اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
لمَّا وصل السُلطان إلى دار مُلكه الجديدة، قدم إلى ركابه لِتهنئته بِالفتح أُمراء الأطراف، وكان من جُملتهم إسحٰق باشا، الذي وكَّلهُ السُلطان بِمُحافظة ثُغُور الروملِّي، فشكى إليه من أمير الأفلاق ڤلاد دراكول الثالث، وتعدِّيه على بلاد الإسلام. وڤلاد المذكور هو ابن ڤلاد الثاني الذي عاصر السُلطان مُراد، وكان قد تربَّع على عرش إمارة آبائه بعد صراعٍ مع ڤلاديسلاڤ الثاني الذي يُعتقد أنه قتل ڤلاد الثاني وحلَّ محلُّه بِدعمٍ من يُوحنَّا هونياد الوصيّ على عرش المجر. وعلى الرُغم من أنَّ ڤلاد الثالث كان قد أقام فترةً من الزمن في البلاط السُلطاني العُثماني بِأدرنة، عندما كان فارًّا من أمام ڤلاديسلاڤ سالِف الذِكر، إلَّا أنَّ سياسته تجاه الدولة العُثمانيَّة اتَّسمت بِالتذبذب، نظرًا لِوُقُوع بلاده بين ثلاث دول كُبرى تتنازع السيادة عليها: مملكة بولونيا، ومملكة المجر، والدولة العُثمانيَّة. فكان، بِحُكم موقع إمارته الجُغرافي، يُحالف هذه الدولة تارةً، وتلك الدولة تارةً أُخرى، وفقًا لِمصلحته. وكان ڤلاد الثالث قد عقد، في سنة 864هـ المُوافقة لِسنة 1460م، مُعاهدةً مع السُلطان الفاتح تعهَّد بِموجبها بِأن يدفع جزية سنويَّة قدرها عشرة آلاف دوقيَّة مُقابل احتفاظ الإمارة بِإداراتها الداخليَّة، وحماية عُثمانيَّة ضدَّ أي عدوانٍ خارجيّ. وبِمُوزاة ذلك كان يسعى لِلتحالف مع ملك المجر متياس كورڤن، ابن يُوحنَّا هونياد، ضدَّ العُثمانيين، وبِالفعل تمَّ لهُ ما أراد، حيثُ أغار على الأراضي العُثمانيَّة في بُلغاريا وأحرق المُدن والقُرى، كما اعتدى على التُجَّار العُثمانيين النازلين في بلاده. أمام هذا الأمر، أرسل السُلطان قاصدًا إلى ڤلاد الثالث يدعوه إلى الحُضُور والامتثال أمامه، فاحتال الأمير الأفلاقي وأظهر المُلائمة، واعتذر بِأنَّهُ إذا فارق بلاده سلَّمها أهلها إلى ملك المجر، والتمس من السُلطان أن يُرسل إليه جمعًا من الأُمراء والجُنُود لِيحفظوا بلاده إلى أن يعود هو إليها من ركاب السُلطان. فانخدع السُلطان منه وأمر أمير سنجق نيقوپولس حمزة بك الأرناؤوطي، ويُونُس باشا الخاصكي، وغيرهما بِأن يسيروا مع عساكر سناجقهم إلى مُحافظة بلاد الأفلاق إلى أن يعود إليها دراكول. ويُروى أنَّ السُلطان طلب من حمزة بك أن يُؤمِّن البلاد ويفرض فيها السلام، وأن يحذر غدر دراكول وكذبه، ويقتله دون تردُّد فيما لو استشعر منه الغدر والخيانة، أو يقبض عليه ويأتي به مُكبلًا.
ولمَّا وصل الجيش العُثماني إلى شاطئ نهر الطونة (الدانوب) وكان الوقتُ شتاءً، توقفوا فيه أيَّامًا، فبيَّتهم دراكول وأعمل فيهم السيف، فقُتل أغلب عناصر الجيش وجميع الأُمراء، بما فيهم حمزة بك ويُونُس باشا، ولم يفلت من المُسلمين إلَّا جمعٌ قليل، وقام دراكول بِخوزقة كُل الجُنُود العُثمانيين، ووضع حمزة بك على أعلى خازوقٍ لِتمييزه عن بقيَّة الجُنُود، كونه أعلاهم رُتبةً. وأغار دراكول بعد ذلك على البلاد البُلغاريَّة مُجددًا وعاث فيها الفساد، ورجع بِخمسةٍ وعشرين ألف أسير. ولمَّا وصل الخبر إلى السُلطان مُحمَّد تكدَّر بشدَّة، لكنَّهُ قرَّر أن يُحاول حل الأزمة الأفلاقيَّة بالوسائل الدبلوماسيَّة لِآخر مرَّة، فأرسل إلى ڤلاد الثالث مندوبين يدعوه إلى الطاعة وإخلاء سبيل الأسرى، فلمَّا مثُل الرُسل أمامه أمرهم بِرفع عمائمهم لِتعظيمه، لكنهم أبوا طلبه لِمُخالفته العادات والتقاليد الإسلاميَّة، فما كان من دراكول إلَّا أن أمر بِتسمير عمائمهم على رؤوسهم بِمسامير من حديد. لِهذه الأسباب عُرف هذا الأمير الأفلاقي في المصادر العُثمانيَّة باسم «قازقلى ويواده» أي «الأمير ذي الأوتاد» و«مانياك» أي «المجنون». لمَّا وصل خبر مقتل المبعوثين إلى السُلطان مُحمَّد استشاط غضبًا، وقام لِيضع حدًا لِتعديات هذا الأمير، فسار إليه على رأس جيشٍ يُقدَّر بِمائةٍ وخمسين ألف جُندي في ربيع سنة 866هـ المُوافقة لِسنة 1462م، وجدَّ في السير حتَّى وصل حُدُود تلك الإمارة، في حين أبحر الأُسطُول العُثماني عبر نهر الطونة وهبط في بلدة برايلة. وأرسل السُلطان علي بك بن أفرنوس في طائفة الآقنجيَّة لِلإغارة على البلاد الأفلاقيَّة، ثُمَّ عبر هو أيضًا في عقبه إليها. وكان دراكول قد تحصَّن في الجبال المنيعة صعبة الدُخُول، ولمَّا بلغهُ أنَّ علي بك يُغيرُ على بلاده وقد امتلأت أيدي أصحابه من الغنائم، قرَّر اتباع سياسة الأرض المحروقة، فأمر رجاله بِإتلاف الزرع والمواشي، ثُمَّ تراجع نحو مدينة ترگوويشتة. تتابعت المُناوشات بين العُثمانيين والأفلاقيين نحو شهر، كانت اليد العُليا فيها لِلعُثمانيين، فقتلوا وأسروا آلاف المُقاتلين، ممَّا دفع دراكول إلى اتخاذ إجراءٍ يائس لِمُحاولة قلب الكفَّة، ففي ليلة 20 رمضان 866هـ المُوافق فيه 17 حُزيران (يونيو) 1462م، بيَّت دراكول العساكر العُثمانيَّة وهاجمهم على حين غفلة، وبنيَّته قتل السُلطان مُحمَّد أو أسره في سبيل إحداث بلبلةٍ واضطرابٍ في الجيش العُثماني، فاشتعلت نار الحرب بين الفريقين إلى طُلُوع الشمس، ثُمَّ انكسر الأفلاقيُّون فهربوا، فعقبهم علي بك ميخائيل أوغلي بِأمر السُلطان وأكثر القتل والأسر فيهم، لكنَّهُ لم يتمكن من القبض على دراكول لِهُرُوبه والتجائه إلى ملك المجر. فعاد علي بك مع الأسارى والغنائم إلى ركاب السُلطان، الذي أمر شُجعان الأُمراء بتتبُّع القادة الأفلاقيين المُتحصنين في الجبال والصعاب، ففعلوا ذلك وأخرجوهم إلى القفار وقتلوهم عن آخرهم. ثُمَّ سار السُلطان نحو مدينة بوخارست حيثُ نادى بِعزل ڤلاد الثالث وتنصيب أخاه راؤول مكانه لِثقته به، بِما أنَّهُ تربَّى في حضانة السُلطان مُنذُ نُعُومة أظفاره، وبِذلك فُتحت بلاد الأفلاق وأضحت تحت السيطرة المُباشرة لِلدولة العُثمانيَّة. ويُقال أنَّ عند وُصُول السُلطان مُحمَّد إلى ضواحي بوخارست وجد حول المدينة غابةً من الخوازيق عُلِّقت عليها جُثث الأسرى الذين أتى بهم أمير الأفلاق من بلاد بُلغاريا وقتلهم عن آخرهم بما فيهم الأطفال والنساء.