اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
كان الشاهزاده جَمّ سُلطان بن مُحمَّد، يتمتَّع بِتعاطُف بعض القطاعات المُعيَّنة من الرأي العام، وأبرزُها عددٌ من القبائل التُركمانيَّة الأناضوليَّة قليلة الحماس لِلسُلطة المركزيَّة، فاجتمع عليه جمعٌ من القرمانيين إلى جانب بعض العُثمانيين البطَّالين والأوباش. ولمَّا بلغهُ خبر موت أبيه سعى هؤلاء إلى تحريكه على طلب السلطنة، فسار على الفور مع من حاز ولاذ به قاصدًا مدينة بورصة. والحقيقة أنَّ جَمّ سُلطان لم يحصل على دعم أحد من كبار الأعيان والساسة العُثمانيين إلَّا الصدر الأعظم المقتول مُحمَّد باشا القرماني بِسبب المودَّة والصداقة القائمة بينهما كما أُسلف. أمَّا بايزيد فكانت علاقته قويَّة بِرجال الدولة النافذين، مُنذُ أن كان وليًّا لِلعهد، ومن هؤلاء صهره بكلربك الأناضول سنان باشا، والغازي إسحٰق باشا الذي كان عدوًّا لِلصدر الأعظم الأسبق، وكان صاحب تأثيرٍ فعَّالٍ على طائفة الإنكشاريَّة، وسبب هذه العداوة والكراهيَّة بين الرَّجُلين ترجع إلى الإشاعات التي ظهرت حول مُحاولة مُحمَّد باشا القرماني تسميم السُلطان الفاتح، بِالإضافة إلى تسلُّطه على بعض الأوقاف الإرصاديَّة، وتحويلها إلى تيمارات، وفرضه بعض الضرائب الجديدة من أجل تقوية الخزينة، ولمَّا أُضيف إليها سعيه في إيصال الشاهزاده الأصغر إلى العرش، كان عاقبة أمره أن لم يستطع إنقاذ نفسه من أيدي الإنكشاريين. بِالإضافة إلى ذلك، شهد بلاط بايزيد في أماسية تجمُّعًا لِلمُعارضين لِسياسة السُلطان مُحمَّد، والمعروف أنَّ هؤلاء المُعارضين شكَّلوا الطبقة الأرستقراطيَّة العُثمانيَّة، وكان سبب مُعارضتهم سياسة الفاتح أنَّهُ استبعدهم عن السُلطة ومراكز القوى، كما فعل مع آل الجندرلي الذين خلعهم من الصدارة العُظمى بعد 90 سنة أمضوها يتوارثون هذا المنصب، وقدَّم عليهم الساسة والقادة من زُمرة الدوشيرمة، وهُم البلقانيين النصارى الذين كانوا يُختارون وهُم فتيان بِالقُرعة، ويُجلبون إلى البلاد العُثمانيَّة حيثُ يُربُّون ويُعلَّمون لدى طائفة الإنكشاريَّة أو في سراي السُلطان. فامتعض هؤلاء أشد امتعاض من هذه السياسة، التي أظهرت السُلطان وكأنَّهُ يُفضِّلُ مجهولي النسب والتاريخ على أشراف العُثمانيين، وشاهدوا نُفُوذهم القديم يخرج من أيديهم وانفتاح أبواب كافَّة الوظائف، ومنها الصدارة العُظمى، أمام الدوشيرميين. والواقع أنَّ السُلطان مُحمَّد قصد من وراء هذه الخُطوة تقوية مركزيَّة الدولة، وذلك لا يكون إلَّا بِتبلوُرها في شخص السُلطان في سبيل استمرار فاعليَّة عجلتها ودوامها، كما أنَّ أُمراء الأناضول من التُركمان الإقطاعيين لم يكونوا قريبين من فكرة الاتحاد العُثماني، وأفلتوا منها على الدوام، فكان السُلطان لا يرتاح لهم. أمَّا الدوشيرميين فقد تربُّوا في السراي ولا يعرفون أبًا أو سيِّدًا لهم سوى السُلطان، فهم لا يستمدُّون قُوَّتهم من عائلاتهم أو ثرواتهم أو ماضيهم، وإنَّما يستمدُّونها مُباشرةً من السُلطان نفسه. أمام هذا الواقع، وقف أشراف العُثمانيين خلف بايزيد، على أمل استعادة نُفُوذهم في عهده، فشكَّلوا تكتُّلًا جيِّد التنظيم مُواليًا له في مُواجهة أخيه، في الوقت الذي كان فيه أعوان جَمّ سُلطان على قلَّتهم سالِفة الذِكر.
ولمَّا بلغ السُلطان بايزيد أنَّ أخيه خرج عليه وتوجَّه إلى صوب بورصة، أرسل أحد وُزرائه، واسمه أيَّاس باشا، في ألفيّ إنكشاريّ من طريق مودانية لِرد الخطر عن العاصمة العتيقة للدولة، ثُمَّ عبر السُلطان أيضًا إلى أُسكُدار في بقيَّة الجيش. سار أيَّاس باشا ونزل في بلدة قبلوجة من أعمال بورصة، وكان قد قدِم جمعٌ من عسكر جَمّ بِقيادة شخص يُقال له «كدك نصوح»، وحاولوا دُخُول المدينة، فقابلهم أيَّاس باشا وقاتلهم، إلَّا أنَّ أهل بورصة سُرعان ما انضمُّوا إلى جانب جَمّ وقاتلوا الوزير وجُنُوده وحالوا دون دُخُول هؤلاء إلى البلد. وسبب فعلهم هذا أنَّهم خافوا الإنكشاريَّة لِما فعلوه بِأهل إسلامبول من نهب البُيُوت وارتكاب الفُجُور، ففضَّلوا تسلُّط الشاهزاده العاصي عليهم. وهكذا انهزم أيَّاس باشا ووقع في الأسر مع كثيرٍ من الإنكشاريَّة، وما أن وصل جَمّ بعد انتهاء المعركة حتَّى استقبله الأهالي وأدخلوه البلد وسلَّموه القلعة، فجلس فيها على تخت المُلك، وخُطب لهُ فيها على المنابر، وأقام فيها ثمانية عشر يومًا حتَّى سخَّر نواحيها، وعيَّن الوُزراء والقادة، وضرب النُقُود باسمه. وما أن بلغ ذلك إلى السُلطان حتَّى سار إلى دفع غائلة أخيه من طريق يني شهر، فأرسل إليه جَمّ عمَّة والدهما سُلجُوق خاتون بنت السُلطان مُحمَّد الأوَّل مع المولى أيَّاس البروسوي وأحمد چلبي بن شُكر الله، وحملت سُلجُوق خاتون رسالةً إلى السُلطان بايزيد عرض فيها جَمّ الصُلح على أخيه بِشرط اقتسام الدولة، فيحكم جَمّ البلاد الآسيويَّة في حين يحكم بايزيد البلاد الأوروپيَّة. رفض بايزيد عرض أخيه، وأخذ يستعد لِمُلاقاته، فأعاد سُلجُوق خاتون مُكرَّمةً إلى مُرسلها، وسار بِاتجاه بورصة. واستعدَّ جَمّ أيضًا لِلقتال، فتوجَّه إلى صوب يني شهر، وسيَّر في مُقدِّمته «كدك نصوح» ومُحمَّد چلبي بن أوزغور في جمعٍ من جيشه. وحاول بايزيد أن يحول دون إهراق الدماء، فأرسل من ينصح أخاه وعرض عليه ما يختار غير السلطنة، فلم ينتصح، وهكذا لم يعد هُناك مهربٌ من القتال. وكان الصدر الأعظم إسحٰق باشا قد أرسل في طلب كدك أحمد باشا المُحاصر لِأطرانط في جنوب إيطاليا، مُنذُ أواخر عهد السُلطان الفاتح، يُخبره بِوُجُوب الحُضُور على وجه السُرعة لِلقضاء على الفتنة، فاستجاب أحمد باشا، وأخذ الأُسطُول والقسم الأكبر من الجُنُود وغادر إيطاليا مُتوجهًا نحو الأناضول.
التقت طليعة السُلطان بايزيد بِقيادة بكلربك الأناضول سنان باشا مع مُقدِّمة الشاهزاده جَمّ، فاقتتلوا حتَّى انكسر أصحاب الأخير، وأُسر مُحمَّد چلبي مع أتباعه، واتُّفق حينذاك أنَّ كدك أحمد باشا وصل مع جُنُوده إلى ركاب السُلطان، فأكرمه الأخير وقلَّده إمارة جيشه. والتقى الفريقان عند نهر يني شهر في يوم السبت 22 ربيع الآخر 886هـ المُوافق فيه 19 حُزيران (يونيو) 1481م، فاشتبكوا في قتالٍ شديدٍ، وكان السُلطان ووُزراؤه قد خابروا سرًّا «لاله يعقوب بك بن أشتين»، مُدِّبر أُمُور جَمّ سُلطان يعدونه بِالجميل إن تخلَّى عن سيِّده وأعان بايزيد على الظفر به. ولمَّا اشتدَّ القتال فارق يعقوب جَمًّا وانحرف مع جمعٌ عظيمٌ من أتباعه إلى جانب السُلطان، فانكسر عسكر الشاهزاده العاصي، واستأمن أكثر من معهُ إلى السُلطان سوى القرمانيين الذين هربوا. وفي أثناء ذلك تخلَّص من الحبس الإنكشاريُّون الذين كانوا قد أُسروا مع أيَّاس باشا وسُجنوا في قلعة بورصة، فلحقوا بِجيش السُلطان، وتبعوا المُنهزمين إلى معبر «دربند أرمني». أمَّا الشاهزاده جَمّ فهرب في جمعٍ قليلٍ من أتباعه، وكان قد أُصيب بِجرحٍ في رجله، وفي أثناء هُرُوبه وثب عليه بعض أوباش التُركمان وسلبوه كُل ما كان معه، فأسرع الهرب حتَّى وصل إلى قونية، وقرَّر مُغادرة الأراضي العُثمانيَّة خوفًا من أن يُدركه أخيه. وفي غُضُون ذلك، حاصر فرديناند الأوَّل ملك النبلطان (ناپولي) قلعة أطرانط التي اعتصمت فيها بقيَّة الجيش العُثماني بِقيادة خير الدين باشا، بِنيَّة استردادها من المُسلمين. ولمَّا كان واضحًا أنَّ هذه الفئة القليلة لن تصمد أمام الحصار، فقد أرسل خير الدين باشا إلى الملك يُخبره بِأنَّهُ سيترك القلعة إذا سُمح لهُ بِرُكُوب السُفُن والمُغادرة دون تعرُّض لِأحدٍ من الجُنُود بِأذى، فوافق الملك، وأخذ الباشا جُنده البالغ عددهم 8,000 عسكري وخرج بهم عائدًا إلى الأراضي العُثمانيَّة. وهكذا لم يدم الحكم العُثماني في شبه جزيرة أبوليا سوى 13 شهرًا، ولم يلتفت السُلطان بايزيد وأيٌّ من السلاطين الذين تلوه إلى خطَّة فتح إيطاليا التي شرع بها السُلطان مُحمَّد الفاتح.
ما أن وصل جَمّ سُلطان إلى قونية، حتَّى حمل أهله وعياله وسار بهم في بقيَّة أتباعه من طريق جبل بلغار إلى بلاد بني رمضان، فتعرَّض لهُ على الطريق بعض قُطَّاع الطُرق من التُركمان الورساقيين(3) وسلبوه أمواله، ثُمَّ تابع طريقه حتَّى وصل إلى أضنة، فأكرمه الأمير الرمضاني عُمر بك، ثُمَّ سار منها إلى حلب حيثُ استقبلهُ نائب السلطنة الأمير أزبك الأتابكي. وأعلم الشاهزاده العُثماني الأمير سالِف الذِكر نيَّته بِالسفر إلى القاهرة، عاصمة الدولة المملوكيَّة، فأرسل الأمير إلى السُلطان قايتباي يستأذنه، فعاد الجواب بِالسماح لِجَمّ سُلطان بِدُخُول الديار المصريَّة، شرط أن يحضر في قليلٍ من عسكره. وهكذا سار جَمّ سُلطان من حلب إلى دمشق التي بالغ نائبُها في إكرامه، ثُمَّ تابع طريقه وزار بيت المقدس، ثُمَّ سار إلى غزَّة ومنها خرج يُريدُ مصر، فلمَّا أُخبر السُلطان قايتباي بِذلك أعدَّ العُدَّة لِمُلاقاته واستقباله، فأرسل إليه الأُمراء والأعيان ومُقدِّمي العساكر ورؤساء النُوَّاب والحُجَّاب فاستقبلوه استقبالًا حافلًا، وساروا به في موكبٍ كبيرٍ حتَّى طلع إلى قلعة الجبل ومثُل بين يديّ السُلطان المملوكي، الذي بالغ في تعظيمه وتطييبه، وأنزلهُ منزلة ولده، وأركبه فرسًا خاصًّا من مركوبه بِسرجٍ مُذهَّبٍ، ثُمَّ نزل من القلعةِ في موكبٍ حافلٍ يتقدَّمهُ الأُمراء ورُؤساء النُوَّاب، وكان لهُ يومٌ مشهود، إذ اصطفَّ أهالي القاهرة في الشوارع ورحَّبوا من صميم قلبهم بِابن فاتح القُسطنطينيَّة، الذي لفظوا اسمه «الجَمْجُمَة». وأُنزل الشاهزاده العُثماني بِدار ابن جلود، كاتب المماليك، الواقعة على خليج فم الخور(4). وكان المُؤرِّخ ابن إيَّاس قد رحَّب بِجَمّ سُلطان بِبيتين من الشعر قال فيهما:
وأمَّا السُلطان بايزيد فسار إلى بلاد القرمان ونزل في خارج قونية، وأعاد جميع البلاد التي سيطر عليها أخوه تحت جناح الدولة العُثمانيَّة، وأرسل كدك أحمد باشا في عقب جَمّ سُلطان، وأقطع القرمان لِولده الشاهزاده عبد الله، ثُمَّ قفل وعاد إلى دار مُلكه. وفي أثناء عودته طلب منه الإنكشاريَّة أن يسمح لهم بِالانتقام من أهل بورصة ونهبها مُجازاةً لهم على قُبُولهم بِالشاهزاده العاصي وحبسهم الجُنُود السُلطانيَّة، فلم يأذن لهم السُلطان في ذلك، وأعطى إلى كُلِّ نفرٍ منهم قرشين خوفًا من أن يُحدثوا فتنة، فاستكانوا. ولمَّا عاد السُلطان إلى إسلامبول حضر إليه جمعٌ من زُعماء أوباش التُركمان الذين كانوا قد أغاروا على جَمّ سُلطان ونهبوا أثقاله في معبر «دربند أرمني»، وطلبوا منهُ إحسانًا على ما فعلوه على اعتبار أنَّهم عاقبوا من عصى السُلطان. لكنَّ بايزيد أمر بِجمعهم وأنزل بهم عقابًا صارمًا على ما فعلوه، لِتعتبر وترتدع الرعيَّة عُمومًا وسائر القبائل التُركمانيَّة خُصُوصًا ولا تتجاوز من حدِّها وتتطاول على السلاطين وأولادهم مهما كان السبب. خِلال تلك الفترة، كان كدك أحمد باشا قد تعقَّب جَمّ سُلطان إلى هرقلة، وعلم وُصُوله إلى مصر، فعاد أدراجه وتوجَّه إلى قونية ثُمَّ إسلامبول حيثُ قلَّدهُ السُلطان الوزارة. أمَّا جَمّ سُلطان، وبعد أن أمضى في القاهرة نحو أربعة أشهر، عقد العزم على حج البيت الحرام، فخرج في ذي القعدة 886هـ مع موكب الحج تصحبه أُمُّه وعياله وعاد في مُحرَّم 887هـ، فكان أوَّل من حجَّ من آل عُثمان الذُكُور. ولم يلبث جَمّ سُلطان أن تقلَّق من إقامته بِمصر، وطلب التوجُّه إلى بلاده لِيُحارب أخيه، فجمع السُلطان قايتباي الأُمراء واستشارهم في ذلك، فحاول الجميع الحيلولة دون سفر الشاهزاده العُثماني، لكنَّهم فشلوا في إقناعه، فإذن لهُ السُلطان بِالسفر حينما يرغب، رُغم أنَّهُ كان كارهًا لِذلك.
أثناء الفترة التي انشغل فيها السُلطان بايزيد وأخيه بِالاقتتال، قرَّر آخر أُمراء بني قرمان، وهو قاسم بك بن إبراهيم، أن يستغلَّ الوضع ويُحاول استرداد مُلك آبائه المفقود. ومن المعروف أنَّ قاسم بك سبق هو وأخيه پير مُحمَّد أن أشهرا العصيان على الدولة العُثمانيَّة زمن السُلطان مُحمَّد الفاتح، وهُزما وضُمَّت بلادهما إلى جُملة الممالك العُثمانيَّة، ثُمَّ خضع قاسم بك لِلسُلطان في حين توجَّه پير أحمد إلى الشَّام وبقي فيها حتَّى مماته. واجتمع على قاسم بك كثيرٌ من أوباش التُركمان الورساقيين والطُرغُديين والقراسيين والقرمانيين، فسار بهم قاصدًا قونية، معقل الشاهزاده عبد الله بن بايزيد. وكان مُدبِّر شُؤون الشاهزاده المذكور هو الأتابك علي باشا الخادم، فخرج إلى قتال قاسم بك واشتبك معهُ في موضعٍ يُسمَّى «بروانة چايري»، ولم يقدر عليه لِكثرة من كان معهُ من الخارجين على الدولة، فرجع علي باشا إلى قونية وتحصَّن مع الشاهزاده عبد الله في قلعتها، ولم يلبث قاسم بك أن وصل المدينة وضرب الحصار عليها. وما أن بلغ ذلك إلى السُلطان بايزيد حتَّى سيَّر الوزير كدك أحمد باشا إلى الأناضول لِإخضاع قاسم بك ومن معه، فسار أحمد باشا في ألفيّ إنكشاريّ وأربعة آلاف عزبيّ وجميع عساكر الأناضول من أهل التيمار والسپاهية والسلحداريَّة، فهرب قاسم بك إلى هضبة «طاش إيلي» في قيليقية، مخبأ أجداده، لكنَّ أحمد باشا تبعهُ واشتبك معهُ حتَّى أجبره على الهُرُوب من مخبئه إلى طرسوس. توجَّه أحمد باشا بعد ذلك إلى مدينة لارندة وأرسل يُعلم السُلطان بالمُستجدَّات، وشتى في المدينة على أن يُكمل مُلاحقة الأمير العاصي في الربيع. أمَّا قاسم بك فكان قد بلغهُ عودة جَمّ سُلطان من الحج إلى مصر، فأرسل إليه قاصدًا وخدعهُ بِأنَّ الأُمراء والوُزراء ساخطون على السُلطان وأنَّ الرأي الصواب هو رُجُوع الشاهزاده إلى طلب المُلك، ثُمَّ سيَّر إليه جماعة من الأُمراء المُنافقين، على رأسهم أمير أنقرة مُحمَّد بك الطرابزُني، يحملون إليه كتابًا جاء فيه: «إِنَّ العُثمَانِيِّيْنَ سَاخِطُون عَلَى أَخِيكُمْ بَايَزِيدٌ، فَإِذَا جِئْتُم يُمْكِنُكُم أَن تَتَحَصَّلُوا عَلَى سَلْطَنَتِكُم الْمَوْرُوثَة»، فانخدع جَمّ سُلطان بِهذا الكلام وخرج من القاهرة يوم 6 صفر 887هـ المُوافق فيه 26 آذار (مارس) 1482م، وتوجَّه إلى الأناضول، بعد أن زوَّده السُلطان قايتباي بِخمسةٍ وستين ألف دوقيَّة.
وصل جَمّ سُلطان إلى حلب يوم 18 ربيع الأوَّل 887هـ المُوافق فيه 6 أيَّار (مايو) 1482م، حيثُ استقبلهُ قاسم بك، واجتمع عليه جمعٌ من الأُمراء العُثمانيين، فتوجَّه إلى أضنة ثُمَّ منها إلى أركلو، وبلغ ذلك السُلطان بايزيد، فأرسل إلى كدك أحمد باشا يلومه على تهاونه مع قاسم بك وعدم تتبعه، ويأمره بِالعودة إلى العتبة السُلطانيَّة بعد أن ينقل الشاهزاده عبد الله من قونية إلى أفيون قره حصار لِيحتمي في قلعتها من العُصاة الزاحفين. نفَّذ أحمد باشا المُهمَّة الموكلة إليه، وفي أثناء خُرُوجه من قونية صادف أمير أنقرة مُحمَّد بك الطرابزُني، فاقتتلا قتالًا يسيرًا، ثُمَّ انسحب أحمد باشا تاركًا الأمير سالِف الذِكر يُحاصر المدينة. وبعد أن أسكن الشاهزاده عبد الله في القلعة المُشار إليها، توجَّه عائدًا إلى عتبة السُلطان، فوجده زاحفًا بِنفسه إلى صوب قونيه، ولقيه بِناحية سيدي غازي. خِلال تلك الفترة، كان جَمّ سُلطان قد انضمَّ إلى الجيش المُحاصر لِقونية، ويُروى أنَّهُ وعد قاسم بك أنَّهُ لو بقي في جانبه وساعدهُ لِلحُصُول على مُلك آل عُثمان يرُدُّ لهُ بلاد أجداده، أي يُعيد إحياء الإمارة القرمانيَّة.
ولمَّا بلغ جَمًّا أنَّ السُلطان قد اقترب لِإنجاد المدينة المُحاصرة، سارع في الهرب مع قاسم بك، وترك مُحمَّد بك الطرابزُني خلفه، فاشتبك الأخير مع طليعة الجيش العُثماني بِقيادة والي أماسية سُليمان باشا، فقُتل مُحمَّد بك وفُكَّ الحصار عن قونية. وأرسل السُلطان أحد قادته، واسمه إسكندر باشا، في خمسة آلاف فارسٍ لِتعقُّب آثار جَمّ، فتبعهُ إلى أركلو لِيكتشف أنَّهُ هرب مع قاسم بك وتحصَّنا في هضبة «طاش إيلي». فما كان من السُلطان إلَّا أن أرسل جوابًا إلى أخيه ينصحه بِالكف عن القتال والإقلاع عن الأفكار الفاسدة، واقترح عليه أن يُقيم في بيت المقدس مع خواص رجاله، ويُخصَّص لهُ مدخولًا سنويًّا جليلًا قدره مليون آقچة يعتاش منه وأهله وعياله وحاشيته. لكنَّ جَمّ أبى هذا العرض، ولم يرضَ إلَّا بِحصَّةٍ من المُلك، فأجاب أخيه بأنَّهُ يقبل الصُلح إن أقطعهُ بعض الإيالات، فرفض بايزيد على اعتبار أنَّ مثل هذا الطلب لا يكون ورائه إلَّا انقسام الدولة، وأرسل أحد وُزرائه، وهو أحمد باشا بن هرسك، في جيشٍ إلى تسخير «طاش إيلي» والظفر بِجَمّ وقاسم بك. ولمَّا بلغ ذلك إلى جَمّ خاب أمله بِالوُصُول إلى مُبتغاه، ورغب بِالرُّجوع إلى مصر، فأرسل من أصحابه سُليمان الفرنجي إلى جزيرة رودس لِطلب المعونة على العُبُور بحرًا من شيخ الفُرسان الإسبتاريين بُطرس الأُبوسُّوني (بالفرنسية: Pierre d"Aubusson)، الشهير في المُؤلَّفات العُثمانيَّة باسم «ماصنوري». قَبِل شيخ الفُرسان تأدية هذه الخدمة، وأعاد سُليمان المذكور مع كتاب العهد وسفينة خاصَّة لِتُقلِّ جَمّ سُلطان، لكنَّ سُليمان نصح مخدومه بِألَّا يُقدم على العُبُور لِاستشعاره الغدر من الإسبتاريين، فتردَّد جَمّ لِفترة، ثُمَّ حمله بعض أتباعه على رُكُوب البحر، فاستمع إليهم وتوجَّه إلى رودس يوم 13 جُمادى الآخرة 887هـ المُوافق فيه 29 تمُّوز (يوليو) 1482م. أمَّا قاسم بك، فإنَّهُ لمَّا يئس من خلاص جَمّ، أرسل إلى العتبة السُلطانيَّة يلتمس العفو والصفح عمَّا بدر منه. فعفا عنهُ السُلطان بايزيد وأقطعهُ ناحية «إيج إيلي»، فبقي أميرًا عليها إلى أن وافاه الأجل سنة 888هـ المُوافقة لِسنة 1484م.
هبط جَمّ سُلطان في رودس في نفس اليوم الذي أقلع فيه من آسيا الصُغرى، وقابله أهل الجزيرة بِكُل تجلَّة واحترام، ثُمَّ صعد وقابل شيخ الإسبتاريين في قلعة القدِّيس بُطرس، فأكرمهُ وأقسم لهُ أن يُوصله إلى مصر. مكث جَمّ سُلطان وحاشيته في رودس طيلة 34 يومًا دون أن يُنفِّذ شيخ الفُرسان وعده، ثُمَّ حنث بِقسمه وأرسل الشاهزاده ومعيَّته إلى مدينة نيس بِفرنسا بعد رحلةٍ بحريَّةٍ دامت 46 يومًا، وهكذا بدأت إقامة جَمّ سُلطان في فرنسا التي قُدِّر لها أن تستمر ست سنوات وأربعة أشهُر، نُقل خلالها من قلعةٍ إلى أُخرى من قلاع الإسبتاريَّة. وعندما علِمت بعض الدُول الأوروپيَّة المُعادية لِلدولة العُثمانيَّة بِمجيء أخ السُلطان، حاولت الاستفادة من الخُصُومة الداخليَّة بينهما لِمُهاجمة أراضي الدولة، فطلب كُلٌ من ملك المجر متياس كورڤن، وملك فرنسا لويس الحادي عشر، ودوق البُندُقيَّة يُوحنَّا موسينيغو، وإمبراطور ألمانيا فريدريك الثالث، أن يُسلِّمهم الفُرسان الشاهزاده العُثماني لِيتخذوه ذريعةً لِلتدخُّل في شُؤون الدولة الداخليَّة. وفي سبيل الحيلولة دون استغلال جَمّ سُلطان ضدَّ الدولة العُثمانيَّة، أرسل السُلطان بايزيد وُفُودًا إلى رودس لِمُخابرة شيخ الإسبتاريَّة على إبقاء أخيه عندهم تحت الحفظ، وفي مُقابل ذلك يتعهَّد لهم السُلطان بِعدم التعرُّض لِاستقلال الجزيرة مُدَّة حياته، ويدفع لهم مبلغًا سنويَّا قدره 45 ألف دوقيَّة لِقاء نفقات العناية بِأخيه. فقبِل شيخ الفُرسان بِذلك وأُمضيت مُعاهدة بِهذا بين العُثمانيين والإسبتاريين يوم 26 شوَّال 887هـ المُوافق فيه 7 كانون الأوَّل (ديسمبر) 1482م. وأوفى الإسبتاريُّون بِوعدهم، فلم يقبلوا تسليم الشاهزاده لِأيٍّ من المُلُوك الأوروپيين، ولا لِلسُلطان قايتباي، الذي كان قد علم بِما جرى لِجَمّ سُلطان من الانكسار والوُقُوع بِأيدي الإسبتاريين فندم وحزن على السَّماح له بِالخُرُوج من مصر، وأرسل إلى الفُرسان يعدهم بِدفع مليون دوقيَّة لِقاء إرسالهم جَمّ إلى مصر، فلم يُوافقوا.
سُجِّل خِلال هذه الفترة مُراسلة جَمّ سُلطان لِبايزيد ورد الأخير عليه، وكانت رسالة جَمّ عبارة عن بيتين من الشعر دسَّهما في غمدٍ مُعبِّرًا عن مشاعره، وتعريبهما: «لِمَاذَا تَنَامُ بِالْوِرْدِ هَانِئًا مَعَ الْأَسِرَّةِ وَأَنَامُ عَلَى الرَّمَادِ فِي وَضْعِ مُهِينٍ؟» فردَّ عليه بايزيد بِسلاح الشعر أيضًا وقال: «لِأَنَّ الدَّوْلَةَ قِسْمَتُنَا مِنْ يَوْمِ الْأَزَل. لِمَاذَا لَا تُطَأطِئ بِرَأْسِك لِلْقَدْرِ؟ حَظِيتَ بِلَقَبِ حَاجِّ الْحَرَمَيْنِ، فَلِمَاذَا تَسْأَلُ عَنْ سُلْطَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ؟»، وذُكر هذا الصدام اللَّافت بين الأخوين بِاعتباره مثالًا على تمكُّن السُلطان والشاهزاده من القلم بِقدر تمكُّنهما من السيف. جديرٌ بِالذِكر أيضًا أنَّ جَمّ عُرف طيلة فترة إقامته بِفرنسا باسم «البرنس زيزيم» (بالفرنسية: Prince Zizim).