اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
الدكتورة أسماء غريب في هذه الرواية، استلهمتِ الوجودَ الإنسانيّ بمكوناته الماديّة والفكريّة والروحيّة، عبر استحضار الشخوص والأمكنة والأزمنة في حوار سرديّ؛ كراوية حيناً وكشخص حيناً آخر، يتكلّمُ عن نفسه من داخل الأحداث في رحلة روحانيّة عبر المدن والكواكب والنجوم، في غايةٍ للبحث عن ماهيّة الإنسان في وجوده الواقعيّ والماورائيّ، وفي حبكة خصبة متشعّبة ومتوّحدة بذاتها في آن، إنّها خَلقٌ في رواية، وروايةٌ في خَلق كونيّ، ليس لها غير أن تُخَلّق من تفاعل الروحانيّ المُحلِّق غير الملموس مع الفلسفي المُتسائِل دائماً وأبداً في حكمة الوجود الكونيّ للإنسان (ومن خلال المفاهيم والنصوص القرآنية التي تشير إليها والموروث الديني) مع العلميّ المُكتشِف للحقائق الملموسة عبر قوانينهِ الصارمة في الرياضيّات والفيزياء والفلك والكيمياء وعلوم الاتصالات وشبكاتها العنكبوتيّة، ودونما إهمالها للمتناول المنظور في الحياة الإنسانيّة اليوميّة، في المدينة والسّوق والبيت، وحياتها كإنسانة أحبّت أمَّها الثانية صقلية بعد أمّها المغرب، صقلية الروح، باعتبار أنّ للمدن أرواح أيضاً. صقلية ذات الألوان التي دلّتها على العطاء والخصوبة في كل شيء، والتي رعتها كإنسانة وأديبة مفكّرة عارفة بالعلم الربّاني، صقلية البداية والتخطيط والرعاية والسند لهذه الرحلة الكونيّة برفقة الإدريسيّ العارف الجغرافي رفيق أسفار القلب إلى بلوتو الكوكب المقبرة للعارفين الصالحين ومنه إلى الكواكب الأخرى بمسمّياتها وصفاتها وغايات وجودها في العلاقة بالإنسان وخلقه وولادته ومصيره في الحياة، إنّها رحلة الروح عبر أبجديّة خطّتها النقطة، تحت عناية الإله العزيز ربّنا وربّ العالمين، النقطة أساس الوجود والرقم الذي يتوازن به الكون والحرف صديقها الأثير الذي أدهشها بكلّ تفاصيله الظاهريّة والباطنيّة. علاوة على المنافع الفكرية والفلسفية والأدبية لهذا العمل الثري العطاء، تهدف الكاتبة من هذا السفر الرّوائي إلى صلاح الإنسان أين ما حلّ وكان، عبر رسالة في السّلام الرّوحي؛ تبدأ من داخل الإنسان وفهمه لنفسه، ليعرف بعدها مكانه الحق بين الكواكب والنجوم، وتُناشد الأديب والكاتب بمعنى النخبة في المجتمع، وعلى اعتبار أنّ أزمة المجتمع تبدأ من أزمة المثقّف فيه، قبل كلّ شيء، لذا تقول له : غص في نفسك وتعرّف على جسدك، عانق حرفك واكتب بماء النور، لا بدّ من الله، لا بدّ من الحرف، لا بد من الكتابة فوق الماء. وأنتِ أيّتها المرأة لا يغرّك وهم الحريّة المفرطة وخدعة المساواة مع الرجل، وأنت أيّها الرّجل عش في توازن عقلاني مع زوجتك وعائلتك لما فيه من خير للذات والعائلة والمجتمع. وأنت أيها المتصوّف انتبه لمأكلك ونومك وراحتك الجسديّة، وحياتك مع الدنيا والناس فمنهما صلاح النفس والروح، مصداقا لقول الإمام عليه السلام: اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنّك تموت غدأً. وأنتم أيّها الفقهاء لماذا تُلقَّبون بالعلماء والعلماء في العلوم البحته يُلقّبون بالدكاترة؟ أليس الفيزياء لغة الله والأديان لغة الانسان! علاوة على كل ما ذكر، تؤشر الكاتبة من خلال مطبخها البيتي وفهمها وخبرتها المتأنية في المفيد من الغذاء لما فيه من منفعة صحيّة للجسد وانعكاسها على التوازن النفسي والروحي. (د. كريم حميد الدّرّاجي)