English  

كتب العرفان الصوفي

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

تعريف الثيوصوفيا (معلومة)


الثيوصوفيا هي ذلك المحيط من المعرفة الممتد من ساحل من سواحل تطور الكائنات المُحِسِّة إلى آخر. ومع أنها في أعماقها التي لا يُسبَر غورُها تفسح لأعظم الأذهان مجالها الأوسع، فهي عند شواطئها من الضحالة بما لا يُغرِق فهم طفل. هي الحكمة عن الله عند الذين يؤمنون أنه الكل في الكل، وهي الحكمة عن الطبيعة عند المرء الذي يقبل التصريح الوارد في الكتاب بأن الظلمة تكتنف سرادقه. ومع كونها تتضمن بالاشتقاق كلمة الله، وبذلك قد تبدو مشتملة على الدين وحده، فإنها لا تهمل العلم أيضًا؛ ذلك لأنها علم العلوم، ولذا دُعِيت بدين الحكمة. فما من علم تام يغفل أيَّ قطاع من قطاعات الطبيعة، مرئيًّا أو غير مرئي؛ والدين، باستناده إلى الوحي المزعوم وحسب، وضربه كشحًا عن الأشياء وعن القوانين التي تنتظمُها، ليس إلا مجرد أضلولة وعدوًّا للتقدم وحاجزًا في سبيل سعي الإنسان نحو السعادة. أما الثيوصوفيا فهي، باشتمالها على العلم والدين جميعًا، دين علمي وعلم ديني.

أصرت مؤسّسة الثيوصوفيا، الروسية هيلينا بلافاتسكي، على أنَّ الثيوصوفيا ليست ديانة على الرغم من أنها أشارت إليها على أنها تحول حديث "للدين العالمي" الذي زعمت أنه كان موجودًا في عمق التاريخ البشري. إن عدم وصف الثيوصوفيا بالدين هو ادعاء تمت المحافظة عليه من قبل المنظمات الثيوصوفية، الذين يعتبرونه بدلاً من ذلك نظامًا يحتضن ما يرونه "الحقيقة الأساسية" للدين والفلسفة والعلم. ونتيجة لذلك، تسمح المجموعات الثيوصوفية لأعضائها بتبني معتقدات دينية أخرى والبقاء عليها، إذ هناك ثيوصوفيون يعرفون كمسيحيين أو بوذيين أو هندوس.

أما علماء الدين الذين درسوا الثيوصوفيا وصفوها بأنها دين. وفي تأريخه للحركة الثيوصوفية، أشار بروس كامبل إلى أن الثيوصوفيا روجت "نظرة دينية للعالم" باستخدام "مصطلحات دينية جليَّة" وأن معتقداتها المركزية ليست حقيقة لا لبس فيها، ولكنها تعتمد على الإيمان. وقد وصفها أولاف هامر وميكائيل روثستين بأنها "واحد من أهم التقاليد الدينية في العالم الحديث". وقد أشار علماء مختلفون إلى طبيعتها الانتقائية (الاصطفائية)؛ ووصفها جوسلين جودوين بأنها "حركة دينية اصطفائية عالمية"، بينما وصف الباحث ج. جيفري فرانكلين الثيوصوفيا بأنها "دين هجين" لمزيجها التوفيقي بين عناصر من مصادر مختلفة. وبشكل أكثر تحديدًا، تم تصنيف الثيوصوفية كحركة دينية جديدة.

وقد صنف العلماء أيضًا الثيوصوفية كشكل من أشكال الباطنية الغربية. وأشار كامبل، على سبيل المثال، إلى أنها "تقليد ديني باطني"، بينما أطلق عليها المؤرخ جوي ديكسون اسم "دين باطني". وبشكل أكثر تحديدًا، تُعتبر شكلاً من أشكال الباطنية (الغنوصية والمسارية). ومثلها مثل مجموعات أخرى مثل النظام المحكم للفجر الذهبي، ينظر إلى الجمعية الثيوصوفية على أنها جزء من "إحياء ديانات الأسرار والحكمة القديمة" حدثت في البلدان الغربية خلال أواخر القرن التاسع عشر. وأشار مؤرخ الدين ووتر هانيغراف إلى أن الثيوصوفيا ساعدت على تثبيت "الأسس الأصلية لمعظم الحركات الباطنية في القرن العشرين".

الثيوصوفيا، ببساطة، تجمع بين الغنوصية (علم الباطن)، والعلم الظاهر (العلم والفلسفة). تری بلافاتسكي أن الحكمة الإلهية (ثيوصوفيا) أشبه بالضوء الأبيض المتكون من ألوان الطيف السبعة، التي هي الأديان الأخرى، فهي دين الحكمة، الذي نسميه، أيضا، الفلسفة الباطنية (Esoteric Philosophy)، التي تجمع الأديان كلها، حيث تخلع عنها رداءها الخارجي الظاهر، وتكشف عن جذرها المشترك، الذي يضم المعرفة المتراكمة عبر العصور بفضل الرائين، والعارفين بالأسرار.

وتجمع المعاجم والموسوعات الروحية المتخصصة على أن (الثيوصوفية) Theosophical إحدى الاتجاهات أو الديانات أو النزعات التي تجمع في بنيتها المعرفية بين العلم والقيم الروحية والفلسفة في سياق واحد، وتربط كذلك بين المعارف الحسية التجريبية والتصورات العقلية والاستشراقات الإلهامية المجردة في تحصيل الحقائق من جهة وتقويم السلوك الإنساني من جهة أخرى.

ويرى الدكتور حسين علي حمد بأنها: هي معرفة الله عن طريق الكشف الصوفي أو التأمل الفلسفي أو عن الطريقين معا، وقد عرفتها الأديان منذ القديم، أما في العصر الحديث فهي محاولة تفسير المعاني الباطنية للمعتقدات الدينية على أساس عقلاني.

وتُعتبَر الثيوصوفيا علماً وفناً مقدسين. وهي قديمة قدم الكون نفسه! يمكننا أن نعرِّف بها من خلال اشتقاقها اللغوي: الحكمة الإلهية، ولنا أيضاً أن نضيف إن الثيوصوفيا فن حياة يمكن لمن يعمل به أن ينمِّي بفضله قدراته الكامنة ويجعل روحانيته تتفتح. وفي الوقت نفسه، يُعتبَر فن الحياة هذا تحقيقاً للجانب غير المرئي من الكون، أي لوجهه الباطن. الثيوصوفي يرى أن الكون لايُحَدُّ بظاهر الأشياء التي تكشفها لنا حواسنا، فينظر إلى السهول والجبال وسائر الكائنات المتحركة هنا وهناك كمجرد ظهورات أو تجلِّيات لحقيقة أسمى. إنها، على نحو ما، في نظره، أفق ظاهر، يمكننا – عبر تطوير مواهب معينة – أن نكتشف تحته أفقاً باطناً. هنالك حقائق خفية تمنح معنى ومغزى عميقين للحركة السطحية برمتها، ولكل الظواهر التي نتحسسها بحواسنا الجُرمانية [الفيزيائية].

الثيوصوفيا، إذن، فلسفة، بمعنى أنها لا تألو جهداً في الولوج إلى قلب العالم من جهة، وإلى أعماق الإنسان من جهة أخرى. لذا فإنها تُعتبَر أيضاً فناً. ويمكننا أن نقول إن للثيوصوفيا وجهاً دينياً، بما أنها تشتمل بما لا ريب فيه على مظهر أخلاقي وميتافيزيائي. وتشير الثيوصوفيا، باعتبارها ديناً، إلى ضرورة عدم التقيُّد بتصور عن ألوهة قَصِيَّة جداً، لا صلة بينها وبين حياتنا اليومية. علينا، إذن، بكل تأكيد، أن نبصر الألوهة في كل مكان، "كما في السماء كذلك على الأرض". غير أن من واجبنا، قبل كل شيء، أن نبصر الله في أرواح إخوتنا البشر - إن كنا لا نريد لحياتنا أن تغرق في الأوهام.

المصدر: wikipedia.org