية أطوال الأوتار في كتاب "المجسطي". كان من المهم قبل ظهور الحواسيب وضع جداول دقيقة للدلالات الأساسية للقيم المتباعدة بانتظام لإزاحة الزاوية للدالات؛ فقد كان مطلوباً: أولاً، أن تتوافر طريقة موجزة جداً لحساب جيب درجة واحدة، وأن تتوافر ثانياً قوانين استكمال مبنية على الجداول. كانت هاتان القضيتان موضع تدقيق نقدي عند عدد من العلماء المسلمين أمثال البيروني وابن يونس والكاشي، وهذا الأخير استخدم لكي يحصل على تقريب جيب الدرجة الواحدة إجراءً يُعرف باللغة الحديثة بالأسلوب التكراري. إن ظهور الدالات المثلثاتية واستخدامها في الرياضيات أدى إلى تنوير العلوم الرياضية، وأصبح بالإمكان الآن إضافة علم المثلثات إلى قائمة حقول المعرفة الأساسية التي أتقنها المسلمون ومن ثم أوصلوها إلى أوروبا بطرق شتى.

    المصدر: wikipedia.org