اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
الدَّولةُ الطُّولُونِيَّة أو الإِمَارَةُ الطُّولُونِيَّة أو دَوْلَةُ بَنِي طُولُون، وتُعرفُ اختصارًا وفي الخِطاب الشعبي باسم الطولونيُّون، هي إمارة إسلاميَّة أسَّسها أحمد بن طولون التغزغزي التُركي في مصر، وتمدَّدت لاحقًا باتجاه الشَّام، لِتكون بِذلك أول دُويلة تنفصل سياسيًّا عن الدولة العبَّاسيَّة وتتفرَّد سُلالتها بِحُكم الديار المصريَّة والشَّاميَّة. قامت الدولة الطُولونيَّة خِلال زمن تعاظم قُوَّة التُرك في الدولة العبَّاسيَّة وسيطرة الحرس التُركي على مقاليد الأُمور، وهو ذاته العصر الذي كان يشهد نُموًا في النزعة الشُعوبيَّة وتغلُّب نزعة الانفصال على شُعوب ووُلاة الدولة مُترامية الأطراف، فكان قيام الدولة الطولونيَّة إحدى النتائج الحتميَّة لِتنامي هذا الفكر.
نشأ مُؤسس هذه السُلالة، أحمد بن طولون، نشأةً عسكريَّةً في سامرَّاء التي كانت حاضرة الخِلافة الإسلاميَّة حينها، ولمَّا عيَّن الخليفة أبو عبد الله المُعتز بالله الأمير بايكباك التُركي واليًا على مصر في سنة 254هـ المُوافقة لِسنة 868م، وقع اختيار بايكباك على ابن زوجته أحمد بن طولون لِيكون نائبًا عنهُ في حُكم الولاية. ومُنذُ أن قدم ابن طولون مصر، عمل على ترسيخ حُكمه فيها. وكان يتخلَّص من سُلطة الوالي الأصيل بِإغرائه بالمال والهدايا التي كان يُرسلها إليه. وعندما طلب إليه الخليفة أبو إسحٰق مُحمَّد المُهتدي بالله أن يتولَّى إخضاع عامل فلسطين المُتمرِّد على الدولة، سنحت لهُ الفُرصة التي كان ينتظرُها، فقد أنشأ ابن طولون جيشًا كبيرًا من المماليك التُرك والرُّوم والزُنوج ودعم حُكمه به. وقد أخذ من الجُند والنَّاس البيعة لِنفسه على أن يُعادوا من عاداه ويُوالوا من والاه. وبِفضل هذا الجيش استطاع أن يقضي على الفتن الداخليَّة التي قامت ضدَّه، واستطاع أن يرفض طلب وليُ عهد الخليفة أبا أحمدٍ طلحة بن جعفر المُوفَّق بالله الذي كان يستعجله إرسال المال لِيستعين به على القضاء على ثورة الزُنج بالبصرة. ومُنذُ ذلك الوقت أصبحت دولة ابن طولون مُستقلَّة سياسيًّا عن الخِلافة العبَّاسيَّة. وعندما طلب الخليفة إلى ابن طولون أن يتخلَّى عن منصبه إلى «أماجور» والي الشَّام، رفض ابن طولون ذلك، وتوجَّه إلى الشَّام وضمَّها إلى مصر.
لم يُفكِّر ابن طولون بعد استقلاله السياسي عن الخِلافة، بالانفصال الديني عنها لأنَّ الخِلافة مثَّلت في نظره وفي نظر جمهور المُسلمين ضرورة دينيَّة لاستمرار الوحدة الإسلاميَّة، ولِأنَّها تُشكِّلُ رمزًا يربط أجزاء العالم الإسلامي المُختلفة، فحرص على أن يستمرَّ الدُعاء للخليفة العبَّاسي على منابر المساجد في مصر والشَّام، واعترف بسُلطته الروحيَّة والدينيَّة. وشرع أحمد بن طولون في القيام بِأعمالٍ عُمرانيَّة تُعبِّرُ عن مدى اهتمامه الشديد بِمصر، وتعكس تطلُّعاته إلى إقامة إمارته الخاصَّة، فأسس ضاحيةً لِلفسطاط هي القطائع اتخذها عاصمةً لِإمارته، وبنى فيها مسجده المشهور، وقوَّى الجبهة الدَّاخليَّة من خِلال تنمية موارد الثروة، ومُضاعفة الدخل في ميادين الإنتاج، وأصلح أقنية الري، والسُدود الخرِبة. وبعد وفاة ابن طولون جاء ابنه خُمارويه الذي لم تُفلح دولة الخِلافة في أن تُزيح حُكمه عن الشَّام، فاضطرَّت إلى أن تعقد معهُ مُعاهدة صُلح ضمنت للدولة الطولونيَّة حُكم مصر والشَّام مُقابل جزية تؤديها. وبعد خُمارويه الذي مات اغتيالًا في دمشق، تولَّى الحُكم ولداه أبو العساكر جيش ثُمَّ هٰرون. ولم يكن هٰرون قادرًا على مُقاومة هجمات القرامطة الذين أخذوا يُغيرون على المُدن الشَّاميَّة، فاضطرَّ الخليفة أبو أحمد علي المُكتفي بِالله إلى أن يُنقذ دمشق من القرامطة بِجُيوشٍ يُرسلها من العراق. وكان انتصار المُكتفي على القرامطة تجربةً ناجحةً دفعتهُ إلى أن يتخلَّص من الحُكم الطولوني العاجز، فوجَّه قُوَّاته البحريَّة والبريَّة إلى مصر، فدخلت الفسطاط وأزالت الحُكم الطولوني الذي دام 37 سنة، وأعادت مصر إلى كنف الدولة العبَّاسيَّة.
ترجعُ أُصول أحمد بن طولون إلى قبيلة التغزغز التُركيَّة، وتحديدًا إلى أُسرةٍ كانت تُقيمُ في بُخارى. كان والدهُ «طولون» الذي نُسبت إليه الدولة التي أسسها أحمد لاحقًا، كان مملوكًا جيء به إلى نوح بن أسد الساماني عامل بُخارى وخُراسان، فأرسلهُ بِدوره هديَّةً إلى الخليفة المأمون مع من أُرسل من المماليك التُرك في سنة 200هـ المُوافقة لِسنة 816م. أُعجب الخليفة المأمون كثيرًا بهذا المملوك التُركي الذي ظهر عليه علامات النجابة والإخلاص، فحظي عنده، وازدادت مكانته لديه، فأسند إليه وظائف عدَّة نجح في إدارتها بِشكلٍ لافت، فعيَّنهُ رئيسًا للحرس، ولقَّبهُ بِأمير الستر، واستمرَّ مُدَّة عشرين سنة يشغل هذا المنصب الهام. أنجب طولون عددًا من الأبناء من بينهم أحمد الذي يُكنى بِأبي العبَّاس، الذي وُلد في 23 رمضان 220هـ المُوافق فيه 22 آب (أغسطس) 835م في بغداد من جاريةٍ تُدعى «قاسم»، ونشأ في كنف والده ورعايته مُختلفًا عن نشأة أقرانه أولاد العجم، فحرص على الابتعاد عن جو التُرك العابثين والآثمين، وكان يعيبُ عليهم ما يرتكبوه من مُنكرات، فاشتهر بين معارفه بالتقوى والصلاح، وبنفس الوقت بالشدَّة والقُوَّة والبأس نظرًا لِتربيته العسكريَّة. ويبدو أنَّ الحاجة كانت ماسَّة في ذلك الوقت إلى ضابطٍ شابٍ يخدم في ثغر طرسوس، لهُ بأس لِقاء العدو والرغبة في الجهاد، ولهُ من التقوى ما يُناسب الجو الديني الخالص الذي شاع في المدينة، نظرًا لِلأهميَّة الاستراتيجيَّة والعسكريَّة الفريدة لِهذه المدينة الواقعة على الحُدود بين آسيا الصُغرى والشَّام، حيثُ تلتقي بلادُ المُسلمين ببلاد البيزنطيين؛ وفي نفس الوقت كان أحمد بن طولون قد طلب من الوزير عُبيد الله بن يحيى أن يكتب لهُ أرزاقهُ في الثغر سالِف الذِكر، وعرَّفهُ رغبتهُ في المقام به، فوافق على طلبه وكتب لهُ به. بناءً على هذا، خرج أحمد بن طولون إلى ثغر طرسوس وقضى فيه سنوات شبابه بعيدًا عن الوسط التُركي في العراق، وأخذ العلم والحديث والآداب عن كِبار العُلماء الطرسوسيين، كما تزوَّج وأنجب، وتطلَّع إلى الاشتراك في الصوائف التي كانت تغزو الروم، كما تعرَّف عن قُرب على الشَّام وما كانت تمتاز به من الأهميَّة العسكريَّة، ورُبما كانت أيَّامهُ الأولى فيها فاتحة طُموحه في تولِّيها مع مصر.
خطا أحمد بن طولون خُطواته الأولى نحو الشُهرة عندما تُوفي والده في سنة 240هـ المُوافقة لِسنة 854م وهو في العشرين من عُمره. فقد فوَّض إليه الخليفة العبَّاسي المُتوكِّل ما كان لِأبيه من الأعمال العسكريَّة المُختلفة، وسُرعان ما أُتيح له أن يستولي على إمرة الثُغور ودمشق وديار مصر. وعلى هذا الشكل دخل أحمد بن طولون في خضم الحياة السياسيَّة المُضطربة آنذاك في العراق، وهو يتمتَّع باحترام التُرك وثقتهم، كما نال ثقة الخِلافة واحترامها، فكانت علاقته بِكُلٍ من الخليفتين المُتوكِّل والمُستعين جيِّدة، وقد بدأت صلته بِهذا الأخير خِلال عودته من طرسوس، عندما انضمَّ إلى قافلة تجاريَّة قادمة من بيزنطة تحملُ طرائف ومتاع روميَّة للخليفة، فأنقذها من قُطَّاع طُرقٍ أعراب تعرَّضوا لها في منطقة الرها، فاحتفظ لهُ الخليفة بالجميل ومنحهُ ألف دينار. وكان أحمد بن طولون على العكس من الكثير من قادة الحرس التُرك، يُظهرُ احترامه وتقديره للخليفة إن دخل عليه أو تحدث عنه. وعندما نُفي الخليفة إلى واسط، نتيجة صراعه مع المُعتز والتُرك، سمح له هؤلاء باصطحاب أحمد بن طولون معه، فكان رفيقه في مُعتقله، ولا شكَّ بأنَّ هذا الاختيار وقُبول التُرك به كمُرافق للخليفة، مردَّهُ إلى الثقة التي حصل عليها من الجميع. وأثبت أحمد بن طولون أنه جديرٌ بِهذه الثقة، فعامل الخليفة المُستعين بالحُسنى، ورفض طلبًا لِقبيحة، والدة المُعتز، بِقتله مُقابل تقليده واسط، وكان جوابه: «لًا يَرَانِي اللهُ أَقْتُلُ خَلِيْفَةً لَهُ فِي رَقَبَتِي بَيْعَةٌ وَأَيْمَانٌ مُغَلَّظَةٌ أَبَدًا»، فسلَّم الخليفة سليمًا لِأعدائه وهو يُدركُ مصيرهُ المحتوم. وكان لِموقفه هذا الأثر الكبير في نُفوس التُرك فأعظموا فيه دينهُ وعقله، وكبُر في نظرهم، وباتوا يتطلَّعون إلى هذا الشَّاب ليتسلَّم زعامتهم، كما عُظم في أعيُن البغداديين.
برز بايكباك التُركي على المسرح السياسي على أثر الصراع الذي انتهى بِمقتل الخليفة المُستعين وتولية المُعتز. وكان هذا القائد التُركي في مُقدِّمة القادة التُرك الذين أداروا هذا الصراع، وقد تقاسموا الأعمال والنواحي فيما بينهم. فأقطع المُعتز بايكباك أعمال مصر ونواحيها، ويبدو أنه خشي مُغادرة عاصمة الخِلافة حتَّى لا يتعرَّض للعزل، وآثر أن يبقى قريبًا من مركز السُلطة يُشارك في اتخاذ القرارات، وأناب عنهُ أحمد بن طولون في مصر، وقد فضَّلهُ على غيره لما عُرف عنه من حُسن السيرة وبِفعل قرابته له، فهو زوج أُمِّه. سار أحمد بن طولون إلى مصر بِرفقة أحمد بن مُحمَّد الواسطي، ودخلها يوم الأربعاء 23 رمضان 254هـ المُوافق فيه 15 أيلول (سپتمبر) 868م. وكانت السياسة السائدة آنذاك أن يتولَّى السُلطة في مصر أكثر من شخصٍ حتَّى يُراقب بعضهم بعضًا. فكان عامل الخِراج أحمد بن مُحمَّد بن المُدبِّر، ذو السيرة السيرة السيِّئة في المُجتمع المصري بِفعل شدَّته وقسوته، وهو من دُهاة الناس وشياطين الكُتَّاب. وكان شُقير الخادم على البريد، وهو غُلامُ قبيحة والدة المُعتز، يُراقبُ أعمال كبار المُوظفين وسُلوك النَّاس ويُعلمُ الخِلافة بذلك، وهو دائمًا يدسُّ بين هذه القوى المُتعددة، وكان بكَّار بن قُتيبة على القضاء، وعلى الإسكندريَّة إسحٰق بن دينار، وعلى برقة أحمد بن عيسى الصعيدي. وما أن استقرَّ أحمد بن طولون في الفسطاط حتَّى اصطدمت مصالحه مع هذه القوى، فساءت علاقته بابن المُدبِّر الذي حاول استقطابه بِعشرة آلاف دينار، فرفض ابن طولون الهديَّة وردَّها بِفعل أنه دخل مصر وهو مُفعم بِتطلُّعات سُلطويَّة تفوق كُلَّ حد. أدرك ابنُ المُدبِّر أنَّهُ أمام رجلٍ طموحٍ قد يُشكِّلُ خطرًا عليه، فراح يُحيكُ المُؤامرات للتخلُّص منه أو إبعاده عن مصر، فأرسل تقريرًا إلى دار الخِلافة أوضح فيه بأنَّ أحمد بن طولون رجلٌ لا يُؤتمنُ لا على ولاية مصر ولا حتَّى على طرفٍ من الأطراف واتهمهُ بأنَّهُ ينوي الاستقلال بِمصر.
تصدَّى أحمد بن طولون لِهذه المُؤامرة التي صاغها ضدَّه ابن المُدبِّر واستقطب بعض التُجَّار في مصر والعراق، فاستخدمهم لاستمالة أولي الأمر في بغداد عن طريق بذل المال، وقد نجح في هذا المضمار حيثُ مكَّنتهُ هذه السياسة من الاستمرار في حُكم مصر على الرُغم من كثرة الوُشاة والكُتب المُتلاحقة من ابن المُدبِّر وشُقير الحاجب، كما كانت دعمًا آخر له إضافةً إلى دعم بعض القادة التُرك المُهيمنين على مُقدرات الخِلافة مثل بايكباك ويارجوخ. واستمال أحمد بن طولون الوزير الحسن بن مُخلَّد عن طريق بذل المال أيضًا، فأرسل لهُ هذا الكُتب التي كان يبعثها ابن المُدبِّر وشُقير الحاجب ضدَّه. وبهذا الأُسلوب السياسي كشف ابن طولون أعداءه واطلع على حقيقة موقفهم منه، لِذلك قرَّر التخلُّص منهم حتَّى تخلو له الساحة السياسيَّة، فاستدعى شُقير الحاجب واعتقله، ولم يستحمل الأخير هول الصدمة، فمات. التفت أحمد بن طولون بعد ذلك إلى التخلُّص من ابن المُدبِّر بِفعل خطره عليه ووُقوفه حجر عثرة في وجه مشروعاته الكُبرى في مصر، فكتب إلى الخليفة المُهتدي يطلب منه صرفه عن خراج مصر وتعيين مُحمَّد بن هلال مكانه، وهو أحد أصدقائه. ولمَّا كان بايكباك مُهيمنًا على دار الخِلافة، فقد وافق الخليفة على طلبه. وساعدت الظُروف السياسيَّة، التي حدثت في بغداد، أحمد بن طولون في تثبيت أقدامه في مصر، فقد حدث أن قُتل بايكباك في سنة 256هـ المُوافقة لِسنة 870م وخلفه القائد التُركي يارجوخ وهو ختن ابن طولون، فكتب إليه: «تسلَّم من نفسك لِنفسك»، وهي إشارة واضحة لِتسليمه مصر كُلَّها، ولكنَّهُ استثنى الخراج الذي ظلَّ بِيد أحمد بن المُدبِّر، الذي أضحى محدود السُلطة في ظل هيمنة ابن طولون.
سار أحمد بن طولون بِخُطىً ثابتة للسيطرة على الأُمور كُلها في مصر، فخرج على رأس قُوَّة عسكريَّة إلى الإسكندريَّة واستخلف طغلغ على الفسطاط وطخشي بن يلبرد على الشُرطة. وعندما وصل إليها في رمضان سنة 257هـ المُوافق فيه حُزيران (يونيو) 871م استقبلهُ عاملها إسحٰق بن دينار بالترحاب، فأقرَّهُ عليها، كما استلم برقة من أحمد بن عيسى الصعيدي، فعظُمت بِذلك منزلته وكثُر قلق ابن المُدبِّر وغمُّه. وبذلك بدأت مرحلة جديدة في تاريخ مصر. توفي يارجوخ في سنة 259هـ المُوافقة لِسنة 873م وهو صاحب إقطاع مصر الذي كان أحمد بن طولون يحكُمه بالنيابة عنه ويدعو لهُ على منابره بعد الخليفة، فأقرَّهُ الخليفة المُعتمد واليًا عليها، وبذلك أضحى حاكم مصر الشرعي من قِبل الخِلافة مُباشرةً، وتُعدُّ هذه السنة سنة تأسيس الإمارة الطولونيَّة. وفي سنة 263هـ المُوافقة لِسنة 877م، ورد كتاب المُعتمد إلى أحمد بن طولون يطلب منه إرسال خراج مصر، فردَّ عليه قائلًا: «لستُ أُطيقُ ذلك والخراجُ بِيد غيري»، فما كان من المُعتمد عندئذٍ إلَّا أن قلَّدهُ خراج مصر وولَّاهُ إمرة الثُغور الشَّاميَّة على أثر اضطراب أوضاعها. فأضحى بذلك سيِّد الديار المصريَّة كُلَّها والمُشرف العام على جميع أعمالها العسكريَّة والإداريَّة والقضائيَّة والماليَّة، وقام بِضرب الدينار الأحمدي رمزًا لِهذا الاستقلال.
واجه أحمد بن طولون في بداية حياته السياسيَّة حركات ثوريَّة عدَّة اتسم مُعظمها بالطابع الديني المذهبي بِفعل النزاع الذي كان سائدًا خِلال هذه المرحلة، وكان التصدي لها يُحقق أكثر من حاجة، منها إقرار الأمن في الداخل، والإخلاص للبيت العبَّاسي، والدفاع عن الخِلافة العبَّاسيَّة، وتثبيت مركزه بِوصفه عاملها القوي. فقد استطاع القائد بغا الكبير بعد أن فرَّ من بغداد أن يستقرَّ في منطقة الكنائس بين برقة والإسكندريَّة، ورفع راية العصيان في سنة 255هـ المُوافقة لِسنة 869م، وادعى نسبًا علويًّا لاستقطاب الأنصار، واتخذ اسمًا هو أحمد بن مُحمَّد بن إبراهيم بن طباطبا، ثُمَّ سار إلى صعيد مصر، فكثُر أتباعه وادَّعى الخِلافة. كان من الطبيعي أن يتصدَّى أحمد بن طولون لِمثل هذه الثورات التي تُشكِّلُ خطرًا على وضعه الداخلي، فأرسل إليه القائد بَهم بن الحُسين اصطدم به وتغلَّب عليه وقتله. وفي سنة 256هـ المُوافقة لِسنة 780م قامت حركة ثوريَّة أُخرى بِقيادة إبراهيم بن مُحمَّد بن الصوفي العلوي، فهاجم إسنا، فدخلها ونهبها، وعاث فسادًا في نواحيها، فأرسل إليه أحمد بن طولون القائد ابن يزداد، فتغلَّب العلوي عليه وأسره، فأرسل ابن طولون جيشًا آخر بِقيادة بَهم بن الحُسين اصطدم به في نواحي إخميم وهزمه وقتل كثيرًا من رجاله، ونجا هو، فسار إلى الواحات فأقام مُدَّةً ثُمَّ ظهر في نواحي الأشمونين في سنة 259هـ المُوافقة لِسنة 873م. فوجَّه إليه ابن طولون جيشًا بِقيادة ابن أبي المُغيث فوجده قد أصعد (ذهب إلى الصعيد) لِقتال رجُلٍ ظهر هُناك زعم أنَّهُ عبدُ الحميد بن عبدُ الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عُمر بن الخطَّاب، فتقاتلا قتالًا شديدًا أسفر عن انهزام العلوي، فولَّى هاربًا إلى أسوان، فعاث فيها وقطع كثيرًا من نخلها. فسيَر إليه ابن طولون جيشًا بِقيادة بَهم بن الحُسين وأمره بطلبه أين كان. فسار في أثره، وعندما علم بذلك هرب إلى عيذاب، وعبر البحر إلى مكَّة، وتفرَّق أصحابه. وعندما وصل إلى مكَّة بلغ خبره واليها، فقبض عليه وسجنه ثُمَّ أرسلهُ إلى ابن طولون، فطيف به في البلد، ثُمَّ سجنه مُدَّة وأطلقه، فذهب إلى المدينة المُنوَّرة فأقام بها إلى أن مات.
لم يضع القضاء على حركة ابن الصوفي حدًّا لِحركات التمرُّد واستئصال الفتنة في الصعيد، فقد ظهر رجلٌ من أتباعه يُكنى أبو روح، واسمهُ «سكن»، خرج في سنة 260هـ المُوافقة لِسنة 874م في بوادي بُحيرة الإسكندريَّة وثار ضدَّ الحُكم الطولوني للثأر له؛ والتفَّت حوله طائفةٌ كبيرة، فقطع الطريق وأخاف السابلة، فوجَّه إليه أحمد بن طولون قائده يلبق الطرسوسي على رأس جيشٍ كثيف، لكنَّه هزمهم وردَّهم على أعقابهم. وأهمل أحمد بن طولون أمر أبي روح مُدَّةً من الزمن، حتَّى إذا علم بأنَّهُ يغزو الفيُّوم أرسل جيشين للإجهاز عليه، فهزموه وأصحابه شرَّ هزيمة وقتلوا كثيرًا منهم ومن استسلم أُسر. وتصدَّى أحمد بن طولون لِحركة عبد الحميد بن عبدُ الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عُمر بن الخطَّاب، المُكنى «أبو عبد الرحمٰن العُمري»، على الرُغم من أنَّ هذه الحركة لم تكن مُوجَّهة مُباشرةً ضدَّ الطولونيين وإنما قامت ضدَّ قبائل البجا، الذين كانوا يُغيرون على المناطق السكنيَّة المُتاخمة لِلثُغور الجنوبيَّة لِمصر، فخرج هذا العُمري غضبًا للمُسلمين وكمن لهم في طريقهم، فلمَّا عادوا خرج عليهم وقتل قائدهم ومن معه ودخل بلادهم فنهبها وأكثر القتل فيهم، وتابع عليهم الغارات حتَّى أدَّوا له الجزية ولم يُؤدوها لِأحدٍ قبله. واشتدَّت شوكة العُمري وكثُر أتباعه ما أثار أحمد بن طولون الذي لم يكن يقبل بِوُجود أيّ قُوَّة، مهما كان نوعها، يُمكن أن تشغل أي دور قد يكون مُنافسًا لِسُلتطه ولِوجوده الشخصي في مصر، وقد خشي أن يتجاوز حربه ضدَّ البجا فيطمع في مصر كُلَّها لِذلك رأى في بقائه انتقاصًا لِسيادته؛ فأرسل إليه جيشًا كثيفًا، فلمَّا تصافوا لِلقتال تقدَّم العُمري وأخبر قائد الجيش أنَّه لا يطمع في مصر ولا رغبة لهُ في حرب ابن طولون، وأنَّه لم يخرج للفساد ولم يتعرَّض أو يؤذي أهل البلاد سواء أكانوا مُسلمين أم من أهل الذمَّة، وأنَّ خُروجه كان طلبًا لِلجهاد فقط. فرفض قائد الجيش ذلك وقاتله فانهزم أمامه وعاد أدراجه إلى الفسطاط يجُرُّ أذيال الخسارة. ولم تمض أشهُرٍ ذات عدد حتَّى وافى أحمد بن طولون غُلامان زعما أنَّهُما من غلمان العُمري وأنهُما قتلاه وأتيا بِرأسه تقرُّبًا منهُ وحظوة، فأمر بِقتلهما، وغسَّل رأس العُمري وكفَّنهُ وطيَّبهُ ودفنه.
وفي سنة 261هـ المُوافقة لِسنة 875م ثار أهلُ برقة على الحُكم الطولوني وأخرجوا أميرهم مُحمَّد بن فروخ. ويبدو أنَّ الثورة كانت أشدَّ خطرًا، بِدليل اهتمام أحمد بن طولون بِإخمادها وتسخيره الجيش والأُسطول في القضاء عليها، فأرسل إليهم ثلاثة جُيوش بريَّة تُساندهم حملة بحريَّة وأمر القادة بالرفق بِأهل برقة واستعمال اللين، فإن انقادوا وإلَّا السيف. ففعل القادة ما أمرهم به أميرهم، وطمع أهلُ برقة، ففتحوا الباب الذي عليه أحد الجُيوش بِقيادة أبي الأسود الغطريف ليلًا وأوقعوا بِعسكره وقتلوا منهم، كان الغطريف من بينهم، فلمَّا عرف ابن طولون بذلك كتب إلى سائر القادة يأمرهم بِقتال أهل المدينة، فنصبوا عليهم المجانيق وجدّوا في قتالهم، فاضطروا إلى طلب الأمان، وفتحوا الباب للجيش الطولوني، فدخل إلى المدينة، وقُبض على جماعة من رؤساء الفتنة وحُملوا إلى الفسطاط، بينما أُعدم بعضهم صلبًا.
يعود اهتمام أحمد بن طولون بالشَّام إلى مرحلة الشباب، وتحديدًا إلى الأيَّام التي قضاها في ثغر طرسوس، حيثُ أدرك أهميَّة ثُغورها في الدفاع عن الداخل الإسلامي ضدَّ الأطماع البيزنطيَّة. وأتاحت لهُ ثورة عيسى بن الشيخ في فلسطين والأُردُن الفُرصة كي يتدخَّل في الشُؤون الشَّاميَّة من واقع تكليف الخليفة أبو العبَّاس أحمد المُعتمد على الله له إخماد ثورته. وإذا كانت جُهوده لم تُثمر إلَّا أنَّ هذه الحركة لفتت نظره إلى أهميَّة الشَّام ومدى تأثيرها السياسي والعسكري على مشروعاته في مصر، كما دفعته إلى تكوين جيشٍ خاصِ به لاستخدامه في التوسُّع. ورأى ابن طولون أنَّ عليه أن يتوسَّع باتجاه الشرق في الشَّام والوُصول إلى حُدود العراق والأناضول لِضروراتٍ عسكريَّةٍ وسياسيَّة، أهمُّها ضمان تدخُّله في شؤون الخِلافة والدفاع عن أمنه في مصر، فالشَّام هي مفتاح مصر، وأيُّ غازٍ سواء أكان بيزنطيُّا أو عبَّاسيًّا أو شاميًّا حتَّى، لا بُدَّ له وأن ينطلق من هذه البلاد نحو مصر. كما دفعهُ عامل الجهاد الديني إلى ضمِّ هذا الإقليم تمهيدًا للسيطرة على ثُغوره والدفاع عن بلاد المُسلمين أمام توثُّب البيزنطيين، لا سيَّما وأنَّ الروم أخذوا يضغطون بشكلٍ مُتواصلٍ على مناطق الثُغور الإسلاميَّة وبِخاصَّةً بعد خِلافة المُتوكِّل، وعجز الخِلافة العبَّاسيَّة عن التصدي لِلهجمات البيزنطيَّة. هذا بالإضافة إلى أهميَّة الشَّام الاقتصاديَّة بالنسبة لِمصر وحاجتها لِمواردها الأوليَّة كالأخشاب لِصناعة السُفن، بالإضافة لِلموارد الأُخرى التي يحتاجها ابن طولون في مشروعه التوسُعي.
وفي تلك الفترة كانت الثُغور الشَّاميَّة مُضطربة إمَّا بِفعل النزاعات بين الوُلاة الذين كانت تُعينهم الخِلافة أو بسبب مقتل هؤلاء قبل وصولهم إليها لِتسلُّمها، بالإضافة إلى أنهم لم يُقيموا فيها وأنابوا عنهم من يتولَّى إدارتها ويُجبي خِراجها ويغزو بِأهلها، وكان من بين هؤلاء الوُلاة أحمد بن طولون نفسه الذي أناب عنهُ من يُحصِّل خِراجها ما أثار الأمير أبي أحمد المُوفَّق طلحة أخي الخليفة المُعتمد، فتشاور مع الأخير واتفقا على عزل ابن طولون وتعيين مُحمَّد بن هٰرون التغلبي، وكان يتولَّى الموصل، غير أنَّهُ قُتل في الطريق على شاطئ دجلة سنة 260هـ المُوافقة لِسنة 874م. فاختار الخليفة مُحمَّد بن علي بن يحيى بدلًا منه وقلَّدهُ الثُغور، لكنَّ هذا قُتل أيضًا بعدما ألَّب سيما الطويل التُركي المُتسلِّط على الثُغور أنصاره فيها ودعاهم إلى الثورة على الوالي الجديد، فتمَّ تعيين أرخور بن أولغ طرخان التُركي بدلًا منه، لكنَّ هذا تشاغل بِملذَّاته، وكان غرًّا جاهلًا، أساء السيرة واستولى على كُلِّ ما لاح له، وأخَّر الميرة والأرزاق عن سُكَّان حصن لؤلؤة، ففقدوا بذلك القُدرة على الصُمود في وجه هجمات البيزنطيين، فسقط الحصن بِأيديهم. فاستاء الخليفة من ذلك ورأى من الأفضل إعادة تسليم المنطقة إلى أحمد بن طولون، فارتدَّت إليه ولاية الثُغور مرَّة أُخرى. وقد أسفر هذا عن نتائج بالغة الأهميَّة إذ وضَّح للسُكَّان أنَّ الثُغور لن يحميها بشكلٍ فعَّال إلَّا أحمد بن طولون، وأنَّ جهاد البيزنطيين لن يتحقق إلَّا تحت رايته. وما حدث آنذاك من وفاة أماجور والي الشَّام، وتعيين القادة التُرك ابنه عليّ واليًا على هذا البلد مكان والده وكان صبيًّا، بالإضافة إلى ازدياد وضع المُوفَّق حرجًا بِفعل وُقوعه تحت ضغط ثورة الزُنج التي أنهكت قُواه؛ أُتيح لِابن طولون استغلال الأوضاع المُؤاتية لِيثب على الشَّام ويضُمَّها إلى مصر، فلم يعترف بِولاية علي بن أماجور، وأرسل إليه كتابًا يُعزِّيه بأبيه ويُخبره بأنَّ الخليفة قد قلَّدهُ الشَّام كُلَّها مُضافًا إلى الثُغور الشَّاميَّة، وأنَّهُ قادمٌ لِيُعلن الجهاد ضدَّ البيزنطيين، ويطلب منه أن يُقدِّم للجيش الطولوني ما يحتاج إليه من الميرة والعلف والتسهيلات الأُخرى. ولم يكن أمام علي بن أماجور الضعيف إلَّا أن يستجيب لِطلبه فأعلن الولاء والطَّاعة له ودعا لهُ على المنابر.
خرج أحمد بن طولون من القطائع في شهر شوَّال سنة 264هـ المُوافق فيه شهر حُزيران (يونيو) سنة 878م وسار إلى الرملة حيثُ وافاه عاملها مُحمَّد بن رافع، فقدَّم لهُ الميرة والعلف وفُروض الولاء والطاعة وخطب لهُ على المنابر، فأبقاهُ ابن طولون في عمله. وأعلن والي مصر أثناء تقدُّمه في فلسطين، أنَّهُ قدم للجهاد، فجاءته العساكر والمُطوَّعة، فضمَّها إلى جيشه وتقدَّم نحو دمشق، فخرج علي بن أماجور وأركان دولته لاستقباله والوفاء بِحقِّه في الرئاسة، وانضمُّوا إليه وأعدَّوا له الميرة والعلف. ومكث أحمد بن طولون أيَّامًا عدَّة في دمشق نظَّم خلالها أوضاعها الإداريَّة والعسكريَّة ودُعي لهُ على منابرها، وضمَّ جُندها وقادتهم إلى جيشه، ثُمَّ تابع تقدُّمه نحو حِمص وعزل واليها عيسى الكرخي بِفعل سوء سيرته وشكوى الحمصيين من ظُلمه حرصًا منهُ على كسب وِدَّهم. ثُمَّ تقدَّم بعد ذلك إلى حماة فملكها وسار إلى حلب ودخلها، ثُمَّ تقدَّم إلى منطقة الثُغور حيثُ فتح قنسرين والعواصم، وضرب الحصار على أنطاكية بعد أن رفض واليها سيما الطويل الدُخول في طاعته، فاقتحمها بالاتفاق مع سُكَّانها وقاتل حاميتها حتَّى استسلمت له، وقُتل واليها على أيدي الأهالي الحاقدين عليه لِشدَّة ظُلمه وسوء تدبيره. كان من الطبيعي بعد سُقوط أنطاكية أن يتوجَّه أحمد بن طولون إلى بقيَّة الثُغور الشَّاميَّة، فدخل المصيصة وأضنة وانتهى به المطاف في طرسوس المدينة المُحبَّبة إلى قلبه، فامتنع واليها عن استقباله والترحيب به وأغلق الأبواب في وجهه، وفي روايةٍ أُخرى أنَّ ابن طولون دخل المدينة في جمعٍ عظيمٍ دون أن يُعارضه أحد. كان باستطاعة أحمد بن طولون أن يمضي في تحقيق غايته الجهاديَّة إلى أبعد مدى، كما كان بإمكانه دُخول بغداد نفسها، غير أنَّ التطوُّرات السياسيَّة في مصر وخُروج ابنه العبَّاس عليه، والأخبار المُزعجة التي وصلت إليه اضطرَّتهُ إلى طي فكرة الجهاد مُؤقتًا والعودة إلى القطائع لِيقضي على الثورة، إلَّا أنه كان عليه أن يُؤمِّن أطراف إمارته في شمال شرقي الشَّام حيثُ بعض المُتسلطين الذين رأى فيهم خطرًا يُهددُ بلاده ومُكتسباته، لِذلك قرَّر ضرب هذه القوى، فأرسل جيشًا إلى الرقَّة وجيشًا آخر إلى حرَّان، فضمَّهُما إلى الأملاك الطولونيَّة. ودخلت مُدن ساحل الشَّام تحت حُكم ابن طولون وأهمُّها طرابُلس وعكَّا ويافا وذلك بالتزامن مع دُخوله إلى دمشق. وهكذا دخلت الشَّام في مرحلةٍ جديدةٍ في تاريخ علاقتها مع مصر، إذ أضحتا تابعتين لِقيادةٍ واحدة تقومُ في وقتٍ واحدٍ بِتحريك الجُيوش والأساطيل وقيادتها وتنسيق الأعمال فيما بينها. وبدأ الأُسطول الطولوني نشاطه انطلاقًا من قواعده في الشَّام، فهاجم جُزر بحر إيجة ومُدن اليونان، كما كلَّفت الخِلافة أحمد بن طولون، على الرُغم من العداء المُستحكم بينهما، بِمُهمَّة الدفاع عن حُدودها البريَّة المُحاذية لِبلاد الروم وبِخاصَّةً على جبهة الفُرات في شمالي العراق التي هدَّدت بغداد نفسها.
كان أحمد بن طولون قد عيَّن حاجبه لؤلؤ الذي اشترك معهُ في السيطرة على الشَّام حاكمًا عامًّا عليها قبل أن يُقفل ويعود إلى مصر، فاتسع بذلك سُلطانُ هذا الحاجب وخُطب لهُ على المنابر بعد الخليفة وابن طولون، وكُتب اسمهُ على السكَّة. وبعد سنة 268هـ المُوافقة لِسنتيّ 881-882م توضَّحت بوادر الشقاق بين أحمد بن طولون وغُلامه لؤلؤ بِدافع عاملين: الأوَّل مالي، فقد شدَّد ابن طولون على غُلامه في جباية الضرائب، وكان عامل الخِراج تابعًا مُباشرةً لابن طولون ويأتمر بِأمره ما كبَّل يديّ لؤلؤ، فأبدى سخطه واستولى على قسمٍ من الخراج. أمَّا العاملُ الثاني فسياسي ويتعلَّق بِتعيين أحمد بن طولون صهره مُحمَّد بن فتح بن خاقان واليًا على ديار مضر من دون أن يستشير لؤلؤ. وعلمت الخِلافة بما حصل، فاستغلَّ مُحمَّد بن سُليمان الكاتب هذا الخِلاف لِضرب ابن طولون، فحثَّ لؤلؤ على الانضمام إلى أبي أحمد المُوفَّق طلحة وإرسال الخِراج إليه. وفشلت مساعي ابن طولون في إعادة غُلامه إلى الطاعة. واستولى لؤلؤ على مليون دينار، ثُمَّ انحاز إلى المُوفَّق وانضمَّ إليه. وهاجم لؤلؤ أثناء ذهابه إلى العراق، بالس ونهبها، واستولى على قرقيساء. نتيجةً لِهذا التطوُّر السياسي، اضطرَّ أحمد بن طولون لِلخُروج إلى الشَّام لِوضع حد لِحركة غُلامه لؤلؤ، وكان يأمل أن يلحق به قبل أن يدخل إلى العراق، لِأنَّ من شأن ذلك أن يُهدِّد كيان دولته، لِذلك جدَّ في السير حتَّى لا تفوته هذه الفُرصة وبِخاصَّةً أنَّ المُوفَّق كان على وشك القضاء على ثورة الزُنج وأضحى بِوسعه استعمال ورقة لؤلؤ لِلضغط عليه، ولمَّا وصل إلى دمشق كان لؤلؤ قد فرَّ إلى العراق وانضمَّ إلى المُوفَّق.
استغلَّ أحمد بن طولون وُجوده في دمشق لِيُعيد سيطرتهُ على مناطق الثُغور، والمعروف أنَّ «يازمان» خادم الفتح بن خاقان قد استبدَّ بها بِتحريضٍ من المُوفَّق وأعلن التمرُّد على الطولونيين، وراح يستقطب الأنصار ويُضيِّق على السُكَّان، فخشي ابن طولون سوء العاقبة وطمع البيزنطيين، فرأى أن يلجأ إلى السياسة لِإقناع يازمان بالعودة إلى طاعته، وكلَّف في الوقت نفسه نائبه خلف الفرغاني وأقرَّهُ القيام بِغزو البيزنطيين في خُطوةٍ لاستقطاب السُكَّان. رفض يازمان دعوة أحمد بن طولون، فكلَّف هذا خلف الفرغاني القبض عليه، غير أنَّ أنصاره في طرسوس طردوا الفرغاني وولُّوا عليهم يازمان وتركوا الدُعاء لابن طولون على المنابر ولعنوه، وعندما علم بذلك خرج بِنفسه لِتأديب الثائر، ولمَّا وصل إلى المصيصة أرسل وجوه من معه إلى يازمان يدعوهُ مُجددًا إلى الطاعة، في خُطوةٍ سياسيَّةٍ أخيرةٍ م