اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
كان محافظ طرطوس قد أصدر تعميماً برقم 4851 على مجالس المدن والبلديات والخدمات الفنية وشركات القطاع العام والشركات المنفذة للمشروعات الخدمية، بناءً على كتاب كانت قد قدَّمته له المديرية العامة للآثار والمتاحف برقم 4947/5 بتاريخ الـ15 من آب سنة 2006 طلبت فيه ذلك منه، يقضي بمنع هدم «أيّ بناء مكون من الحجر ومسقوف بالعقود الحجرية الخاصة، وطواحين المياه، وينابيع المياه الأثرية، والجسور الحجرية القديمة، والجوامع والكنائس والمقامات القديمة المعقودة بالحجر، والمدافن المحفورة بالصخر، والبيوت العربية، والخانات المكونة من عقود حجرية، وكذلك الأقبية الحجرية المحفورة أو المبنية، وذلك قبل الحصول على موافقة المديرية العامة للآثار والمتاحف». وبحسب المديرية فإنّ مواصفات قصر تحوف كانت تنطبق على الأبنية الواردة من الكتاب، وذلك يعني مخالفةً واضحةً من طرف مجلس المدينة لتعميم المحافظ.
في اليوم التالي للهدم كانت قد أزيلت جميع بقايا القصر الأثريّ، بدون أيٍّ علمٍ لمديرية الآثار والمتاحف ولا لشعبة آثار بانياس. وقد باشرت دائرة آثار طرطوس في الـ31 من أيار بإرسال كتاب تحت الرَّقم 42/ص.ب إلى مجلس مدينة بانياس، تُفيده فيه بعدم علمها عن عملية الهدم حتى انتهائها، واعتراضها على ذلك، وأنّها كانت بصدد إعداد ملف توثيق واستملاك للبناء. وقد كانت شعبة آثار بانياس قد خطّطت - قبل حصول عملية الهدم - لتضمين عرض إمكانية استملاك قصر تحوف في خطّتها لسنة 2010، للعناية به وتسجيله على قائمة التراث الوطني حمايةً له. كما كانت تُفكِّر باستثماره ليكون معلماً سياحياً يجلب دخلاً للمدينة، أو متحفاً وطنياً للتقاليد الشعبية والتراثية، أو بترميمه لاستغلاله كموقع أثريّ فريد. وقد قالت شعبة آثار بانياس إن قلّة الكادر عندها وكثرة المواقع الأثرية في المحافظة التي تُعنَى بها، هما السَّببان اللذين أدَّيا إلى تأخير القيام بهذه الإجراءات اتّجاه القصر الأثريّ.
إلا أن مصطفى الأعسر (أحد أفراد عائلة آل الأعسر المالكة للقصر) أصرَّ على أن الهدم تمَّ ضمن إجراءات قانونية سليمة. فيما قالت اللجنة التابعة لمجلس المدينة التي اتَّخذت قرار الهدم بالمقابل: «قُمنَا بهدم العقار لأنّه أصبح مهجوراً ومأوى للمنحرفين، حيث تقدَّمنا بطلبٍ رسميّ من مجلس مدينة "بانياس"، فتمّ تشكيل لجنة من عدة مهندسين من البلدية لدراسة وضع العقار، وتمَّت الموافقة». وكانت الجنة قد استصدرت من كاتب العدل كتاباً مسجلاً يؤكّد أن البناء غير مسكون، وأكَّدت حصولها على كافّة الوثائق الرسميَّة المطلوبة لعمليَّة الهدم. وقد برَّرت اللجنة أيضاً القرار بضرورة تحديد كون الموقع أثرياً على صحيفته العقارية، وبأنّ المنطقة التي كان البناء قائماً فيها كانت منطقة منظّمةً تجارياً ولا يُسمَح فيها ببناءٍ له أقلّ من خمسة طوابق.
وفيما يتعلَّق بمجلس مدينة بانياس، فقد دافعَ رئيسه عدنان محمد الشغري بشدّة عن قرار الهدم، قائلاً أن دائرة آثار طرطوس كانت قد أرسلت إلى المجلس في الثالث من نيسان سنة 2005 الكتاب رقم 415/ص - المُوقَّع من رئيس الدائرة مروان حسن - الذي تضمَّن قائمة بكافّة المواقع الأثرية في حدود مدينة بانياس الإدارية والتنظيمية، وقد بلغ عددها الكلي 33 عقاراً، إلا أنّ اسم قصر تحوف أو العقار رقم 253 في منطقة بانياس العقارية لم يَرد له أيّ ذكرٍ في القائمة، ولم يرد أيضاً ذكر لكونه موقعاً أثرياً على صحيفته العقارية. ومن هذا المنطلق اعتبر رئيس مجلس المدينة أنّ جلَّ الضجَّة الإعلامية المثارة حول عمليَّة الهدم وأهميَّة القصر الأثرية والتاريخية، لم يكن لها أساس. كما تحدَّث عن ثلاثة كتبٍ سابقة كانت قد أرسلت إلى المجلس من دائرة آثار طرطوس عن حدود آثار خان بيت جبور وقلعة القوز وطاحونة رأس النبع في مدينة بانياس، تُبيِّن المناطق الممنوع الهدم والبناء فيها، واعتبر عدم تضمين قصر تحوف في أي كتابٍ مماثلٍ من دائرة الآثار دليلاً على عدم أهميته. وكان من المُبرِّرات الأخرى التي أبداها أن الكتاب رقم 136/ص بتاريخ الأول من آب سنة 2006 من محافظ طرطوس تضمَّن الأبنية الحجرية المسقوفة بالعقود الحجرية، فيما أنّ سقف قصر تحوف كان من الخشب والقرميد، ممَّا يستثنيه من الأبنية التي يُشير إليها الكتاب. وقد ردّ رئيس دائرة آثار طرطوس على تبريرات عدنان الشغري (رئيس مجلس مدينة بانياس) بقوله أنّ على جميع المؤسسات والتنظيمات في الدّولة أن توحّد جهودها وتتعاون مع الجهات المسؤولة عن العناية بالآثار، في سبيل الحفاظ على المواقع الأثرية والأبنية التراثية في البلاد.
بعد الاحتجاجات الواسعة التي أثارتها قضيَّة هدم قصر تحوف، أحالت المديرية العامة للآثار والمتاحف - بحسب ما أورده مكتبها الصحفيّ في العاشر من حزيران سنة 2009 - ملفّ قضية "هدم مبنى أثري من قبل مجلس مدينة بانياس دون علم شعبة الآثار" إلى الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، استعداداً لفتح تحقيقٍ فيها والتوصّل إلى الجهة المسؤولة عن هدم الموقع الأثري. وقد شكّلت الهيئة فريق تقصٍّ وتحقيقٍ لبحث القضية بناءً على ما نشره كتاب دائرة آثار طرطوس حولها.
صدر على إثر حادثة الهدم تعميمان من محافظ طرطوس عاطف النداف، جاء أوَّلهما في مطلع شهر حزيران من سنة 2009 تحت رقم 7663، يُفِيد بمنع «هدم أيّ بناء له طابع أثري ومكوَّن من الحجر المسقوف بعقود حجرية أو خشبية أو قرميدية، بالإضافة إلى الطواحين والينابيع الأثرية المعقودة والجسور الحجرية القديمة والجوامع والكنائس والخانات المُكوَّنة من عقود حجرية والأقبية المحفورة، إلا بالتنسيق مع دائرة الآثار بطرطوس ليُصَار إلى إجراء الكشف وإعطاء الموافقة اللازمة». في خطوة تهدف إلى تجنّب تكرار الحوادث المماثلة.
وأما التّعميم الثاني فقد كان في شهر تموز من سنة 2009، وجاء هذه المرَّة موجَّهاً نحو الوحدات الإدارية والبلديات، وهو يُفِيد بتنفيذ «مضمون كتاب السيد وزير الثقافة، المتضمِّن طلب الإيعاز بعدم هدم أيّ بناء قديم تجتمع فيه خصائص فنية ومعمارية هامة، وكذلك الجوامع والكنائس المعقودة بالحجر، والمقامات القديمة، والمدافن، بالإضافة إلى البيوت العربية، والأقبية الحجرية، قبل الحصول على موافقة السلطات الأثرية». والمقصود بالسّلطات الأثرية المديرية العامة للآثار والمتاحف، التي يُلزِم التّعميم بالحصول على موافقتها قبل هدم أي بناءٍ تنطبق عليه الصّفات السابقة.