English  

كتب الطروق الصوفية

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

بلاغة التصوف (كتاب)


يشكِّل الأدب الصوفي بتجلياته المختلفة تراثاً ضخماً، لا يمكن تجاهله، وساحاً فساحاً للبحث والدراسة رغم ما كتب عن التصوف وأعلامه، إذ أن هنالك جوانب عديدة لم تنل نصيبها من الدراسة، وإذا كان الفكر الصوفي بتجلياته المكتوبة يمثل نوعاً من الروحانية والترفع عن أدران المحسوس للتحليق في عالم الروح والانعتاق عن قيود الجسد، فإن الشعر الصوفي مثَّل التجلي الأسمى لتلك العاطفة المشبوبة التي اتسمت بها كلمات المتصوفة.
وقد أسرتني تلك العاطفة الصادقة وذلك الجمال اليوسفي الخلاب الذي دفعني الى دراسة ذلك العشق الصوفي، وقد وقع الاختيار على التائية الكبرى لسلطان العاشقين وحامل لواء المحبين عمر بن الفارض، لما تحمله تلك القصيدة من معان جليلة اختزلت الفكر الصوفي، وأوجزت مراحل السير السلوكي، وبتوجيه من أستاذي المشرف، فقطع بذلك حيرتي، وسدد رؤيتي، كونها تمثل آية من آيات الفن الصوفي بما حملته من صور فنية وفنون بديعية، جعلها تنال إعجاب الدارسين من قدماء ومحدثين. وقد نظرت الدراسة إلى التائية الكبرى على أنها تمثل نصا إبداعيا وأدبا رفيعا وليست منظومة تعليمية صوفية فقط. أما سبب كون الدراسة بلاغية، فيبدو ان المناهج الحديثة وبعض من يتبناها، قال بـ(موت البلاغة)، بل ان بعضهم جعل الأسلوبية أو غيرها بديلا عنها، فهي- في نظرهم- علم مستهلك، لم يعد مجدياً لدراسة النص الأدبي، فكانت هذه محاولة متواضعة في طريق البحث البلاغي.
ولابد من الإشارة إلى بعض الدراسات الرائدة في هذا الميدان واخص منها بالذكر (شعر عمر بن الفارض– دراسة في فن الشعر الصوفي) و(الرمز الشعري عند الصوفية) للدكتور عاطف جودة نصر) و(ابن الفارض والحب الإلهي: للدكتور محمد مصطفى حلمي)، وبعض الدراسات الحديثة والتي منها (الأنا في الشعر الصوفي: للدكتور عباس الحداد).
ومن الدراسات الاخرى (التائية الكبرى لابن الفارض– دراسة أسلوبية: هشيار زكي حسن)، وهي دراسة وفق منهج الأسلوبية الأدبية، وتختلف من حيث المنهج عن هذه الدراسة، في كونها درست المستوى الدلالي للنص، من حيث بنية العنوان والأنساق الدلالية الأخرى كالمماثلة والمشابهة والمجاورة والمفارقة، وفي المستوى التركيبي دراسة لتحولات النفي وتراكم الأفعال وتبادل الضمائر، وفي المستوى الصوتي درست الوزن والقافية والتدوير والتوازي والتكرار والتجمعات الصوتية.
أما هذه الدراسة فتتكون من تمهيد وثلاثة فصول، تضمن التمهيد خمسة محاور وهي: نشأة التصوف، وخصائص الشعر الصوفي، وحياة ابن الفارض، وشعره وشاعريته، ثم التائية الكبرى ملحمة التصوف.
وتناول الفصل الأول: المستوى التصويري لأنه الأهم، وذلك لاتكاء النص على الرمز والاستعارة، فالتصوير بآلياته المختلفة هو وسيلة الصوفي لرسم أفكاره. وجاء في ثلاثة مباحث:
المبحث الاول: الصورة التشبيهية وتناولت فيه أنماط التشبيه الأكثر ورودا في النص والتي تمثل ما اتفق عليه البلاغيون دون المرور بكثرة التقسيمات التي اقترحها بعضهم.
المبحث الثاني: الصورة المجازية، ودرست فيه المجاز بنوعيه العقلي واللغوي ومن ثم قسمي اللغوي وهما المجاز المرسل والاستعارة .
المبحث الثالث: الصورة الكنائية والرمزية، ودرست فيه الكناية وأنواعها، ثم الرمز واهم رموز التائية والتي توزعت على: الرمز القرآني ويشمل قصص الأنبياء والعبادات والشعائر وخطاب الخالق لمخلوقاته، ورمزية المرأة ورمزية الطبيعة وتشمل البحر والطير والنور، ورمزية الأعداد والحروف.
أما الفصل الثاني وتناول المستوى التركيبي شاملا لمباحث خمسة:
المبحث الأول: الأسلوب الخبري ومتعلقاته من تقديم وتأخير، وتعريف وتنكير، وحذف، وتوكيد، والتفات .
المبحث الثاني: الأساليب الإنشائية: الأمر والنهي والاستفهام والنداء دون ذكر التمني لان النص يخلو منه .
المبحث الثالث: أسلوب القصر.
المبحث الرابع: الإيجاز والإطناب.
المبحث الخامس: الفصل والوصل.
ثم جعلت الفصل الثالث لدراسة أفانين البديع بنوعيها اللفظية والمعنوية وهو يقع في مبحثين:
المبحث الاول : المحسنات اللفظية وتضم الجناس والتصدير والاقتباس والتضمين والتكرار والترصيع والتصريع والموازنة.
المبحث الثاني: المحسنات المعنوية وتضم: الطباق والمقابلة والتقسيم والمبالغة واللف والنشر ومراعاة النظير والمذهب الكلامي وبراعة الاستهلال ومناسبته للاختتام وإرسال المثل والإبداع.
ثم ختمت البحث بخاتمة ضمنتها ثمرة هذا الجهد، فأشرت إلى أهم ما توصلت إليه خلال هذه الدراسة، تلتها ثلاثة ملاحق للتشبيهات والاستعارات والرموز الواردة في التائية الكبرى.
ولما كانت الدراسة في التائية الكبرى، فقد ارتأيت ان اعتمد ترقيم الأبيات دون الإشارة إليها في الهامش معتمدا على نسخة الديوان المسماة (جلاء الغامض في شرح ديوان ابن الفارض: للأستاذ أمين الخوري، المطبعة الأدبية، بيروت، ط4،1904م).
وأما مصادر البحث، فكانت شروح التائية الثلاثة المطبوعة فهي أهم ما اعتمدت عليه هذه الدراسة وهي ( منتهى المدارك للفرغاني، وكشف الوجوه الغر لمعاني نظم الدر للقاشاني، وشرح القيصري) ومصادر البلاغة العربية وأهمها (أسرار البلاغة ودلائل الاعجاز) للجرجاني، و(مفتاح العلوم) للسكاكي و (التلخيص والإيضاح) للقزويني، وكتاب (الطراز) للعلوي و(خزانة الأدب) للحموي وغيرها، مع بعض الدراسات الحديثة كـ(التصوير البياني وخصائص التراكيب) للدكتور محمد أبو موسى (بلاغة التراكيب) للدكتور توفيق الفيل، و(تكوين البلاغة) لعلي الفرج فضلاً عن كتب التصوف والدراسات المعاصرة كدراسة الدكتور حلمي و الدكتور نصر المشار إليهما واشتعال الذات: محمد المسعودي وغيرها .