اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
الفوسفور هو عنصر كيميائي رمزه P وعدده الذرّي 15، ويقع ضمن عناصر الدورة الثالثة وفي المجموعة الخامسة عشر (المجموعة الخامسة وفق ترقيم المجموعات الرئيسية) في الجدول الدوري، حيث يقع في المرتبة الثانية في مجموعة النتروجين، بالتالي فهو من النكتوجينات. يصنّف الفوسفور كيميائياً ضمن اللافلزّات، وهو يوجد بشكله الحرّ بعدّة أشكال (متآصلات)، أشهرها الفوسفور الأبيض والأحمر؛ إلّا أنّه بسبب التفاعلية والنشاط الكيميائي الكبير فهو لا يوجد بشكله الحرّ في الطبيعة، إنّما يدخل في تركيب مركّبات كيميائية مختلفة. يصل تركيز الفوسفور في القشرة الأرضية إلى حوالي غرام واحد لكل كيلوغرام؛ وغالباً ما يوجد بشكل مرتبط مع الأكسجين على شكل فوسفات.
عُزلَ هذا العنصر لأوّل مرّة سنة 1669 على شكل فوسفور أبيض، وبسبب إصداره لوميضٍ خافتٍ عند تعرّضه للأكسجين فقد سمّي بهذا الاسم من الإغريقية Φωσφόρος (فوسفوروس)، والتي تعني حامل الضوء، وذلك بشكل يشير إلى نجمة الصباح، أي كوكب الزهرة.
يعدّ الفوسفور عنصراً أساسياً للحياة، حيث يدخل في تركيب الفوسفات 3−PO4، والذي بدوره يعدّ من المكوّنات الأساسية للحمض النووي الريبوزي منقوص الأكسجين (DNA) وللحمض النووي الريبوزي (RNA) وأدينوسين ثلاثي الفوسفات (ATP) وكذلك للدهون الفوسفورية. كما تعدّ التراكيز المنخفضة من الفوسفات ضرورية للنمو عند بعض الأحياء المائية. تصف دورة الفوسفور حركة هذا العنصر في الغلاف الصخري والغلاف المائي والمحيط الحيوي على سطح الأرض. يُستحصَل على الفوسفور من معادن الفوسفات، ويستخدم بشكل أساسي في صناعة الأسمدة؛ وكذلك في صناعة المنظّفات ومبيدات الآفات وغيرها من الصناعات الأخرى.
لتسمية الفوسفور جذورٌ إغريقية، فقد كانت تطلق تسمية «فوسفوروس» في اليونان القديمة على كوكب الزهرة. تُشتقّ تسمية «فوسفوروس Φωσφόρος» من الجذر فوس φῶς بمعنى ضوء، ومن فيرو φέρω بمعنى حامل، وبذلك يكون المعنى تقريبيّاً «حامل الضوء». استُخدِم اسم فوسفوروس في الأساطير اليونانية لتجسيد نجمة الصباح، وذلك بشكلٍ مماثلٍ لاستخدام هسبيروس لتجسيد نجمة المساء.
كان عنصر الفوسفور أوّل العناصر الكيميائية المكتشفة في العصر الحديث؛ ويُنسَب الاكتشاف إلى الألماني هينيغ براند سنة 1669، رغم وجود الاعتقاد أنّ العنصر يمكن أن يكون قد اكتُشِف من كيميائيين آخرين في نفس تلك الفترة. كان براند يعمل في مدينة هامبورغ، وكان يقوم ببعض التجارب على البول وذلك بهدف الحصول على حجر الفلاسفة؛ إلا أنه لك يكن يعلم حينئذٍ أنّ البول يحوي طبيعياً على الفوسفور على هيئة فوسفات منحلّة نتيجةً لعمليات الاستقلاب؛ بالتالي، وبتلك العملية حصل براند على مادّة بيضاء توهّجت في الظلمة واحترقت بشكلٍ خلّاب؛ فأسماها «phosphorus mirabilis»، والتي تعني تقريباً حاملة الضوء المعجزة. تضمّنت طريقة براند ترك البول لعدّة أيّام إلى أن أصدرَ رائحةً كريهةً جدّاً، ثم قام بغليه حتّى تحوّل إلى قوامٍ هلاميٍّ، ثم قام بتسخين هذا الهلام إلى درجات حرارة مرتفعة وقام بتمرير الأبخرة في الماء. بذلك استحصل براند على المادّة الشمعية البيضاء، والتي هي عنصر الفوسفور بالنهاية. وفق المعطيات العلمية الحديثة يمكن تفسير أن براند كان قد استخلص مركّب «فوسفات الصوديوم والأمونيوم الهيدروجينية» NH4)NaHPO4). وإذا كانت الكمّيّات الموصوفة صحيحة فقد تطلّب منه تقطير حوالي 1100 ليتر من البول للحصول على 60 غرام من الفوسفور، على الرغم من أنّ البيانات الحديثة بَيّنت أنّ البول يحوي على نسبة مقاربة من هذا المركّب، إلّا أنّه لم يكن من الضروري ترك البول ليتعتّق.
تكتّمَ براند في البداية على هذه الطريقة، ولم يَبُحْ بها لأحد؛ إلّا أنّه باع الوصفة فيما بعد بملبغ 200 تالر إلى شخص يدعى يوهان دانييل كرافت من مدينة دريسدن الألمانية، والذي تمكّن وفقها من الحصول على الفوسفور أيضاً، فطاف بها أرجاء أوروبا متأمّلاً كسبَ بعض المال. تسرّبت أنباء أنّ هذه الطريقة تستخدم البول مادّةً أوّليةً إلى أسماع عدّة علماء في تلك الفترة، منهم يوهانس كونكل في السويد (سنة 1678) ولاحقاً روبرت بويل في إنجلترا (سنة 1680)، والذي تمكّن من الحصول على الفوسفور بهذا الأسلوب، وغالباً بمعاونة من مساعده أمبروس غودفراي-هانكفيتز ، إذ أن الأخير بدأ بمشروع صناعي للحصول على الفوسفور بناءً على هذا الأسلوب. قام بويل بنشر هذا الاكتشاف؛ ثم قام لاحقاً بتطوير طريقة براند الأصلية عن طريق استخدام الرمل بالإضافة إلى الفحم.
كان بويل أيضاً أوّل من استخدم الفوسفور لإيقاد عيدان خشبية على رأسها قطع من الكبريت سنة 1680، وذلك بأسلوب كان رائداً في تطوير صناعة عيدان الثقاب. بسبب التلقائية الكبيرة للاشتعال عند تعريضه للهواء كان يطلق على الفوسفور أحياناً «عنصر الشيطان».
في سنة 1769 بيّّنَ يوهان غوتليب غان وكارل فلهلم شيله أنّ فوسفات الكالسيوم Ca3(PO4)2 يوجد في العظام، وتمكّنا من الحصول على الفوسفور من رماد العظام. بعد ذلك قام أنطوان لافوازييه بإدراج الفوسفور ضمن لائحة العناصر الكيميائية التي وضعها سنة 1777. اكتشفت متآصلات الفوسفور الأخرى في القرن التاسع عشر؛ فتمكّن أنتون شروتر سنة 1847 من وصف الفوسفور الأحمر؛ أمّا الفوسفور البنفسجي فتمكّن يوهان فيلهلم هيتورف من استحصاله أوّل مرّة سنة 1865؛ في حين قام بيرسي ويليامز بريجمان باستحصال الفوسفور الأسود أوّل مرّة سنة 1914.
كان رماد العظام مصدراً رئيسياً للفوسفور حتى أواسط القرن التاسع عشر، وكانت الطريقة تعتمد على تحميص العظام، ثمّ بوضعها داخل معوّجات فخّارية ضمن أفران آجرّية ساخنة جدّاً بهدف التخلّص من منتجات الفوسفور السامّة. بشكلٍ آخر، كانت العظام تعالج بالأحماض القويّة المركّزة؛ ثم تسخّن مع الرمل والفحم في معوّجات بهدف تقطير الفوسفات المترسّبة للحصول على الفوسفور؛ في حين أنّ الغازات المستحصلة وفق تلك العملية، مثل أحادي أكسيد الكربون، كانت تحرق في المداخن.
منذ أواسط القرن التاسع عشر جرى التركيز على مصدرٍ جديدٍ للفوسفور وهو الاستحصال من ذرق الطيور في الجزر الاستوائية في أمريكا الجنوبية، ممّا ولّد صراعات سياسية جديدة في ذلك الحين، تمثلت بإصدار قانون جزر غوانو في الولايات المتّحدة، واندلاع حرب جزر تشينتشا بين إسبانيا ومستعمراتها السابقة في أمريكا الجنوبية. كان الحصول على الفوسفات من هذا المصدر مهمّاً من أجل تحضير الأسمدة منذ النصف الثاني للقرن التاسع عشر. في نفس تلك الفترة جرى اكتشاف صخر الفوسفات (الفوسفوريت) الحاوي على فوسفات الكالسيوم، كما تزامن الاكتشاف مع تطوير جيمس ريدمان لنوعٍ خاصٍّ من فرن القوس الكهربائي للحصول على الفوسفور من هذه الخامة سنة 1888؛ وبذلك تحوّلت الجهود للحصول على عنصر الفوسفور من تسخين رماد العظام إلى الإنتاج من صخر الفوسفات بأفران القوس الكهربائية؛ خاصّةً بعد أن نضبت مصادر الحصول على الفوسفات من مصادر عضوية، وأصبح الإنتاج غير مجدٍ اقتصادياً.
جرى التفكير باستخدام الفوسفور في صناعة الأسلحة بعد التمكّن من الحصول على هذا العنصر بكمّيّات جيّدة وفق هذه الطريقة الحديثة. ففي الحرب العالمية الأولى استُخدِم الفوسفور في صناعة القنابل الحارقة وفي إصدار الستار الدخاني وكذلك في صناعة الطلقات الخطّاطة. أمّا في الحرب العالمية الثانية فاستُخدِم الفوسفور في تحضير الزجاجات الحارقة، كما توسّع استخدام القنابل الفوسفورية الحارقة بشكل أكبر من ذي قبل، خاصّةً أنّه من الصعب إطفاؤها. استُخدِم الفوسفور الأبيض في البداية في صناعة أعواد الثقاب، وكان ذاك أمراً خطيراً ترافق مع وقوع عدّة حوادث؛ مثل حدوث نخر لعظام الفكّ لدى العمال . بعد اكتشاف طريقة آمنة لتصنيع أعواد الثقاب من الفوسفور الأحمر جرى الحثّ على تطبيقها على نطاق صناعي.
تزايد الإنتاج بعد الحرب العالمية الثانية، ولا يزال الإنتاج متزايداً بشكل مطّرد، إذ لم يتمّ الوصول إلى ذروة الفوسفور بعد؛ خاصّةً أنّ صخر الفوسفات لا يزال مادّةً أساسيةً في صناعة الأسمدة، حيث يعالج مع حمض الكبريتيك للحصول على منتجات سوبر فوسفات المختلفة.
يُنتَج الفوسفور في المستعرات العظمى في عمليات التخليق النووي داخلها؛ ووُجِدَ أنّ نسبة الفوسفور إلى الحديد في بقايا المستعرات العظمى أعلى بحوالي 100 مرة ممّا هو في أجرام درب التبانة على العموم.
يصل تركيز الفوسفور في القشرة الأرضية إلى 0.09%، أي حوالي 1 غرام لكل كيلوغرام؛ وهو لا يوجد بشكله الحرّ في الطبيعة، إنّما مرتبطاً في الغالب مع الأكسجين في عدّة معادن على شكل فوسفات. يعدّ صخر الفوسفات اللاعضوي المصدر الأساسي للإنتاج العالمي من الفوسفور، وهو يتكوّن بشكلٍ أساسي من الأباتيت (Ca5(PO4)3(F,Cl,OH (شكل من أشكال فوسفات الكالسيوم). توجد معادن أخرى للفوسفات، ولكن بوفرةٍ أقلّ، مثل الويفيليت Al3(PO4)2(OH)3·5H2O والفيفيانيت Fe3(PO4)2·8H2O. ينتشر صخر الفوسفات بشكلٍ واسعٍ في المنطقة العربية، وذلك في دول شمال أفريقيا وفي بلاد الشام؛ كما ينتشر في عدّة مناطق أخرى من العالم مثل الولايات المتحدة والصين وجنوب أفريقيا وغيرها.
يحوي ذرق الطيور البحرية على كمّيّات جيّدة نسبياً من الفوسفات العضوي بنسبةٍ تصل إلى حوالي 40%. كانت توضّعات الغوانو كبيرةً نسبياً في منتصف القرن التاسع عشر، خاصّةً في الجزر الاستوائية، حيث جرى الاتّجارُ بها مصدراً للفوسفات قبل اكتشاف المصدر اللاعضوي من صخر الفوسفات. كما توجد أيضاً نسبة من الفوسفات في الحمأة وفي الحتات.
تتفاوت المخاطر الناجمة عن الفوسفور بين الفوسفور العنصري ومركّباته الكيميائية، وخاصّةً مركّباته العضوية. تشمل مركّبات الفوسفور العضوية على العموم طيفاً واسعاً من المواد، إذ في حين أنّ العديد منها ضروريٌ للحياة؛ إلّا أنّ البعضَ الآخر سامّ للغاية، فعلى سبيل المثال تعدّ إسترات الفلوروفوسفات من بين أكثر السموم العصبية تأثيراً. تُستخدَم مركّبات الفوسفور العضوية نظراً لسمّيتها بشكل واسع في صناعة مبيدات الآفات (مبيدات الأعشاب والحشرات والفطريات وغيرها)؛ كما تستخدم أحياناً في صناعة الأسلحة. بالمقابل فإنّ أغلب مركّبات الفوسفات اللاعضوية هي غير سامّة.
يمثّل الفوسفور الأبيض خطراً كبيراً، لأنّه يشتعل تلقائياً في الهواء، وذلك عند درجة حرارة حوالي 30 °س، وهي قريبةٌ من درجة حرارة الغرفة؛ كما أنّ تفاعل الأكسدة (الاحتراق) إلى خماسي أكسيد الفوسفور هو تفاعل طارد للحرارة بشكلٍ كبير. يمكن أن يؤدّي التماس مع الماء والهيدروكسيدات القلوية إلى تشكّل غاز الفوسفين السامّ ومشتقات ا