English  

كتب الحية والمرأة

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

الحية والمرأة (معلومة)


كتبت الدكتورة ابتهال الخطيب أنَّ" قصة فتاة تقع في حب كاهن معبد. القصة معقدة وغير منطقية كعادة كل القصص التراثية الإسطورية إلا أن المثير فيها أن الفتاة تتحول في لحظة غضبها إلى حية شبيهة بالتنين تنفث حقدها ناراً تحرق بها حبيبها الذي تعتقد بخيانته.

لفتني رمز الحية الذي لا يكاد يخلو منه أي ثقافة أو حضارة أو فلسفة دينية والذي عادة ما يقدم مرتبطاً بالأنثى في دلالة على شرورها ودهائها بعد أن بدأ في فجر البشرية كدلالة على قوة الأنثى وحكمتها بل وإلوهيتها. أن تتبع تاريخ تشبيه المرأة بالحية بداية من التشبيه الإيجابي مقدس المعنى ووصولاً إلى التشبيه السلبي شوفيني التضمين يشير بوضوح إلى التحول الحاد للمجتمع البشري من مجتمع أمومي كانت فيه المرأة هي الرمز/الآلهة/القائدة إلى مجتمع ذكوري أصبحت فيه المرأة هي الآخر/مصدر الآثام/الشر الذي لابد من التخلص منه.

فكما ظهرت الحية في التاريخ الياباني القديم بشكل تمييزي ضد المرأة، كان لها ظهور في التاريخ السومري، الذي هو لربما أقدم من الياباني، بذات القالب حينما هاجمت الحية البطل جلجامش سارقة منه نباتا يحتوي اكسير الشباب الذي يضمن له شبابه وقواه مدى حياته. تتابع ظهور الحية في العديد من الحضارات، ولكن المثير للانتباه هو أنه في حال ارتبط رمز الحية بالأنثى، فإن هذا الارتباط، الذي بدأ في أول البشرية ايجابياً ومصدقاً على قوة وإلوهية المرأة، انتهى لأن يكون دلالة على دهائها وشرها وسمومها النفاثة مع تحول البشرية إلى النظام الأبوي. وهكذا وصل هذا الرمز للأديان، فتحولت عصا موسى إلى أفاعي مخيفة في اليهودية، ودخلت أفعى إلى الجنة لتخرج منها آدم وحواء في المسيحية، وهي مخلوق مكروه ودلالة آثام وشرور، حيث أنها كذلك سبب خروج الإنسان من الجنة في هيئة حواء (حية من حياة ومن الحياة حواء-من ظل الأفعى، ص 88) في الإسلام.

إلا أن الكاتب د. يوسف زيدان يدعونا إلى مراجعة تاريخ هذا الكائن الزاحف الخارق وارتباطه التاريخي بالمرأة في روايته القصيرة الرائعة «ظل الأفعى» فيقول: «الحية عكس الميتة . . الحية ضد الفناء . . الحية مرادفة للخلود، والانبعاث، وتجدد البقاء. . الحية، أنت وأنا لحظة مولدك، لحظة الميلاد التي تتحقق بها أنوثة الأنثى، على نحو لا مثيل له. والحية، هي روح الوحي الأنثوي الساري في النساء، خافتاً كالفحيح، منذ فجر الوجود إلى يوم منتهاه». ثم يقول زيدان: «وللحية معان مستترة عن أعين الناس، وشت بها اللغةـ وتناساها الناس. الناس نسيان. فمن مستتر معانيها، ما يأتي في متون اللغة عند الإبانة عن لفظ إله. . ولا تندهشي من قول لغوي شهير، ابن منظور، إن الإلهة هي الحية العظيمة! وفي بيان مادة لوه يقول في كتابه المشهور «لسان العرب» ما نصه: اللاهة هي الحية، واللات صنم مشهور يكتب بالتاء (اللات) وبالهاء (اللاه) والأخير هو الأصح، وأصله لاهة وهي الحية!». وحتى عند العرب كان للحية معان خطيرة كما يشير زيدان كلها ترمى إلى عضو المرأة الخاصة بالتزويد بالحياة.

وكما تحولت المرأة من إلهة خارقة خلاقة في فجر الوجود الإنساني إلى كائن مستعبد ومادة شهوانية ومخلوق سام خطير في غروبه، تحول معها معنى ودلالات الأفعى، من رمز للوجود والحياة والقوة إلى آخر للدهاء والفناء والموت. هكذا قلبنا المعاني وحورنا الفهم التاريخي لصالح الذكورة الشوفينية، فنسينا تاريخنا الأنثوي المقدس، وإن حدث وذكرنا أحدهم به، تملصنا منه وكأنه جاهلية ورجس عظيم. إن تاريخنا البشري ينضح بسذاجتنا، يرسم خارطة واضحة لتبدل أدوارنا، يصور صورة يانعة الألوان لموروثاتنا الأسطورية التي أصبحت ايمانيات ومعتقدات ومفاهيم مقدسة لا تمس. نحن كائنات غريبة ساذجة، مهيبة رائعة، يجب أن نحتفي وننعي وجودنا الجليل المضحك في ذات الوقت".

المصدر: wikipedia.org