اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
بدأ الخلاف الحقيقي في أواخر عهد عبد الملك بن مروان حيث توفي المهلب بن أبي صفرة الأزدي والي خراسان عام 82 هـ فقاما الحجاج بن يوسف الثقفي وعبد الملك بن مروان بجعل ابنه يزيد بن المهلب والياً على خراسان إكراماً لوالده، وقام الحجاج أيضاً بتولية حبيب بن المهلب الأزدي على كرمان، وجعل عبد الملك بن المهلب الأزدي أميراً على شرطة البصرة. ولَم يلبث الحجاج حتى نقم وغضب من يزيد لأسباب عدة منها أنه ببداية ولاية يزيد على خراسان أحبه أهلها ثم تغير وأصبح متجبراً فبغضوهـ، ثم بعد هزيمة عبد الرحمن بن الأشعث وهربه مع بقية أنصاره من الخوارج إلى هراة أمر الحجاج يزيد بملاحقتهم فلاحقهم ولكنه لَم يكن جاداً في مطاردتهم فأضر هذا بالحجاج كثيراً، ثم بعدما أسر بعضهم تعصب لبني أعمامه القحطانيون فلَم يُرسلهم للحجاج وكان ليناً بالتعامل معهم بينما أرسل الأسرى الالقيسيون العدنانيون تحديداً للحجاج ليقوم بقتلهم، وأيضاً حينما خرج موسى بن عبد الله بن خازم في بلخ مع خوارج قيسيون لم يهزمهم يزيد متعمداً وأبقى على فتنتهم طويلاً، وذلك لكي يُجبر الحجاج على عدم عزله عن خراسان ما دام هؤلاء الخوارج باقون لأنه لن يجد غيره يُحاربهم، ولا سيما من قبائل قيس عيلان لأنه قد يترددون برفع السلاح على أبناء قبائلهم من الخوارج، وأيضاً قام يزيد بسرقة بسبعة آلاف ألف درهم من أموال خراسان وكان كثيراً ما يُخالف أوامر الحجاج، ولكن الحجاج فطن وتنبه لِمٓا يفعل يزيد، وكانت الضربة القاصمة عندما عَلِم الحجاج أن يزيد كان يعشق امرأة متزوجة من أحد جنود يزيد اسمه "عليب العبدي" فقام يزيد بتسميمه وقتله حتى يخلو له الجو مع المرأة وبدأ علاقة غير شرعية معها، فلما عرف الحجاج اجتمعت له الأسباب في عام 86 هـ فأرسل ليزيد يطلبه أن يجعل أخيه المفضل بن المهلب نائباً على خراسان ويأتي إليه بسبب أمر مهم، وإضافة لهذا أرسل الحجاج لأخويه حبيب وعبد الملك يطلب منهم القدوم، وأرسل إلى قتيبة بن مسلم الباهلي يخبره أنه عزل يزيد وولاه على خراسان فطلب منه أن يرسل المفضل بن المهلب إليه فاجتمعوا عند الحجاج جميعهم وأخذ أيضاً أخيهم أبو عيينة بن المهلب، فلما جمعهم سجنهم مع يزيد الذي اتهمه بكل ما سبق واتهم إخوته أيضاً بأنهم أخذوا أموالاً كثيرة ولَم يُعيدوها لبيت المال حتى الآن، ولما سجن يزيد بدأ بجلده عقوبةً على زناهـ مع زوجة جنديه، فسجنهم عنده أربع سنين وكان الحجاج دائماً يدعو: «اللهم إن كان آل المهلب بَرَآء، فلا تسلطني عليهم ونجِهم.»
طلب يزيد خلال السجن من الحجاج أن يسمح لأخويه عبد الملك وحبيب أن يخرجا ويبيعوا ما استطاعوا من أملاك آل المهلب ويعطوا الحجاج المال، فلَم يستطع يزيد إلا جمع أربعة آلاف ألف درهم وبقي عليه ثلاثة آلاف ألف لم يقدر عليها، في عام 90 هـ استطاع يزيد وإخوته حبيب وعبد الملك والمفضل أن يتنكروا ويهربوا من السجن بمساعدة أخيهم مروان فهربوا جميعهم إلا أبو عيينة، فلما يقدر الحجاج على إيجادهم، فظن أنهم ذهبوا لخراسان ليخرجوا على الدولة ويحدثوا فتنة فأرسل إلى قتيبة بن مسلم يحذره: «كن على حذر فإن يزيد بن المهلب قد هرب من سجني ولا أدري أين توجه وأخاف أن يفسد عليك خراسان إن دخلها»، بينما في واقع الأمر توجه يزيد ومروان والمفضل وعبد الملك إلى الشام بينما اختبئ حبيب بالبصرة، فذهبوا إلى فلسطين حيث يوجد سليمان بن عبد الملك واليها، وعنده طلبوا الأمان وأن يُجيرهم فأمنهم سليمان بعد أن توسط لهم رجل من نفس قبيلتهم، وكان بين سليمان والحجاج عدواة شديدة، بعدها عرف الحجاج مكانهم فأرسل للوليد يقول: «إن آل المهلب خانوا مال الله عز وجل وهربوا مني، ولحقوا بسليمان»، فأرسل سليمان للوليد يطلب منه أن يُؤمِّن آل المهلب وأخبره أنه سيُسدد الأموال التي أخذها يزيد للحجاج فرفض الوليد وقال له أن يأتيه بيزيد، فعاد سليمان وطلب الأمان مجدداً فغضب الوليد وقال: «والله لتوجهنَّ به إلي مكبلاً مغلولاً»، عندها غضب سليمان دعى ابنه أيوب فقيده وقيد يزيد ثم ربطهم ببعضهم بأغلال حديد وأرسلهم لدمشق للوليد وأرسل له يقول: «أما بعد يا أمير المؤمنين فإني قد وجهتُ إليك بيزيد بن المهلب فابدأ بأيوب من قبله ثم اجعل يزيد ثانياً واجعلني إذا شئت ثالثاً والسلام»، قصد سليمان أن يسجنه هو وابنه أيوب بن سليمان مع يزيد إذا أراد، فخجل الوليد وقال: «قد أسأنا إلى أبي أيوب إذ بلغنا به هذا المبلغ»، فسامح يزيد وأمنه وكتب للحجاج أن يترك آل المهلب وشأنهم، وبقي يزيد وإخوانه مع سليمان حتى توفي الوليد والحجاج فأكرمه سليمان وجعله أقرب أصدقائه.
بعدما أخذ سليمان الخلافة جعل يزيد والياً على العراق وخراسان وولى حبيب بن المهلب على الهند والسند، وولى مدرك بن المهلب على سجستان، وولى مراون بن المهلب على البصرة، وولى عُمان زياد بن المهلب، فقام يزيد وإخوانه بجمع عشيرة الحجاج "آل أبي عقيل" لينتقم من الحجاج فسجنهم فعذبونهم أشد العذاب طيلة عهد سليمان وأخذوا أموالهم وأملاكهم، وكان ممن سجنوه وعذبوه وقتلوه محمد بن القاسم الثقفي ابن أخ الحجاج وصهرهـ الذي فتح الهند والسند، وعذب عبد الملك بن المهلب الحكم بن أيوب بن الحكم بن أبي عقيل الثقفي حتى الموت، وفقأ عبد الملك عين يوسف بن عمر الثقفي ابن عم الحجاج أثناء التعذيب ثم استطاع يوسف الهرب منهم، وسجن يزيد أبناء الحجاج وكان فيمن سُجِن أم الحجاج بنت محمد بن يوسف الثقفية بنت أخ الحجاج فسجنها يزيد وأمر أخيه عبد الملك بتعذيبها فعذبها، وكانت زوجة يزيد بن عبد الملك وأم ابنه الوليد بن يزيد، فحاول يزيد أن يجعل يزيد بن المهلب يترك زوجته فرفض فعرض عليه أن يدفع له من المال ما يشاء فرفض فهدده يزيد بن عبد الملك: «أما والله لئن وليتُ من الأمر شيئاً لأقطعنَّ منك طابقاً»، فقال له يزيد بن المهلب: «وأنا والله فلئن كان ذلك لأرمينك بمائة ألف سيف»، وبعدها استطاع يزيد بن عبد الملك أن يفدي زوجته بمبلغ قدره مئة ألف وحررها من السجن، وقيل أن التي عذبها ابن المهلب وحررها يزيد بن عبد الملك ليست أم الحجاج بنت محمد بل أختها. وفي خراسان ما أن تولى عليها يزيد حتى أخذ وكيع بن أبي سود فسجنه بسبب خلاف معه وسجن معه عماله وحاشيته جميعهم وعذبهم معه بعصر أقدامهم بآلة الدهق، ثم أخذ كل رجل اشتغل مع قتيبة بن مسلم الباهلي أثناء ولايته على خراسان فسجنهم وعذبهم وسرق أموالهم فلما انتقده شاعر خفف التعذيب عنهم، ثم أخذ عمرو بن مسلم الباهلي أخ قتيبة فسجنه وعذبه وسرق كل ما يملك حتى أن محمد بن المهلب أخ يزيد حذره وحذر بقية إخوانه العاقبة ومن أن ينقلب عليهم الحال.
ثم فتح يزيد جرجان وطبرستان وفي هذه الفتوحات كسب الكثير من الغنائم، فكتب لسليمان يخبره أنه جمع مبلغ ضخم من الخُمُس يقدر بـ "ستمائة ألف ألف" ففرح سليمان، ثم استمر يزيد بسرقة أموال أهل خراسان حتى سرق مبالغ لا تُقدر بثمن ظلماً وعدواناً، وقرر أن ينفصل بمُلك خراسان والخروج على سليمان فكتب أهلها يحذرون سليمان، فلما علم سليمان لَم يعرف كيف يتصرف، وكان أخيه مسلمة بن عبد الملك حينها في القسطنطينية يُحاصرها، فحذره رجل من أن الأموال التي مع يزيد كثيرة وبها يستطيع الخروج عليه وبدونها لن ينجح بشيء وقال له أن عليه إرسال أحد إخوته ليأخذ الأموال من يزيد غصباً عنه فحينها أرسل سليمان لمسلمة وهو بالقسطنطينية يخبره بيزيد ويريد منه أن يحل مشكلته بنفسه، وفي هذه الأثناء توفي سليمان وتولى الخلافة عمر. ووصل خبر وفاة سليمان ليزيد فانزعج وقال يسب سليمان وبنيه وأظهر طمعه بالخلافة: «إن معاوية بن أبي سفيان إنما كان له ولد واحد فمَلَك الخلافة هو وابنه بضعاً وعشرين سنة، وسليمان بن عبد الملك له ثلاث سنين، فمتى يخرج هذا الملك منهم! لا يخرج إلى يوم القيامة! ولنُبايعنَّ الأطفال من ولد سليمان.»، وكان يزيد يظن أن الخلافة بعد سليمان ستذهب لابنه أيوب ولكن توفي أيوب فذهبت الخلافة لعمر، وكانت علاقة يزيد سيئة بعمر إذ كان عمر يكرهه هو وإخوانه ويصفهم بالجبابرة وكان يُحذر سليمان من غدر يزيد وبالمقابل كان يزيد يتهم عمر بالرياء والنفاق، ثم عرف يزيد بخلافة عمر فذهب بما معه من الأموال إلى نيشابور وبقي فيها، ثم أرسل إليه عمر يطلب منه أن يُبايعه فلما قرأ يزيد الرسالة عرف أن عمر سيعزله عن المنصب ثم ذهب إلى العراق وأرسل الأموال التي كانت معه إلى مكان ما في البصرة، فدعاه والي العراق الجديد عدي بن أرطأة الفزاري وقال له: «أبا خالد! إن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز أمرني أن أقبض منك الأموال التي جبيتها من بلاد خراسان وجرجان وطبرستان»، فقال يزيد: «أيها الأمير! إنه كان ذلك، غير أني فرقته في أجناد خراسان وقويتهم به في جهاد عدوهم ولم أدخر من تلك الأموال شيئاً»، فعلم عدي أنه يكذب فقال له: «دع هذا يا بن المهلب وأخرج من هذه الأموال، وإلا حملتك إلى أمير المؤمنين فيرى فيك برأيه»، فوافق يزيد على الذهاب لعمر فسجنه عدي وأراد نقله لعمر، ولكن أتى أشراف وأسياد خراسان يطلبون القصاص من يزيد بن المهلب ويشتكون لعدي ظلمه وما فعله بهم، ثم أرسله عدي مع رجل اسمه موسى بن الوجيه الحميري لعمر فسأله عن الأموال فقال: «نعم يا أمير المؤمنين إني قد كنت من سليمان بالمكان الذي قد علمت، فكتبت إليه بذلك الكتاب ليسمع به الناس، وقد علمت أن سليمان لم يكن ليأخذني بما كتبت به إليه، ولا كنت أخاف أن يأتيني من قبله أمر أكرهه». فعلم عمر أنه يكذب وفقال له: «يا بن المهلب! دع عنك هذا، فإني ما أجد بُداً من أخذك بتلك الأموال حتى تؤديها وإلا حبستك بها، فاتقِ الله يا بن المهلب وأدِّ ما قبلك فإنها حقوق المسلمين ولن يسعني تركها عليك»، فرفض يزيد فأمر عمر أن يربطوهـ بغلائل أكثر ثم سجنه، وأراد عمر أن ينفيه إلى جزيرة دهلك ولكن قال له شخص أن يزيد لديه 10 آلاف عبد يفدونه بحياتهم وأنه ما أن يخرج حتى يُهرِّبونه ويفعلون فتنة، فأبقاه عمر بالسجن، وحاول ابنه مخلد بن يزيد أن يتوسط له عند عمر وعرض على عمر أن يدفع بعضاً من المبلغ لأجل أبيه فرفض عمر، وحاول شخص أن يتوسط له فقال عمر: «هو رجل سوء قتال، والحبس خير له»، وبقي يزيد بالسجن رافضاً إعادة المال حتى مرض عمر عام 101 هـ فعلم يزيد أنه سيموت فقام برشوة الحراس وتنكر وهرب بمساعدة إخوانه لأن يزيد بن عبد الملك سيأخذ الخلافة، ولما هرب أرسل لعمر رسالة يقول فيها: «إني والله لو علمت أنك تبقى حياً ما برحت من محبسي الذي حبستني فيه أبداً، ولكني لم آمن أن تهلك ويَلي يزيد فيقتلني شر قتلة»، فقرأوا الرسالة على عمر وهو في آخر رمق له فدعى على يزيد قائلاً: «اللهم إن كان يزيد بن المهلب يريد بهذه الأمة شراً فاكفهم شره واردد كيده في نحره وأحقه به وهضه فقد هاضني، إنك على كل شيء قدير وذلك عليك يسير».