English  

كتب الصراع مع الحكومة الاتحادية

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

الصراع مع الحكومة الاتحادية (معلومة)


    أظهر الحسين منذ وصوله الحجاز نزعته المعارضة للسياسة المركزية التي تتبعها جمعية الاتحاد والترقي وتسعى لتطبيقها في الحجاز كغيره من الولايات الأخرى، وشرع يسعى لتثبيت مركزه وسيادته في البلاد، ومع انتباه السلطات العثمانية لهذه التحركات، فلم تتعد إجراءاتها بعض المضايقات والتنبيهات الوقتية خصوصًا وأن النزاع بين الطرفين لم يكن بتلك الدرجة من التوتر، لكن الاتحاديين وبسبب اتجاه الحسين المعارض لسياستهم المركزية شرعوا بالتشديد في تطبيق سياساتهم منذ عام 1913م، وحاولوا الضغط على الحسين وعزله اذا اقتضى الأمر، ولتنفيذ قانون الولايات الجديد لعام 1913م وبعثوا بالوالي وهيب باشا المعروف بصرامته وتحسمه لمبادئ جمعية الاتحاد والترقي، وجمعوا بيده السلطتين التنفيذية والإدارية، وزوده بعدد من القوات، مع تعليمات بإضعاف ما للشريف من نفوذ والقبض عليه اذا استوجب الأمر، وإلغاء امتيازات الحجاز المحلية التي يتمتع بها منذ السابق بسبب وضعه الاقتصادي والجغرافي والديني، وجعلها ولاية عادية، والعمل على تطبيق قانون الولايات الجديدة، والمباشرة في مد خط السكة الحديدية من المدينة إلى مكة. تحتم النزاع بين الحسين والوالي الجديد بعد أن تيقن الحسين من نوايا الاتحاديين خاصة وأنه كان يطلع على المراسلات المتبادلة بين الوالي والأستانة، ومن ذلك غضب الحسين من طلب الوالي الذي أمره بتجهيز مئة بندقية لتسليح حرسه ورفضه مرتين باعتباره إهانة لمكانته، فكانت هذه الحادثة ذريعة لإشعال مناوشة بين الطرفين، نتج عنها سقوط عدد من القتلى والجرحى، وواصل وهيب باشا تنفيذ ما أوكل إليه وشرع بالتدخل في صلاحيات الشريف وإناطة أحكام البلاد الداخلية بالحكومة والإشراف المباشر على شؤون البدو، وأعلن أن الشريف حيدر مستعد لتنفيذ الأوامر الحكومية إذا ما رفض الحسين ذلك. أرسل الشريف حسين إلى الصدر الأعظم يخبره بضرورة عرض أمور خطيرة بواسطة أحد أبنائه، واستجاب الصدر لطلب الشريف واختار الحسين ابنه فيصل لهذه المهمة، وكان هدف الحسين من ذلك: إفهام الباب العالي أنه مخلص للسدة الملوكية وللخلافة الإسلامية، وأنه لا ينفك محافظًا على إخلاصه وارتباطه بالعرش العثماني، وأن بقاء الوالي في الحجاز يعني مؤازرة الباب العالي لأعماله الأمر الذي سيؤدي إلى نتائج سيئة.

    كان الأمير عبد الله بن الحسين في هذه الأثناء في القاهرة في طريقه إلى الأستانة، وبوصوله إليها أجرى عدة اتصالات مع المسؤولين أوضح خلالها مع طلعت باشا خلاف والده والحكومة، ورده إلى الإدارة السلطانية الرامية إلى إضعاف مركز والده من خلال إضعاف مكانة الحجاز واخضاعه للإجراءات المتبعة في الولايات الأخرى، مؤكدًا هدف والده في خدمة الدولة، وضرورة اسنادها له، أما عن معارضة والده لمشروع مد الخط الحديدي إلى مكة، فرده إلى الإضرار التي سيلحقها المشروع بالقبائل التي ترتزق على مزاولة مهنة النقل في هذه الطرق بواسطة الجمال. أبدى طلعت لعبد الله وبحضور الصدر الأعظم عن الاستياء الكبير من أوضاع الحجاز، واصراره على مد الخط الحديدي إلى مكة وإلى كافة مدن الحجاز، منذرًا بالعواقب المترتبة على مخالفة الأوامر، وعرض شروط الاتفاق مع والده لمباشرة العمل، وهي: يحصل الشريف على ثلث دخل المشروع وهو حر التصرف به، تكون الإمارة له ولأولاده من بعده مدى الحياة، وضع قوة كافية تحت إمرة الشريف لتنفيذ المشروع، وضع ربع مليون جنيه تحت تصرف الشريف لإنفاقها على البدو. رفض الحسين هذا المشروع ريبة منه بنوايا الاتحاديين والنتائج المترتبة على موافقته، وقد رأى عبد الله إمكانية استقلال الحجاز بمساعدة الوحدات العربية الموجودة في سوريا والعراق، فضلا عن تأييد بريطانيا الدبلوماسي، واقترح خطة لأبعاد والده عن الضغوط الحكومية، مفادها اعتقال الحجاج في موسم الحج والمساومة بهم مع الدول الكبرى بحكم مسؤوليتها على رعاياها أمن الحجاج، إذ سيكون والده مستعدا لإطلاق سراحهم إذا ما استجابت له الدول الكبرى في الوقوف بجانبه أمام ضغوط الدولة العثمانية في المستقبل. غير أن الفكرة لم تحظ بقناعة اخوية علي وفيصل. اتضح فشل الاتحاديين في إضعاف نفوذ الحسين أو إزاحته، يرجع ذلك بالدرجة الرئيسية إلى مشاكل الدولة الخارجية التي اضطرتها إلى التمهل مع الشؤون الداخلية، فضلا عن المقاومة التي كان يبديها سكان الحجاز وبالذات القبائل لسياسة الاتحاديين الجديدة، بالإضافة لمكانة الحسين لدى بعض الشخصيات التركية القديمة المحافظة، وتعاطفها معه في وقت كان فيه الاتحاديون عاجزين في الاستغناء عن هذه الجماعات كليًا، وهذا ما كان يدركه الحسين جيدا من أن سكوت الدولة عنه أحيانا إنما هو سكوت مؤقت وإمهال منها لا إهمال.

    في عام 1915م أرسل الشريف الحسين ابنه فيصل بن الحسين إلى الأستانة مارًا بسوريا، وفيها أكد فيصل لجمال باشا إخلاص والده وجميع عرب الحجاز للسلطنة العثمانية، وقد تلقى فيصل قبل مغادرته دمشق إلى الأستانة مضبطة سرية باسم علماء الشام وبينهم الشيخ بدر الدين الحسني يعترفون فيها بملكية الحسين بن علي على البلاد العربية. نجح فيصل في مهمته في الأستانة، وتم عزل وهيب باشا وتولية الوالي غالب باشا، الذي أعطي تعليمات بالتقرب من الشريف حسين. استمر الشريف حسين ببذل جهوده للتفاهم مع الدولة العثمانية، وعندما زار أنور باشا وزير الحربية العثماني وجمال باشا حاكم سوريا المدينة المنورة عام 1916م بصحبة الأمير فيصل، اعتذر الشريف حسين عن الحضور إليهم وأرسل إليهما الهدايا التي تؤكد إخلاصه للدولة العثمانية، وقيل إن الاتحاديين كانوا يفكرون بالقبض عليه ونفيه لو حضر.

    المصدر: wikipedia.org