اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
دعم نجاح المقاطعات السويسرية في صد الهجوم الذي قام به شارل الجسور (1477) اتحادها وأشعل جذوة اعتزازها بقوميتها، وشجعها على مقاومة المحاولة التي قام بها ماكسمليان لإخضاعها اسماً وفعلاً للإمبراطورية الرومانية المقدسة، وثارت منازعات على تقسيم الغنائم عقب هزيمة بورگنديا، فدفعت بالمقاطعات إلى حافة الحرب الأهلية، إلا أن فيلسوفاً ناسكاً بمجلس ستانز النيابي وهو نيكولاوس فون ديرفلو- الأخ كلاوس في الذاكرة السويسرية- أقنعها بأن تركن إلى السلام.
وانضمت مقاطعة إثر مقاطعة إلى الاتحاد، ليزداد قوة، فقبلت فيه فرايبورگ وسولوثورن عام 1481، وبازل وشافهاوزن عام 1501، وابنتسيل عام 1513، وغدا الاتحاد بعد أن انضمت إليه ثلاث عشرة مقاطعة، تتحدث كلها باللهجات الألمانية- ما عدا فرايبورگ وبرن، فقد كان الحديث يدور فيهما بالفرنسية- جمهورية اتحادية: وكانت كل مقاطعة تنظم شئونها الداخلية، أما علاقاتها الخارجية فكانت تحكمها سلطة تشريعية عامة. وكانت الهيئة التشريعية الوحيدة للمجلس النيابي الاتحادي تتكون من عدد مماثل من النواب عن كل مقاطعة. ولم تكن الديمقراطية كاملة، فقد حرمت عدة مقاطعات من التصويت الأقليات من رعاياها، يضاف إلى هذا أن سويسرا لم تكن نموذجاً يُحتذى في حب السلام.
ولقد انتهزت المقاطعات من 1500- 1512 فرصة تفكك وحدة إيطاليا، واستولت على بلينزونا ولوكارنو ولوگانو وبعض المناطق الأخرى جنوب الألب، واستمرت في تأجير خدمات الفرق السويسرية- بموافقتها- السلطات الأجنبية. ولكن الاتحاد تخلى عن التوسع الإقليمي بعد هزيمة حملة الحراب السويسرية في موقعة مارينيانو Marignano (1515)، وتبنى سياسة تتسم بالحياد، ووجه فلاحيه الأقوياء وصناعه المهرة، وتجارة الكثيري الموارد إلى تنمية حضارة، تعد من أعظم الحضارات في التاريخ.
وكانت الكنيسة في سويسرة لينة العريكة وفاسدة، كما كانت في إيطاليا، وأسبغت الرعاية على علماء الإنسانيات، الذين احتشدوا حول فروبن وأرازموس في بازل، ومنحتهم قسطاً وافراً من الحرية. وأصبح هذا دعامة من دعائم التسامح الخلقي، الذي ساد هذا العصر، فاستمتع القساوسة السويسريون بالحظايا(1). وكان أحد الأساقفة السويسريين يتقاضى من رجال الدين التابعين له أربعة جيلدرات عن كل طفل يولد لهم، وجمع في عام واحد 1522 جيلدر من هذا المصدر(2). وشكا من أن الكثيرين من القساوسة يقامرون، ويترددون على الحانات، ويثملون علناً(3)، دون أن يدفعوا رسماً للأسقفية. وبدأت عدة مقاطعات، وبخاصة زيورخ، في الإشراف المدني على رجال الدين، وفرضت الضرائب على أملاك الأديرة. وزعم أسقف كونستانس أن زيورخ بأسرها إقطاعية تابعة له، وطالب بخضوعها له وبضرائب العشور المفروضة عليها، ولكن البابوية كانت جد مرتبكة باتجاهات السياسة الإيطالية، فلم تستطع أن تؤيد مزاعمه بالفعل. ولقد وافق البابا يوليوس الثاني في عام 1510 على أن يدير مجلس المدينة في جنيف الأديرة، وأن يضع قواعد للأخلاق العامة في نطاق سلطته(4)، وذلك مقابل الحصول على بعض الفرق من جنيف. ومن ثم فإن روح الإصلاح الديني كانت قد تحقق في زيورخ وجنيف قبل ظهور أفكار لوثر بسبع سنوات، وهي سيادة السلطة الزمنية على السلطة الدينية وأصبح الطريق ممهداً أمام زونجلي وكالفن لوضع الأسس المختلفة التي رأوا أنها تزيل هوة الخلاف بين الكنيسة والدولة.