اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
أبو العلاء المعري (363 هـ - 449 هـ) (973 -1057م) هو أحمد بن عبد الله بن سليمان القضاعي التنوخي المعري، شاعر ومفكر ونحوي وأديب من عصر الدولة العباسية، ولد وتوفي في معرة النعمان في محافظة إدلب وإليها يُنسب. لُقب بـرهين المحبسين أي محبس العمى ومحبس البيت وذلك لأنه قد اعتزل الناس بعد عودته من بغداد حتى وفاته.
ولد المعري في معرة النعمان (في سوريا حالياً، ينتمي لعائلة بني سليمان، والتي بدورها تنتمي لقبيلة تنوخ، جده الأعظم كان أول قاضٍ في المدينة، وقد عرف بعض أعضاء عائلة بني سليمان بالشعر، فقد بصره في الرابعة من العمر نتيجة لمرض الجدري. بدأ يقرأ الشّعرَ في سن مبكرة حوالي الحادية عشرة أو الثانية عشرة من عمره في بلدته معرة النعمان، ثم ذهب للدراسة في حلب، وغيرها من المدن السورية. فدرس علوم اللغة والأدب والحديث والتفسير والفقه والشعر على نفر من أهله، وفيهم القضاة والفقهاء والشعراء، وقرأ النحو في حلب على أصحاب ابن خالويه، ويدل شعره ونثره على أنه كان عالماً بالأديان والمذاهب وفي عقائد الفرق، وكان آية في معرفة التاريخ والأخبار. وقال الشعر وهو ابن إحدى عشرة سنة. أخذ المعري النحو وشعر المتنبي عن محمد بن عبد الله بن سعد النحوي. وهو أحد رواة شعر المتنبي.
كان على جانب عظيم من الذكاء والفهم وحدة الذهن والحفظ وتوقد الخاطر، وسافر في أواخر سنة 398 هـ 1007م إلى بغداد فزار دور كتبها وقابل علماءها. وعاد إلى معرة النعمان سنة 400 هـ 1009م، وشرع في التأليف والتصنيف ملازماً بيته، وكان اسم كاتبه علي بن عبد الله بن أبي هاشم.
وقد كان عزم على اعتزاله الناسَ وهو في بغداد، خصوصاً بعد أن ورد إليه خبر وفاة والده، وقدد عزز فكرة ذهابه عن بغداد أنه رأى تنافس العلماء والرؤساء على الجاه، وتيقن "أن الدنيا كما هي مفطورة على الشرور والدواهي" وقال ذات مرة "وأنا وحشي الغريزة، أنسي الولادة"
وكتب إلى خاله أبي القاسم قبل قبيل منصرفه من بغداد "ولما فاتني المقام بحيث اخترتُ، أجمعت على انفراد يجلعني كالظبي في الكناس، ويقطع ما بيني وبين الناس إلا من وصلني الله به وصل الذراع باليد، والليلة بالغد" وقال بعد اعتزاله بفترة طويلة "لزمت مسكني منذ سنة أربعمائة، واجتهدت على أن أُتوفى على تسبيح الله وتحميده"
عاش المعري بعد اعتزاله زاهداً في الدنيا، معرضاً عن لذاتها، لا يأكل لحم الحيوان حتى قيل أنه لم يأكل اللحم 45 سنة، ولا ما ينتجه من سمن ولبن أو بيض وعسل، ولا يلبس من الثياب إلا الخشن. حتى توفي عن عمر يناهز 86 عاماً، ودفن في منزله بمعرة النعمان.
وقد جمعت أخباره مما كتبه المؤرخون وأصحاب السير في كتاب بإشراف الدكتور طه حسين بعنوان "تعريف القدماء بأبي العلاء".
تعددت الآراء حول آراء المعري في الدين وهناك خلاف في هذه المسألة
هناك رأي يقول بأن المعري من المشككين في معتقداته، وندد بالخرافات في الأديان. وبالتالي فقد وصف بأنه مفكر متشائم، وقد يكون أفضل وصف له هو كونه يؤمن بالربوبية. حيث كان يؤمن بأن الدين ”خرافة ابتدعها القدماء“ لا قيمة لها إلا لأولئك الذين يستغلون السذج من الجماهير. وخلال حياة المعري ظهر الكثير من الخلفاء في مصر وبغداد وحلب الذين كانوا يستغلون الدين كأداة لتبرير وتدعيم سلطتهم.
وهذه إحدى أبياته:
كما يزعم بعض المستشرقين أن المعري رفض مزاعم "الوحي الإلهي". عقيدته كانت عقيدة الفيلسوف والزاهد، الذي يتخذ العقل دليلاً أخلاقياً له، والفضيلة هي مكافأته الوحيدة.
وذهب في فلسفته التشاؤمية إلى الحد الذي وصى فيه بعدم إنجاب الأطفال كي نجنبهم آلام الحياة. وفي مرثاة ألفها عقب فقده لقريب له جمع حزنه على قريبه مع تأملاته عن سرعة الزوال، قال:
يقول الباحث نرجس توحيدي فر عن عقيدة أبي العلاء:
وكان المعري يؤمن بالله كإله خالق، قال أبو العلاء:
وَلَيسَ العَوالي في القَنا كَالسَوافِلِ
حَداكُم عَلى تَعظيمِ مَن خَلَقَ الضُحى
وَشُهبَ الدُجى مِن طالِعاتٍ وَآفِل
وَأَلزَمَكُم ما لَيسَ يُعجِزُ حَملُهُ
أَخا الضَعفِ مِن فَرضٍ لَهُ وَنَوافِلُ
وَحَثَّ عَلى تَطهيرِ جِسمٍ وَمَلبَسٍ
وَعاقَبَ في قَذفِ النِساءِ الفَواضِلُ»كانت علته ثلاثة أيام، ومات في أوائل شهر ربيع الأول من سنة تسع وأربعين وأربعمائة ومات عن عمر يناهز ستا وثمانين سنة واتفق ياقوت والقفطي ُّ والذهبي ُّ والصفدي َّ وابن خلكان، على أن أبا العلاء لما مات أنشد رثاءه على قبره شعراء، لا يقل عددهم عن سبعين شاعرا، منهم تلميذه أبو الحسن علي بن همام الذي قال فيه من قصيدة:
إن كنت لم ترق الدماء زهادة
فلقد أرقت اليوم من جفني دما
سيرت ذكرك في البلاد كأنه
مسك فسامعة يضمخ أو فما
وأرى الحجيج إذا أرادوا ليلة
ذكراك أخرج فدية من أحرما"
يعتبر بناء المركز الثقافي العربي بالمعرة من الأبنية الأثرية الهامة والجليلة في مدينة المعرة؛ لما يمتاز به هذا المبنى من طراز معماري فريد غني بزخارفه البديعة، وقد بني في الأربعينيات من القرن الماضي على مساحة قدرها /500/ متر مربع.
البناء في وسط شارع أبي العلاء، ويطل على الشارع الرئيسي بواجهة معمارية مؤلفة من مدخل بقنطرة مرتفعة ترتكز على عموديين من الحجر ومن ثم يؤدي المدخل إلى باحة مكشوفة يرى فيها ضريح الشاعر والفيلسوف أبي العلاء المعري ضمن قبر متواضع خلا من الزخرفة والصنعة ولطالما كان شاعرنا متواضعاً وبسيطاً، علماً بأن هذا القبر هو ذاته القبر القديم الذي رقد تحته شاعرنا أبي العلاء المعري وقد توضّع هذا القبر ضمن إيوان يتجه إلى الشمال وبجانبه مدخلان يؤديان إلى قاعة المكتبة العلائية والتي ضمت خزائن خشبية عرض فيها مجموعة ضخمة من الكتب العلمية والأدبية والتاريخية وغيرها، هذا فضلاً عن مجموعة أخرى من الكتب حوت آثار شاعرنا أبي العلاء وما كتب عنه الأدباء والشعراء كما يجاور هذه القاعة من الجنوب حديقة متواضعة فيها قبران قديمان يعتقد بأنهما من أقرباء أبي العلاء عليهما كتابة كوفية غير واضحة المعالم، وقد تم تصميم هذا البناء على طراز الأبنية العربية وجعل فيها باحة سماوية وإيوان ومصلى وغيره وبني هذا البناء من حجارة كلسية منحوتة متوسطة وكبيرة الحجم، أما السقوف فكانت مستوية. كما يجاور ضريح أبي العلاء شجرتان شامختان من السرو وقد جعل البناء مسجداً فوق ضريح أبي العلاء المعري، ولكن لم يستخدم لهذا الغرض. وفي عام 1958 أثناء الوحدة بين سورية ومصر اقترح الدكتور طه حسين وزير المعارف في تلك الفترة تحويل المسجد إلى مركز ثقافي، وقد أحدث في عام 1960 مركز ثقافي في نفس المكان.
ولقد زار الأديب الدكتور طه حسين المركز الثقافي العربي في المعرة عدة مرات حتى يقال بأنه أشرف على وضع حجر الأساس لهذا الصرح الثقافي الهام، وكذلك كان على رأس الأدباء والشعراء في المهرجان الألفي لأبي العلاء المعري بمناسبة ذكرى مرور ألف عام هجري على وفاته هذا المهرجان الثقافي والأدبي الهام والذي أقيمت فعالياته في مدينة المعرة ومدن حلب ودمشق واللاذقية حضره كوكبة من الأدباء والشعراء العرب، منهم الشاعر بدوي الجبل والشاعر محمد مهدي الجواهري الذي كانت انطلاقته الشعرية الأولى في هذا المهرجان من خلال قصيدة المعري والتي مطلعها:
قف بالمعرّة وأمسح خدّها التّربا واستوح من طوّق الدنيا بما وهبا
وردت بعض من أقوال العلماء المسلمين في ذم المعري، الذين نسبوه إلى الزندقة، كابن كثير، وابن قيم الجوزية وأبو الفرج بن الجوزي، الذي قال فيه:
ويصفه الذهبي: بـ"الشيخ العلامة، شيخ الآداب أبو العلاء، صاحب التصانيف السائرة، والمتهم في نحلته. ويروي حديث عن غرس النعمة: "حدثنا الوزير أبو نصر بن جهير، حدثنا المنازي الشاعر قال: اجتمعت بأبي العلاء، فقلت: ما هذا الذي يروى عنك؟ قال: حسدوني، وكذبوا علي. فقلت: على ماذا حسدوك وقد تركت لهم الدنيا والآخرة؟ فقال: والآخرة؟ ! قلت: إي والله." ويختم الذهبي قوله بـ "والله أعلم بما ختم له".
أما كتبه الأخرى فهي كثيرة وفهرسها في معجم الأدباء:
درس على أبي العلاء كثير من طلاب العلم ممن علا شأنهم في العلم والأدب، منهم:
ولقد شهد جميع شعراء عصر المعري بفطنته وحكمته وعلمه، وعندما توفي ودفن في مدينته معرة النعمان اجتمع حشد كبير من الشعراء والأدباء لتكريمه. ولقد ألف العديد من معاصريه، ومن بعدهم كتباً ودراسات حول آراء المعرّي وفلسفته، مثل: (أوج النحري عن حيثية أبي العلاء المعري)، ليوسف البديعي، و(مع أبي العلاء المعري)، لطه حسين، و(رجعة أبي العلاء) لعباس محمود العقاد، وغيرهم كثير. كما ترجم كثير من شعر المعري إلى غير العربية. وقال ابن خلكان: "ولكثير من الباحثين تصانيف في آراء المعري وفلسفته".
نقل ابن العديم عن ابن الشجري عن أبي زكريا التبريزي أن قال: ( ما أعرف أن العرب نطقت بكلمة ولم يعرفها المعري).
(ولقد اتفق قوم ممن يقرأون عليه، فوضوعوا حروفاً وألفوا كلمات، وأضافوا إليها من غريب اللغة ووحشيها كلمات أخرى، وسألوه عن الجميع على سبيل الامتحانن فكان كلما وصلوا إلى كلمة مما ألفوه، ينزعج لها وينكرها ويستعيدها مراراً، ثم يقول: دعوا هذه. والألفاظ اللغوية يشرحها ويستشهد عليها حتى انتهت الكلمات، ثم أطرق ساعة مفكراً، ورفع رأسه، وقال: كأني بكم وقد وضعتم هذه الكلمات لتمتحنوا بها معرفتي وثقتي في روايتي، والله لئن لم تكشفوا لي الحال، وتدعوا المحال. وإلا فهذا فراق بيني وبينكم، فقالوا: والله الأمر كما قلت، وما عدوت ما قصدناه، فقال: سبحان الله، والله ما أقول إلا ما قالته العرب، وما أظن انها تطقت...)