English  

كتب الحرب العثمانية السعودية

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

الحرب العثمانية السعودية (معلومة)


الحرب العثمانية السعودية أو الحرب المصرية السعودية، هي حرب نشبت بين الدولة العثمانية والدولة السعودية الأولى ما بين سنتي 1226هـ-1233هـ/1811م-1818م، وقد انتهت بعد ست سنوات وأحد عشر شهراً بسقوط الدولة السعودية الأولى وتدمير عاصمتها الدرعية على يد قوات محمد علي باشا الوالي العثماني لمصر.

الخلفية التاريخية

ظهرت الدعوة السلفية في القرن الثامن عشر للميلاد على يد الشيخ محمد بن عبدالوهاب التميمي. ولد محمد بن عبد الوهاب سنة 1115هـ (1703م) في العُيَيْنة من بلاد اليمامة، ونشأ وقرأ القرآن الكريم وحفظه بها، وتلقى العلم عن أبيه الذي كان قاضياً فيها، وحج إلى بيت الله الحرام وهو بعد في سن الشباب، ثم قصد المدينة المنورة وأقام بها نحو شهرين، ثم رجع إلى بلده واشتغل بدراسة الفقه على مذهب شيخ الإسلام أحمد بن حنبل، وكان حاد الفهم، شديد الذكاء، سريع الإدراك والحفظ، قوي الرغبة في العلم، رحل في طلب العلم فقصد البصرة والحجاز مراراً، ثم أقام بالأحساء؛ إذ كانت آهلة برجال العلم والعلماء، وطالت إقامته يتلقى فيها العلم ويقرأ كثيرا من كتب الحديث والفقه واللغة، فاتسع في كل ذلك، ثم رجع إلى أرضه وموطنه.

كان محمد بن عبدالوهاب حنبلي المذهب، وقد استنكر كثيراً من البدع الفاشية بين المسلمين ورأى فيها شركا بالله، وسعى لتنقية عقيدة المسلمين والتخلص من العادات والممارسات التعبدية التي انتشرت في شبه الجزيرة العربية وخارجها وتراها السلفية مخالفة لجوهر الإسلام التوحيدي، مثل: سؤال الأموات والاستغاثة بهم، والنذر لهم، والذبح لهم، واللجوء إليهم، وبناء المساجد والأضرحة على قبورهم، والتبرك بترابهم؛ أو سؤال الجمادات من الشَّجَرِ والحَجَرْ؛ أو سؤال الغائبين من الملائكة والجن، وغير ذلك. فدعا إلى التوحيد وصنف فيه كتاباً، وكرس نفسه لتنقية الدين وتخليصه مما دخله من البدع، فدعا قومه إلى نبذها وطرح كل ما لم يرد في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة من التعبدات الشركية، والرجوع بالدين إلى فطرته وبساطته الأولى على ما كان عليه سلف الأمة. وقد وقف معه فئة قليلة وتعرض للأذى أول أمره؛ إذ تنقل بين بلدات اليمامة حتى استقر به المقام بالدرعية. وكان ذلك بعد أن طرده أخيراً أمير العُيَيْنة، عبد الله آل معمر؛ خوفاً من حاكم الأحساء الذي توعد بقطع التجارة مع العُيَيْنة إن لم يخرج محمد بن عبد الوهاب منها.

مناصرة محمد بن سعود لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب

هو مؤسس الدولة السعودية الأولى أو أمير الدرعية السادس عشر، تولى الإمارة خلفاً لابن عمه زيد، وقد تزامنت ولايته مع ظهور أمر الدعوة السلفية؛ وقد وصل الشيخ محمد بن عبدالوهاب إلى الدرعية، وأخذ يدعو أهلها لنبذ كل ما أدخل على دين الله مما ليس فيه، ومنادياً إلى إخلاص العبادة لله وحده، فناصره أهلها، وتوافد عليه طلاب العلم ومنهم: ثنيان بن سعود ومشاري بن سعود، إخوة أمير الدرعية، محمد بن سعود. لم يكن الأمير محمد مهتماً في البداية إلا بعد أن تأثرت زوجته موضي بنت أبي وطبان بالدعوة السلفية؛ إذ ألحت على زوجها بمناصرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب والذهاب إليه ومعاونته، والنظر في دعوته، فالتقى الأمير محمد بن سعود بالشيخ محمد بن عبد الوهاب في مسكن الأخير، وتأثر بدعوته، وتعاهدا على نشر الدعوة، وقد تمخض عن ذلك ميثاق الدرعية (اتفاق الدرعية) إيذاناً بقيام الدولة السعودية وإمامتها؛ إذ استبدل لقب الأمير بالإمام سنة 1157هـ الموافق لسنة 1744م. أراد أمير الدرعية، محمد بن سعود، أن يكون بينه وبين الشيخ محمد بن عبد الوهاب عهداً وميثاقاً، فقال له: «يا شيخ إن هذا دين الله ورسوله الذي لا شك فيه، وأبشر بالنصرة لك ولما أمرت به والجهاد لمن خالف التوحيد، ولكن أريد أن أشرط عليك شرطين اثنين. الأول: نحن إذا قمنا بنصرتك والجهاد في سبيل الله وفتح الله لنا ولك البلدان، أخاف أن ترحل عنا وتستبدل بنا غيرنا. الثاني: إن لي على الدرعية قانونا -أي ما يدفعه الضعيف إلى القوي ليحميه ويدافع عنه في سفره وترحاله- آخذه منهم في وقت الثمار، وأخاف أن تقول لا تأخذ منهم شيئا»، أجاب الشيخ: «أيها الأمير أما الأول فأبسط يدك الدم بالدم والهدم بالهدم، وأما الثاني فلعل الله أن يفتح لك الفتوحات، فيعوضك الله من الغنائم ما هو خير منها». ثم بسط محمد بن سعود يده، وبايع محمد بن عبد الوهاب على نصرة دين الله ورسوله والجهاد في سبيل الله وإقامة شرائع الإسلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

روى عثمان بن عبدالله بن عثمان بن بِشر الحرقوصي المؤرخ النجدي المعاصر لتلك الحقبة عن استعصام الشيخ محمد بن عبدالوهاب بالدرعية، ونصرة أميرها له، ما نصه: «أبشر ببلادٍ خير من بلادك، وبالعز والمنعة. فقال له الشيخ: وأنا أبشرك بالعز والتمكين والنصر المبين، وهذه كلمة التوحيد التي دعت إليها الرسل كلهم، فمن تمسك بها، وعمل بها، ونصرها، ملك بها البلاد والعباد». كما أرخ عن مظاهر الشرك التي عَمَّت قَبْل نصرة أمير الدرعية لدعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب، ما نصه: «وكان الشرك إذ ذاك قد فشى.. وكثر الاعتقاد في الأشجار والأحجار والقبور والبناء عليها والتبرك بها والنذر لها، والاستعاذة بالجن والنذر لهم، ووضع الطعام وجعله لهم في زوايا البيوت لشفاء مرضاهم ونفعهم، والحلف بغير الله وغير ذلك من الشرك الأكبر والأصغر.. وليس للناس من ينهاهم عن ذلك -بزواجر القرآن وقوة السلطان-، فيصدع بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. فلما تحقق الشيخ.. معرفة التوحيد، ومعرفة نواقضه، وما وقع فيه كثير من الناس من هذه البدع المضلة، صار ينكر هذه الأشياء.. لكن لم ينهوا عما فعل الجاهلون -أمراء البلدات-، ولم يزيلوا ما أحدث المبتدعون».

روى حسين بن أبي بكر بن غنام التميمي الأحسائي أحد مؤرخي الدولة السعودية الأولى والمعاصر لها في وصف مكانة الشيخ محمد بن عبدالوهاب بالدرعية، ما نصه: «وقد بقي الشيخ بيده الحلّ والعقد، والأخذ والإعطاء، والتقديم والتأخير، ولا يركب جيش ولا يصدر رأي من محمد بن سعود ولا من ابنه عبدالعزيز، إلا عن قوله ورأيه. فلما فتح الله الرياض، وأمنت السبل، وانقاد كل صعب من باد وحاضر، جعل الشيخ الأمر بيد عبدالعزيز بن محمد بن سعود، وفوض أمور المسلمين وبيت المال إليه». أصبحت الدرعية مركزاً لنشر دعوة محمد بن عبد الوهاب الإصلاحية، وتقاطر إليها طلاب العلم الذين صاروا فيما بعد أنصاراً للدعوة وللدولة، وبدأ الشيخ يبعث برسائله إلى أمراء البلاد المجاورة وزعماء القبائل، يبلغهم ما يدعو إليه من إحياء للدين.

لاحقاً، ومع توسع الدولة السعودية، ألغي نظام الإخاوة أو القانون الذي كان يدفعه الضعيف في السفر، وحل محله الزكاة. وكذلك لم تعد القوة هي الحكم في الخلافات بين الناس، فقد أقيم قضاة لفصل الخصومات ونشطت الحركة العلمية نشاطاً عظيماً.

منع أتباع الدرعية من دخول مكة المكرمة

بعد أن ظهر أمر الدعوة السلفية في نجد اليمامة، وما قام به أتباعها من هدم لأضرحة الأولياء والصالحين المقامة ناحيتهم، قام قائم مكة ووالي الحجاز العثماني، الشريف مسعود بن سعيد، بمنع أتباع الدرعية من الحج، وحبس حاجهم، وشنع في دعوتهم، وبث أتباعه لتنفير الناس منهم، واتهمهم بالجهل، وكفرهم؛ إذ منعهم من دخول مكة من عامهم ذاك سنة 1162هـ الموافق لسنة 1748م. كما كفر الشيخ محمد بن عبدالوهاب وأمر أتباعه بكتابة الكتب ضده وتشويه دعوته. روى ابن بِشر المؤرخ النجدي المعاصر لتلك الحقبة عن منعهم من دخول مكة، ما نصه: «وفيها حبس مسعود بن سعيد شريف مكة حاج نجد، ومات منهم في الحبس عدة، وقيل أول القحط في إحدى وستين».

سار خلف قائم مكة، الشريف مساعد بن سعيد، على نهج أخيه الشريف مسعود بن سعيد، على أنه في آخر عهده سمح لأتباع الدرعية بالحج؛ إذ حدث في سنة 1183هـ الموافق لسنة 1769م أن قبضت جماعة من أتباع الدرعية على جماعة من أتباع الشريف مساعد بن سعيد وعليهم الشريف منصور، وعندما أحضروا إلى الدرعية، أكرمهم إمام الدرعية، عبدالعزيز بن محمد، وأطلق سراحهم دون مقابل، فكافأهم شريف مكة بأن سمح لهم بالحج تلك السنة.

توفي الشريف مساعد بن سعيد سنة 1184هـ الموافق لسنة 1770م، وخلفه الشريف أحمد بن سعيد الكاره للدولة العثمانية، فالتقى بأتباع الدرعية على كراهية من العثمانيين، وراسل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأكرم الشيخ عبد العزيز الحصين الذي وفد إليه لمناقشة كتاب الشيخ محمد بن عبد الوهاب، كتاب التوحيد، كما سمح لأتباع الدرعية بالحج حتى تم عزله؛ إذ عين مكانه الشريف سرور بن مساعد المعادي للدرعية سنة 1186هـ الموافق لسنة 1772م.

قام الشريف سرور بن مساعد، خلف الشريف أحمد بن سعيد، بمنع أتباع الدرعية من الحج حتى قَدَّم له إمام الدرعية، عبدالعزيز بن محمد، هدايا ثمينة، وتودد له، فسمح لأتباع الدرعية بالحج سنة 1197هـ الموافق لسنة 1782م، ولسنة واحدة. روى ابن غنام الأحسائي المعاصر لتلك الحقبة ما قُدِم لشريف مكة في قوله: «وفيها أهدى عبدالعزيز، حرسه الله تعالى، إلى سرور والي مكة المشرفة خيلا وركابا، وكرمه بذلك وشرفه، وقصده بذلك التشريف والإكرام، وإهدائه ذلك النفيس الذي هو أجل الحطام، الرخصة لأهل الدين والإسلام، في أداء واجب الافتراض والالتزام، خامس أركان هذا الدين، على التحقيق والجزم واليقين، الذي مُنِعُوه من سنين، وكانوا على قضائه متوجدين، فجاء الأمر منه في ذلك بالرخصة، فشمر المسلمين وانتهزوا الفرصة».

توفي الشريف سرور بن مساعد سنة 1202هـ الموافق لسنة 1787م، وخلفه أخوه الشريف غالب بن مساعد، والذي واصل سياسة سلفه، بل وقام بتجريد حملات كبيرة قاصداً إنهاء نفوذ الدرعية عسكريا بإيعاز من الدولة العثمانية؛ إذ كان ذلك بعد أن توسعت وامتد نفوذها لجبل شمر والأحساء المحاذيتين لمناطق نفوذ الدولة العثمانية. لاحقاً، سمح الشريف غالب بن مساعد بعد هزيمة وقعت عليه لأتباع الدرعية بالحج ودون انقطاع.

يقول الشيخ محمد بن عبدالوهاب في مجمل رسالته لأهل المغرب:
يقول الشيخ محمد بن عبدالوهاب في مجمل رسالته لأهل القصيم:

توسع الدولة السعودية بنجد ومحاربة الدولة العثمانية لها عن طريق ولاة العراق والحجاز والشام

اختلفت نظرة الدولة العثمانية إلى الدولة السعودية باختلاف المكان الذي تمتد إليه. فنظرت الدولة العثمانية إلى الدولة السعودية ودعوتها، في نجد، على أنها انتفاضة محلية كعادة القبائل في المنطقة؛ لأن نجداً، في نظر الدولة العثمانية، إقليم بعيد عن مراكزها، الإستراتيجية والاقتصادية والعسكرية، في شبه الجزيرة العربية وخارجها. ومع أن الدولة العثمانية، أحست بأن الدعوة السلفية والدولة السعودية، تحَدٍ، ديني وسياسي، لها، إلا أن موقفها تجاههما كان مختلفاً. فحينما امتدتا إلى جبل شمر والأحساء وأصبحت الدولة السعودية تحاذي مناطق نفوذها بشكل كبير، رأت الوقوف في وجه هذا التحول، فاتخذت موقفاً معادياً لهما. ورأت أن تستخدم عدة قوى سياسية في ضربهما. أصبح العراق العثماني مركزا لتجمع القوى المعارضة للدولة السعودية، بالإضافة لذلك قامت الدولة العثمانية بتجريد حملة ضد الدولة السعودية بقيادة زعيم المنتفق بالعراق، ثويني بن عبد الله، سنة 1201هـ الموافق لسنة 1786م، ومعه حشود كبيرة من قبائل المنتفق وأهل المجرة والزبير وبوادي شمر العراق وغالب وطيء، وقد تقدمت تلك الحملة واحتلت بلدة التنومة عنوة، ثم حاصرت بريدة إحدى بلدات القصيم، لكن ثويني بن عبد الله اضطر لرفع الحصار لاحقاً بعد أن سمع بوقوع الاضطرابات جنوب العراق، فقفل راجعاً إلى وطنه. صعدت هذه الحملة من حدة الموقف بين الدرعية والأستانة، ولذلك قام إمام الدرعية عبدالعزيز بن محمد بإرسال رسالة إلى والي بغداد العثمانية، مصحوبة بنسخة من كتاب الشيخ محمد بن عبد الوهاب، كتاب التوحيد، وطلب منه أن يجمع علماء بغداد للنظر في الكتاب، والإيمان بما جاء فيه والكف عنهم، إلا أن الوالي استخف بهذه الدعوة. وبذلك، عدت أرض العراق دار حرب، في نظر الدولة السعودية.

واصل العثمانيون دعمهم للخارجين على النفوذ السعودي، مما تسبب باندلاع الحرب السعودية المملوكية. وردا على ذلك الدعم المقدم من ناحية العراق العثماني لخصوم الدرعية ودعوتها، أغار سعود الكبير بن عبدالعزيز على أرض الروضتين بين المطلاع وسفوان سنة 1203هـ الموافق لسنة 1788م في حملة تأديبية، إلا أنها لم توقف أو تحد من موقف العثمانيين في دعم المعارضين للنفوذ السعودي، حيث لجأ إلى العراق براك بن عبدالمحسن آل حميد سنة 1207هـ الموافق لسنة 1792م مما أغضب الدرعية.

وفي سنة 1205هـ الموافق لسنة 1790م، جهز الشريف غالب بن مساعد قائم مكة ووالي الحجاز، حملة ضخمة بإيعاز من الدولة العثمانية لضرب الدولة السعودية الناشئة في نجد وتدمير عاصمتها. قام الشريف غالب بتسيير حملته تحت قيادة أخيه الشريف عبد العزيز بن مساعد، وقوامها عشرة آلاف مقاتل مجهزة بالمدافع. وصلت تلك القوات لمنطقة السر في نجد، وأطبقت الحصار على حصن قصر بسام أربعة أشهر. كانت الدولة السعودية في فترة هجوم الشريف تلقي بكامل ثقلها على دولة آل حميد في الشرق، وما إن وصلها النبأ حتى سير عبدالعزيز بن محمد قواته صوب منطقة السر لفك الحصار عن حاميته المرابطة بحصن قصر بسام. قامت قوات الدرعية بتعقب قوات الشريف عبد العزيز بن مساعد وأوقعت فيها خسائر فادحة انسحب على إثرها الشريف عبد العزيز لقرب بلدة الشعراء في عالية نجد، مما دفع بالشريف غالب للمسير بنفسه ونجدة قواته، فسار من نفس العام وأطبق الحصار على بلدة الشعراء مع أخيه الشريف عبد العزيز وعجزا عن اقتحامها بعد شهر من حصارها. مع نقص المؤن واقتراب موسم الحج، آثر الشريف غالب رفع الحصار، فقفل راجعاً إلى الحجاز مع أخيه دون أي نتيجة تذكر. وفي سنة 1210هـ الموافق لسنة 1795م، أغار الشريف غالب بن مساعد على أتباع الدولة السعودية في عالية نجد، قرب ماء ماسل، وأحدث فيهم مقتلة عظيمة، وقد شجعه انتصاره على شن حملة جديدة من نفس العام أيضا إلا أنه هزم عند ماء الجمانية بعد أن بعث عبدالعزيز بن محمد قوات لصده.

جردت الدولة العثمانية لاحقاً حملة جديدة سنة 1211هـ الموافق لسنة 1796م بقيادة زعيم المنتفق بالعراق، ثويني بن عبد الله، ضد الدولة السعودية. وقد قصد ثويني بن عبد الله الأحساء هذه المرة، ولم يتوجه نحو الدرعية مباشرة؛ إذ نزل الطف، ومن ثم قصد ماء الشباك قرب القطيف بحراً، فارتدت قواته عندها، واضطربت صفوفه، فتعقبتها قوات الدرعية، وأخذت في مطاردة فلولها حتى الكويت.

وفي سنة 1212هـ الموافق لسنة 1797م، استغل الشريف غالب بن مساعد انشغال الدولة السعودية ناحية العراق، فشن هجوماً عاصفاً من جهة الحجاز غرباً على القبائل التي اعتنقت الدعوة السلفية في رَنْيَة وبِيْشَة بإيعاز من الدولة العثمانية، مما دفع بعبدالعزيز بن محمد لإرسال بعض قواته لنجدتهم.

بعد هزيمة ثويني بن عبد الله سنة 1211هـ الموافق لسنة 1796م، جهزت الدولة العثمانية حملة جديدة من اثني عشر ألفاً من المقاتلين بقيادة نائب والي بغداد العثمانية، الكتخدا علي باشا، وضمت فيها الجند المدرب والمدافع، وقوة من العشائر جنوب العراق، وسيرتها سنة 1213هـ الموافق لسنة 1798م نحو الأحساء براً وبحراً، إلا أنها عجزت عن اقتحام حصون الأحساء، ودب اليأس في قواتها مع طول الحصار، فقفلت راجعة إلى العراق. عندها أسرع سعود الكبير بن عبدالعزيز في تخريب آبار الماء على طول الدرب وأقام معسكره عند ماء ثاج، شمال الأحساء، ليمنعهم عنه. وقد قامت مناوشات بين الطرفين عند الماء، وانسحب على إثرها الكتخدا علي باشا دون أي طائل. لم تحقق تلك الحملات أهدافها في القضاء على إمامة الدرعية إلا أنها استنزفتها قَبْل الحملة العثمانية المصرية لاحقاً؛ إذ امتدت النزاعات مع ولاة العراق حتى سنة 1226هـ الموافق لسنة 1811م.

يقول سعود الكبير بن عبدالعزيز في مجمل رسالته رداً على إحدى رسائل الكتخدا علي باشا (كان قد تَوَعَّدَه الأخير فيها بعد أن أصبح الوالي في بغداد بمعاودة المسير نحو الأحساء مطالباً بها ومستشهداً بمسيره وعزمه قبل الولاية):

يُذْكر أن تلك الأعمال والحملات العثمانية على الدولة السعودية كانت سبباً في اندلاع الحرب السعودية المملوكية، حيث أصبح العراق العثماني في فترة ولاته المماليك مركزا لتجمع المعارضين للنفوذ السعودي ومصدر تهديد لأقاصي مناطق هذا النفوذ شرقاً وشمالاً. لذا، أغار سعود الكبير بن عبدالعزيز على الزبير والبصرة وسوق الشيوخ والسماوة والنجف وكربلاء وعانة وبواديهم، وكررها مراراً، وكان ذلك ما بين سنتي 1797م-1811م. عمل سعود الكبير فيها على جمع قواته من أهل البادية والحاضرة على حدود العراق، والتوغل معهم قاصداً بلدات العراق على نهر الفرات؛ ليقضي على فرصتهم في أن يغيروا عليه في جيوبه المتفرقة كما كان يحدث معه سابقاً. أوكلت الدولة العثمانية لاحقاً لوالي الشام، عبد الله باشا العظم، مهمة القضاء عليه، إلا أنه لم يقم بأي عمل فعال بحجة ضعف قواته، فعزلته، وعينت مكانه يوسف باشا كنج الذي اكتفى بالتحريض على دعوة الدرعية، والاستعداد لغزو مناطقها المتاخمة لحدود إيالته سنة 1224هـ الموافق لسنة 1809م؛ وكان ذلك إبان انشغال الدرعية بأحداث إنزال الحملة البريطانية الثانية على شواطئها في خورفكان ورأس الخيمة وما حولهما سنة 1224هـ الموافق لسنة 1809م. بعث سعود الكبير بن عبدالعزيز برسالة ليوسف باشا كنج لاحقاً، كما سير حملة كبيرة عليه سنة 1225هـ الموافق لسنة 1810م، أغار فيها على القبائل حول بصرى والمزيريب، وتنقل بنفسه على رأس قواته في سهل حوران، ووصل لماء الفيجة وجبل الشيخ؛ مما أغضب السلطان العثماني الذي عزل يوسف باشا كنج وعين مكانه سليمان باشا على أن ينسق مع والي مصر محمد علي باشا جهودهما ضد الدرعية.

دخول الحجاز في طاعة إمام الدرعية

في سنة 1217هـ الموافق لسنة 1802م، قدم على الدرعية صهر الشريف غالب بن مساعد، عثمان بن عبد الرحمن العدواني، وكان مبعوثاً من قِبَل الشريف غالب في مكة للتفاوض بعد أن لاقت الدعوة السلفية استحسان بعض قبائل الحجاز التابعة للشريف، وظهر جلياً خوفه من أن تنقلب عليه. تأثر عثمان العدواني أثناء إقامته بالدرعية بما يدعو إليه علماؤها؛ إذ انضم إليهم، وخلع ما كان عليه الشريف غالب والعثمانيين، وسار من نفس العام لضم الحجاز، ونشر الدعوة السلفية فيه. كان يرافقه سعود الكبير ابن الإمام عبدالعزيز بن محمد مع عدد كبير من قوات الدرعية، وكان ذلك قبيل اغتيال إمام الدرعية عبدالعزيز بن محمد.

هُزِم عسكر الشريف غالب بن مساعد من نفس العام في معركة العبيلاء، ثم اجتمع لدى عثمان العدواني من أهل البادية والحاضرة في نجد والحجاز الكثير، فتوجه بهم إلى الطائف وفيها الشريف غالب بن مساعد وقد تحصن واستعد لمنازلتهم، فحاصرها، فما كان من الشريف إلا أن ترك الطائف متوجهاً إلى مكة، فدخلها عثمان وأتباعه، وخضعت له جميع قراها وبواديها، فجمع الأخماس وبعثها إلى الدرعية؛ وعلى إثر ذلك تم تعينه أميراً على الحجاز تقديراً لصنيعه.

وفي سنة 1218هـ الموافق لسنة 1803م، خضعت أرياف الحجاز الجنوبية، ومن ثم حاصر عثمان العدواني عامل الدولة السعودية على الحجاز مع أتباعه مكة، ودخلها من دون قتال بعد خروج الشريف غالب بن مساعد إلى جدة، في حين هاجم سعود الكبير بن عبدالعزيز جدة، فامتنعت عن السقوط، فانسحب لمناعة أسوارها على أن يعيد الكرة لاحقا. استغل الشريف غالب بن مساعد عودة سعود الكبير (بُوْيع إماماً إثر حادثة اغتيال أبيه من نفس السنة)، واستولى على مكة، في حين توجه عثمان العدواني إلى جدة وحاصرها دون طائل. دخل معظم أهل الحجاز في طاعة عثمان العدواني بعد أن تأثروا بالدعوة السلفية، وقد أقام عثمان حصناً منيعاً في المدرة، وجعل عليه أحد المخلصين له ليكون كتثبيت لسيطرته. استمر عثمان العدواني بمضايقة عسكر الشريف غالب بن مساعد ودارت بينهم وقائع كثيرة، تلاها صلح بين الدرعية والشريف غالب بن مساعد بعد أن ضيق علماء مكة على الشريف، فخضع الشريف غالب للدرعية، وعُيِن قائماً على مكة، فامتد نفوذ الدولة السعودية لمكة المكرمة وكان ذلك بعد أن بايع أهل المدينة المنورة إمام الدرعية وهدموا قباب القبور ناحيتهم سنة 1220هـ الموافق لسنة 1805م. وفي صفر من نفس السنة 1220هـ الموافق لسنة 1805م، هجمت قوات الدرعية على العساكر العثمانية في أكبر معسكراتهم بالحجاز، وهزمتهم، فدان الحجاز كاملاً للدولة السعودية، وبايعت بقية القبائل إمام الدرعية على السمع والطاعة وانتظم الأمر لسعود الكبير بن عبدالعزيز.

أَرَّخْ الرحالة دومينغو فرانثيسكو الإسباني أو علي بيك العباسي الذي كان قد قصد مكة قادماً من القاهرة في صورة حاج للاستقصاء بعد أن تناهت الأنباء عن خضوع الشريف غالب للدرعية سنة 1220هـ الموافق لسنة 1805م، والذي شهد تسليم مكة بفتح أبوابها لإمام الدرعية سعود الكبير بن عبدالعزيز في حج سنة 1221هـ، ما نصه: «شاهدت رتلاً عسكرياً، يشكل طابوراً مكوناً من خمسة أو ستة آلاف شخص. كما بدى لي. متكدسين في طول السكة وعرضها، مما يستحيل معه الحركة، يتقدم القافلة اثنان من الفرسان المسلحين برماح طولها مترين، وتنتهي هذه القافلة بخمسة عشر أو عشرين ممتطين الخيول والجمال، يحملون الرماح بأيديهم كرفقائهم السابقين، ويلحظ أنهم لا يحملون أعلاماً ولا أبواقاً.. كان بعضهم خلال هذه المسيرة يرفعون أصواتهم بهذه المناسبة المقدسة، بينما آخرون يتلون الأدعية في صوت مرتفع ومبهم كل على طريقته؛ وفي هذا الوضع المشار إليه، صعدوا بانتظام إلى أعلى المدينة، وهناك تفرقوا على شكل فصائل.. وبعد مدة محدودة، رأيت جيشاً مؤلفاً من خمسة وأربعين ألفاً من الوهابيين، أكثرهم كانوا راكبين على الجمال، وفي معيتهم آلاف من الجمال الأخرى التي تحمل الماء والخيام والخشب للوقود والأعشاب الجافة لجمال القادة، ومجموعة تقدر بمئتين من الخيول التي تحمل الأعلام.. مرفوعة على الرماح، وقد قيل لي أن هؤلاء الخيالة ينتمون إلى القائد الثاني أبي نقطة؛ وقد لحظت سبعة أو ثمانية أعلام من راكبي الجمال بدون طبول ولا أبواق ولا أية أداة عسكرية أخرى، وبما أن هؤلاء الرجال جميعاً كانوا في ثياب الإحرام وكذلك قادتهم، تعذر عليّ تبين سعود.. إلا أن شيخاً جليلاً ذا لحية بيضاء طويلة يتقدمه العلم الملكي بدا لي أنه السلطان -الإمام-، وكان هذا العلم الملكي أخضر.. منقوش عليه بأحرف بيضاء ضخمة. ولم يلبث الجبل حتى اكتسى وما حوله من الأرض بجموع الوهابيين، وكان مشهدهم يملأ النفس ذعراً.. يطيعون زعماءهم طاعة عمياء، ويتحملون صامتين كل أنواع المشاق».

شهادة علماء مكة المكرمة في الدعوة الإصلاحية وانضواؤهم تحت راية الدولة السعودية

يقول علماء مكة في حق كتاب الشيخ محمد بن عبدالوهاب المرسل إليهم مع رسالة الإمام سعود الكبير بن عبدالعزيز:

رسالة الإمام سعود الكبير للسلطان العثماني سليم الثالث

يقول الإمام سعود الكبير بن عبدالعزيز في مجمل رسالته للسلطان العثماني سليم الثالث:

الحملات العثمانية المصرية على الدولة السعودية

خُلِع وأُعْدم السلطان العثماني سليم الثالث في انقلاب دبره مصطفى الرابع، وقد أُعْدم هذا الأخير لاحقاً بعد سنة واحدة من حكمه ووصل محمود الثاني لتخت السلطنة سنة 1223هـ الموافق لسنة 1808م. واصل محمود الثاني سياسة من سبقه في محاولة التضييق على نفوذ الدولة السعودية وازداد رغبة في تدميرها بعد أن دخل الحجاز والحرمين الشريفين في ظلها. جدد السلطان محمود الثاني الأوامر لواليه على مصر، محمد علي باشا، والذي صدر التكليف له لأول مرة من قِبَل السلطان مصطفى الرابع بالهجوم على الدولة السعودية بعد أن تبين عجز ولاة العراق والشام، إلا أن محمد علي باشا اعتذر بسبب الظروف الاقتصادية السيئة في مصر. ولما كرر السلطان تكليفه محمد علي باشا، خشي الأخير أن يكون هناك شرك تنصبه له الدولة، وأبدى، هذه المرة، عذره بأن قوته العسكرية غير كافية، ولابد من حشد طاقات عسكرية كبيرة، من ولايات العراق والشام، إلى جانب قوة مصر. كما أنه بدأ يثير مشكلة تخوفه من والي الشام سليمان باشا، الذي يتهمه بالتعاون مع خصومه، وربط مهمة قبوله هذه المهمة، بعزل هذا الوالي، وإسنادها إلى صديقه، والي الشام السابق، يوسف باشا كنج، الذي لجأ إلى مصر. وبعد ذلك، بدأ يقترح على الدولة العثمانية وجوب تسيير الجيوش البرية من الشام، بقيادة سليمان باشا نفسه، ليأمن جانب غدره به، أثناء تغيبه في الحجاز.

لما وجد محمد علي باشا، أن محاولاته للتخلص من تلك المهمة العسيرة، لا تنجح. جند طاقته، وأعد القوات، البرية والبحرية. وفي سنة 1226هـ الموافق لسنة 1811م، قام محمد علي باشا بجمع كبار مماليك مصر ودبر مكيدة للتخلص منهم جميعاً؛ لأنه خاف من غدرهم، حيث فتك بهم بعد أن جمعهم لمأدبة طعام على شرف جيشه، وأُرِخَت بمذبحة القلعة، وتوطد بعدها سلطانه، وسير بعدها بأشهر قليلة حملاته على الدولة السعودية.

الحملة الأولى (1811م - 1813م)

اتخذ محمد علي باشا معسكراً بالقرب من القاهرة لإعداد حملته، وعقد لواءها لابنه طوسون باشا يرافقه فيها كبار قادته، ولما وقعت مذبحة المماليك بالقلعة، بدأ محمد علي باشا في حشد المقاتلين والعتاد بشكل كبير، وقطع في ذلك ستة أشهر ونصف الشهر إلى أن صارت على أهبة الرحيل. بلغ عدد رجال الحملة المسيرين في أولها ثمانية آلاف مقاتل نظامي فقط، كما ارتفع العدد في الحجاز إلى أن بلغ أربعة عشر ألف مقاتل؛ إذ دخلت فيهم قوات غير نظامية من العربان.

معارك ينبع والسويق وبدر

في شعبان سنة 1226هـ/سبتمبر 1811م، بدأ محمد علي باشا في تسيير قواته ناحية الحجاز، وكان خط سير الحملة أن تتحرك السفن بالجنود المشاة من ثغر السويس إلى ينبع البحر، أما الفرسان وعلى رأسهم طوسون باشا فيسيرون براً مع مواشيهم وجمالهم المحملة بالمؤن والسلاح عن طريق برزخ السويس فالعقبة حتى يبلغوا ينبع البحر فيلتقوا بالمشاة بها ومن هناك يزحف الجمع إلى المدينة المنورة. وصلت السفن العثمانية بعد شهر من تحركها بلدة ينبع البحر واستولت عليها، وقد كان فيها حامية صغيرة؛ إذ انسحب أميرها الموالي للدولة السعودية الشريف جابر بن جبارة بعد أن خسر ثلاثمائة من أتباعه. أسرع الشريف ابن جبارة في إعلام أمير المدينة المنورة المعين من قِبَل الدولة السعودية مسعود بن مضيان الحربي، ليبعث الأخير برسالة لسعود الكبير بن عبدالعزيز بالدرعية يعلمه فيها عن هذا الإنزال، ويعلمه عن القوات الأخرى التي تسير بمحاذاة الساحل براً والتي أخذت في استمالة أبناء القبائل بالهدايا والأموال في طريقها إلى ينبع البحر.

روى عبدالرحمن الجبرتي المؤرخ المصري المعاصر لتلك الحقبة ما جرى لأهل البلدة وأحداثها، بقوله: «وردت الأخبار بأن عساكر البحرية ملكوا ينبع البحر، ونهبوا ما كان فيه من ودائع التجار، وذلك أنه كان بمرساة ينبع عدة مراكب وأدوات.. ونهبوا كل ما كان بينبع من الودائع والأموال والأقمشة والبن، وسبوا النساء والبنات الكائنات بالبندر، وأخذوهن أسرى، ويبيعوهن على بعضهم البعض، ووصل المبشرون بذلك.. فضربوا لذلك مدافع من القلعة كثيرة، وعملوا شنكا، وطافت المبشرون على بيوت الأعيان ليأخذوا منهم البقاشيش، وأرسلوا بتلك البشارة شخصا معينا كبيرا إلى إسطنبول، يبشرون أهل الدولة وسلطان الإسلام، وكان ذلك أول فتح حصل».

وفي نوفمبر من نفس السنة، وصل طوسون باشا بفرسانه إلى ينبع البحر حيث التقى بقواته المشاة فيها، وسار منها مع قادته قاصداً ينبع البر. وفي طريقه أغار عليه الشريف ابن جبارة مع مسعود بن مضيان الحربي ليمنعاه من بلوغها، فهزمهما؛ إذ أهلك ألف من أتباعهما تحت ضربات المدافع ودخل ينبع البر سلماً. فسارع مسعود بن مضيان الحربي في الانضمام لقوات الدرعية الرئيسية والتي بدأت في حفر خندق في أحد خيوف وادي الصفراء في الطريق الرابط ما بين المدينة وينبع للإيقاع بالقوات العثمانية. لاحقاً، واصلت الحملة العثمانية سيرها نحو المدينة المنورة، تعاونها جموع من القبائل التي استمالها طوسون باشا بالهدايا والأموال. وتمكنت، بعد اشتباكات يسيرة مع الشريف ابن جبارة من الاستيلاء على السويق، كما أخضعت بدر.

روى عبدالرحمن الجبرتي عن دخول طوسون باشا ينبع البر، وإخضاع السويق، واشتباكات طلائع الجيشين قرب وادي الصفراء، ما نصه: «وصلت هجانة ومعهم رؤوس قتلى ومكاتبات مؤرخة في منتصف شهر القعدة، مضمونها: أنهم وصلوا إلى ينبع البر في الحادي والعشرين شوال.. وأنَّهم ملكوا قرية ابن جبارة من الوهابية، وتسمى قرية السويق، وفر ابن جبارة هاربا، وحضرت عربان كثيرة وقابلوا ابن الباشا.. وأنَّه ورد عليهم خبر ليلة أربعة عشر شهره -ذي الحجة-، بأن جماعة من كبار الوهابية حضروا بنحو سبعة آلاف خيال وفيهم عبدالله بن سعود، وعثمان.. ومعهم مشاة، وقصدوا أن يدهموا العرضى على حين غفلة.. ووقع بينهم القتال والوهابية يقولون: «هاه يا مشركون»، وانجلت الحرب عن هزيمة الوهابية.. وكانت الحرب بينهم مقدار ساعتين». كما قال عن مصير بدر التي خضعت قَبْل اشتباكات الطلائع، ما نصه: «ولما وصلوا بدرا واستولوا عليها.. نهبوهم وأخذوا نساءهم وبناتهم وأولادهم وكتبهم، فكانوا يفعلون فيهم ويبيعونهم من بعضهم لبعض».

معركة وادي الصفراء

وفي أواخر ديسمبر من نفس السنة، زحف طوسون باشا وقادته نحو المدينة المنورة، وكان قد أعد لهم عبدالله ابن الإمام سعود الكبير كميناً في أحد خيوف وادي الصفراء الضيقة في طريقهم للمدينة المنورة بعد أن اتفق الرأي مع من معه على حفر خندق وتعبئة قواتهم عنده، فصار عند الخندق أهل نجد بقيادة عبدالله بن سعود الكبير، وفي الجبال فوق الخندق أهل الحجاز وعسير وعليهم عامل الدولة السعودية على الحجاز عثمان بن عبدالرحمن العدواني؛ كما عمل أيضا على وضع بعض التحصينات الصغيرة لتأخير تقدمهم.

روى عبدالرحمن الجبرتي المؤرخ المصري في تاريخه، أنه عندما وصلت قوات طوسون باشا لاحقاً، نصبت خيامها بالصفراء قرب الجبال، وأرزت خيولهم، فأخذوا يرمون من في الوادي وتقدموا؛ إذ أخذوا يحاربون على المتراس الأول حتى أخذوه، ومن بعده سقط الثاني ودخلوا لعمق الوادي.

عندها تقدم عثمان بن عبدالرحمن العدواني ومسعود بن مضيان الحربي بأهل الحجاز ومن معهم من فوق الخندق ورموهم، كما كسروا بعض قوات طوسون باشا التي سبق أن صعدت بعض أطراف الجبال، فتراجعت قوات طوسون باشا للأسفل والحرب لا تزال قائمة فيه، فانهزموا؛ عندها اندفعت قوات عبدالله بن سعود الكبير وراءهم بقلب الوادي وأوقعت فيهم خسائر فادحة في اليوم الثالث والأخير للمعركة. خسرت الدولة السعودية اثنين من كبار قادة الخيالة في صفوفها، هما: شيخ شمل قحطان هادي بن قرملة القحطاني، ومانع بن وحير العجمي، إلا أنها لم تخسر من قواتها البالغة ثمانية عشر ألفاً أكثر من ستمائة إلى ألف وستمائة مقاتل مما عد هزيمة شنيعة للحملة العثمانية الجديدة.

عبور طوسون باشا وادي الصفراء

فر طوسون باشا بعد الهزيمة في الصفراء مع من بقي حياً من قواته قاصداً ينبع البحر، وتحصن بها؛ إذ لم يعد معه من عساكره سوى ثلاثة آلاف مقاتل من أصل ثمانية آلاف مقاتل نظامي والتي لم يدخل فيها القوات الغير نظامية التي نجح في استمالتها وحاربت معه وتشتت شملها، فأسرع في طلب المدد. وصلت أنباء هذه الهزيمة لاحقاً إلى محمد علي باشا، ونسبها طوسون باشا إلى اختلاف قواده وتقصيرهم، وطلب المدد كي يسد الفراغ الذي وقع في صفوف قواته، فتأثر محمد علي باشا لهذه الهزيمة، وأرسل يستدعي قادته المسؤولين عنها، ورجع بعضهم إلى مصر من تلقاء أنفسهم، فغضب عليهم محمد علي باشا وأقصاهم من مراكزهم ونفاهم من مصر، وكان منهم صالح قوج رئيس الجند الأرنؤوط والذي كان له شأن كبير في مذبحة المماليك بالقلعة. اضطر محمد علي باشا للقيام بنفقات الحملة إلى فرض ضرائب جديدة وكبيرة أمكنته أن يمون منها قواته في فترة وجيزة، كما اختار لقيادتها خيرة رجالاته.

وفي سنة 1227هـ/1812م، قدم من مصر عن طريق البحر أحمد بونابرت مع الأموال والعدد والعدة في خمسة عشر ألفاً من المقاتلين بالإضافة لثلاثة آلاف مقاتل من المغاربة جهزهم محمد علي باشا دعما للقوات المرابطة في ينبع البحر والتي عليها ابنه طوسون باشا. تحركت تلك الجموع النظامية بعد تأمين ينبع البحر إلى المدينة المنورة، وقد استولت في طريقها على وادي الصفراء وبلدات حرب حوله وغيرها دون قتال باستمالة أهلها وأحلافهم بالهدايا والمال مع الخُلَع لشيوخ العشائر.

معركة المدينة المنورة

وصلت القوات العثمانية إلى المدينة المنورة في منتصف شوال سنة 1227هـ/1812م، وضربت عليها الحصار، وسدت عنها الماء، ونصبت عليها المدافع والقنابر الكبار، وهدمت ناحية قلعة البلد؛ ذلك أنه عندما استعصت المدينة بأسوارها وقوة تحصيناتها أمر طوسون باشا قواته بحفر سراديب تحت سور المدينة ناحية قلعة البلد وثوروا فيها البارود وأشعلوا فيها النار، فانهار السور، وانقضت القوات العثمانية على من كان فيها. وقد كان بالمدينة المنورة من الحامية التابعة للدرعية عدد من أهل نواحيها جعلهم فيها إمامها سعود الكبير بن عبد العزيز أثناء قفوله من الحج سنة 1226هـ/1811م، حيث وضع فيها سبعة آلاف مقاتل إلى جانب القوات المرابطة فيها من أهلها تحسبا لهجوم محتمل. في تلك الأثناء، قام بعض من كان يسكن المدينة بفتح باب البلد، فانكسرت القوات السعودية المرابطة فيها، وانهارت صفوفها، وكثر الرمي والقتل فيهم عند فجوة السور المنهار ومن داخل البلد، فانحازوا لقلعة المدينة المحصنة وذلك لتسعة مضين من ذي القعدة. فأخذت قوات طوسون باشا في ضرب القلعة بالمدافع حتى طلب من كان فيها المصالحة بعد أيام فأنزلوهم منها بالأمان على أن يغادروا المدينة فغادروها بعد شهر من بدأ المعركة التي امتدت من منتصف شهر شوال إلى منتصف شهر ذي القعدة تقريبا، وقد مات بعد خروجهم الكثير مرضا أو جوعا، كما خسرت الدرعية ثلثي عسكرها المكلف بحماية المدينة.

روى بركهارت مؤرخ حملات محمد علي باشا في تاريخه، ما قام به أحمد بونابرت بعد المعركة، ما نصه: «جمع أحمد، بأسلوب الوندال الحقيقي، جماجم كل الوهابيين الذين قتلوا في المدينة، فكون منها برجاً في الطريق الرئيسية إلى ينبع، ووضع حرساً قربه. ومع ذلك نجح العرب، وحتى سكان المدينة، من وقت إلى آخر في إزالة ذلك التذكار المرعب. وحين وصلت إلى المدينة.. لم يكن قد بقي منه إلا القليل».

روى عبدالرحمن الجبرتي عن مصير عامل الدولة السعودية على المدينة المنورة، مسعود بن مضيان الحربي، وما جرى له عند وصوله إلى الأستانة أسيراً، ما نصه: «وقعت كائنة لطيف باشا، وذلك أن المذكور مملوك الباشا أهداه له عارف بيك.. فلما حصلت النصرة للعسكر واستولوا على المدينة، وأتوا بمفاتيح زعموا أنها مفاتيح المدينة كان هو المتعين بها للسفر للديار الرومية بالبشارة للدولة، وأرسلوا صحبته مضيان الذي كان متأمراً بالمدينة، ولما وصل إلى دار السلطنة، ووصلت أخباره احتفل أهل الدولة بشأنه احتفالا زائدا، ونزلوا لملاقاته في المركب في مسافة بعيدة، ودخلوا إلى إسلامبول في موكب جليل وأبهة عظيمة إلى الغاية.. وكان يوم دخوله يوما مشهودا، وقتلوا مضيان المذكور في ذلك اليوم، وعلقوه على باب السراية، وعملوا شنانك ومدافع وأفراحا وولائم».

تحصينات مكة المكرمة

وفي الأواخر من نفس السنة 1227هـ/1812م، حج إمام الدولة السعودية سعود الكبير حجته التاسعة والأخيرة وقد بلغه سقوط المدينة المنورة قَبْل دخول مكة المكرمة، فاجتمع عليه أهل الأحساء وعمان ونجد والحجاز وتهامة وغيرهم، والتقى بابنه عبدالله، وأمره أن ينزل بمن معه وادي مرّ بالقرب من مكة شمالاً لحمايتها ولتكون مكة قاعدة يجتمعون فيها إن انهزموا؛ كما اجتمع بشريف مكة غالب بن مساعد مرارا وأهدى إليه هدايا وأعطاه عطايا جزيلة كما أخذ عليه العهد أن لا يخونه أو يغدر به؛ كما كسى الكعبة المشرفة بالديباج والقيلان الأسود والحرير ووضع بمكة بعض الجند المخلصين له ورجع إلى عاصمته الدرعية للتحضير لمعاقبة القبائل التي غدرت به حديثا والتي سَلَّمَت واِنْفَضت عن مواقعها المحصنة بين ينبع والمدينة المنورة كموقع وادي الصفراء الإستراتيجي.

الشريف غالب يغدر بسعود الكبير ووقوع معركتي الحِنَاكِية وتْرُبَة

بعد انقضاء موسم الحج وعودة سعود الكبير إلى الدرعية، قام الشريف غالب بن مساعد بمراسلة قوات محمد علي باشا عارضا عليهم تسليم جدة ومكة دون قتال؛ عندها وقع بعبدالله بن سعود الكبير ما أوحشه من الشريف غالب بن مساعد وأحس بغدر الأخير، فاستظهر جنوده المخلصين له بمكة وعجلوا بالخروج منها. عندها قام إمام الدولة السعودية سعود الكبير بتجريد حملتين إحداهما بقيادة ابنه فيصل بن سعود الكبير لدعم المرابطين جهة مكة الذين جَدَّ الشريف غالب في طلبهم، والذين تنقلوا بين العبيلاء والطائف (دخلها أتباع الشريف في شهر صفر) ورَنْيَة واستقروا بتْرُبَة. والأُخْرى خرج هو على رأسها من عشرين ألفاً في آخر ربيع سنة 1228هـ/1813م قاصداً جهة المدينة المنورة لمعاقبة القبائل التي غدرت به ولمحاولة قطع الطريق بين المدينة المنورة والإمدادات القادمة من ناحية مصر، فنزل الحِنَاكِية شرق المدينة المنورة وهزم حامية طوسون باشا فيها واستردها، ثم سار منها حتى بلغ جبل أحد، فأغارت عليه الخيالة العثمانية وحاولت استدراجه لأسوار المدينة المنورة وعليها أحمد بونابرت فلم تفلح، وواصل مهاجمة القبائل التي غدرت به حتى بلغ الصفراء فأحرق نخيلها، ثم سار في الحرة ونزل على أهل بلدة السوارقية فهزمهم وقطع نخيلهم. في تلك الأثناء، وفي شهر شعبان، اكتمل جمع طوسون باشا ومصطفى بيك مع الشريف غالب في مكة بعد أن وصلت السفن العثمانية جدة الساحلية من ناحية مصر محملة بالمؤن الكبيرة. خرج مصطفى بيك لاحقاً قاصداً تْرُبَة شرق الطائف؛ البلدة المحصنة التي استقر فيها المرابطة من أتباع الدرعية بعد خروجهم من مكة والتي قصدها فيصل بن سعود الكبير لدعم من استعصم بها. فحاصرها مصطفى بيك لثلاثة أيام وأخذ في ضربها بالمدافع حتى أقبل مدد من أهل بِيْشَة وغيرهم لفك الحصار، فناوشوا قواته حتى أوقعوها في أحد الكمائن وكسروها. ففر مصطفى بيك أخيرا إلى الطائف واحتمى بها. أرسل طوسون باشا إلى أبيه لاحقاً، يخبره بأمر هزيمة قواتهم في تْرُبَة، وأنه يجهل مصير الحامية في الحِنَاكِية لسيطرة سعود الكبير بن عبدالعزيز على الطرق الموصلة لها، وأنه خشي أن تنكث العربان عهودها، وتنقلب عليه. وألح على أبيه في سرعة إرسال نجدة إليه. لذا، قرر محمد علي باشا أن يتولى قيادة قواته بنفسه وسار إلى الحجاز سنة 1228هـ/1813م.

بلغت خسائر الحملة العثمانية في دورها الأول على الحجاز نحو ثمانية آلاف مقاتل نظامي، كما خسرت من مؤونتها نحو خمسة وعشرين ألف رأس من الماشية، وكلفت الحملة إلى ذلك الحين 35 مليون فرنك. في حين خسرت الدولة السعودية مناطق مهمة في الحجاز، مثل: وادي الصفراء الإستراتيجي، والطائف، وميناء جدة، وفقدت الحرمين الشريفين. كما خسرت في أقصى جنوبها الشرقي أجزاء كبيرة من عمان، إثر مقتل قائدها هناك، مطلق بن محمد المطيري، والذي قتل في بلدة الواصل عقب ثورة اندلعت أثناء انشغال الدرعية بأحداث الحجاز، كما فشلت الحملة التي بعثها إمامها سعود الكبير بقيادة عبد الله بن مزروع التميمي لوقف التراجع على الجبهة العمانية سنة 1813م، كما توفي أبرز حلفائها الشيخ حميد بن ناصر الغافري العماني، مما دفع بقواتها للتحصن في البريمي حتى سنة 1233هـ/1818م. خسرت الدولة السعودية أيضا عاملها على الحجاز، عثمان بن عبد الرحمن العدواني، حيث غُدِر به وأُسِر من قِبَل بعض العربان الذين نجح طوسون باشا في استمالتهم بالأموال قرب العبيلاء، وبتدبير الشريف غالب، فَسُلم للقوات العثمانية، وأُرْسل إلى القاهرة ومنها إلى الأستانة. وقد روى عبد الرحمن الجبرتي المؤرخ المصري المعاصر لتلك الحقبة قصته، بقوله: «كان أعظم أعوانهم وهو الذي كان يحارب لهم ويقاتل ويجمع قبائل العربان ويدعوهم عدة سنين ويوجه السرايا على المخالفين ونما أمره واشتهر لذلك ذكره في الأقطار»، إلى أن قال: «واستهل شهر ذي القعدة بيوم الثلاثاء سنة 1228 وفي خامس عشره، وصل عثمان.. صحبة المتسفرين معه إلى الريدانية آخر الليل، وأشيع ذلك، فلما طلعت الشمس ضربوا مدافع من القلعة إعلاما وسروراً بوصوله أسيراً، وركب صالح بيك السلحدار في عدة كبيرة، وخرجوا لملاقاته، وإحضاره، فلما واجهه صالح بيك نزع من عنقه الحديد، وأركبه هجيناً، ودخل به إلى المدينة وأمامه الجاويشية والقواسة الأتراك، وبأيديهم العصي المفضضة، وخلفه صالح بيك وطوائفه، وطلعوا به إلى القلعة، وأدخله إلى مجلس كتخدا بيك وصحبه حسن باشا وطاهر باشا وباقي أعيانهم، ونجيب أفندي قبي كتخدا الباشا ووكيله بباب الدولة، وكان متأخرا عن السفر، ينتظر قدوم المضايفي -عثمان- ليأخذه بصحبته إلى دار السلطنة، فلما دخل عليهم أجلسوه معهم فحدثوه ساعة، وهو يجيبهم من جنس كلامهم بأحسن خطاب، وأفصح جواب، وفيه سكون وتؤدة في الخطاب، وظاهر عليه آثار الإمارة والحشمة والنجابة، ومعرفة مواقع الكلام، حتى قال الجماعة لبعضهم البعض: «يا أسفاً على مثل هذا، إذا ذهب إلى إسلامبول يقتلونه»، ولم يزل يتحدث معهم حصة، ثم أحضروا الطعام فواكلهم، ثم أخذه كتخدا بيك إلى منزله، فأقام عنده مكرماً ثلاثة حتى تمم نجيب أفندي أشغاله، فأركبوه وتوجهوا به إلى بولاق، وأنزلوه في السفينة مع نجيب أفندي، ووضعوا في عنقه الجنزير وانحدروا طالبين الديار الرومية، وذلك يوم الإثنين حادي عشرينه».

الحملة الثانية (1813م - 1816م)

وصل محمد علي باشا ميناء جدة مع أربعة آلاف مقاتل نظامي، وقاد قواته في ذي القعدة سنة 1228هـ/نوفمبر 1813م، وكان ذلك بعد التراجع الذي لحق بطوسون باشا ومصطفى بيك على جبهتي الحِنَاكِية وتْرُبَة سنة 1813م. ومنذ وصوله إلى جدة، بدأ بالتخطيط للمرحلة المقبلة من الحرب، مع تجهيز قواته لمواجهة جيش الدولة السعودية الرئيس، وحسم الأمر في معركة فاصلة. كما اتخذ عدداً من الإجراءات المهمة، كتخفيف الضرائب المفروضة على العربان، ليقضي على أي تذمر بينهم، وصرف أعطيات شهرية، لمن أسندت إليه منهم عمليات حفظ الأمن. وجعل ثغر جدة، هو المستودع الأساسي للعتاد الحربي. ورتب وسائل نقل العتاد والمؤن، إلى الداخل. واتصل بسلطان مسقط، واستأجر عشرين سفينة لنقل المؤن، لمدة سنة كاملة. وأقام مجموعة من الحاميات، في النقط المهمة إلى جانب من انضم له من العربان، خشية عامل المفاجأة.

وبعد التخطيط للقتال، أرسل محمد علي باشا، ابنه طوسون باشا، الذي اتخذ من الطائف مقراً لقيادته، على رأس قوات يصحبها الشريف راجح، أحد كبار الأشراف وشجعانهم، وتوجهوا نحو تْرُبَة. في حين توجه محمد علي نفسه إلى مكة وألقى القبض على الشريف غالب بن مساعد؛ لأنه ارتاب في مسلكه، ورأى أنه من أسباب تقدم أتباع الدرعية. كما صادر أمواله، وبعث به إلى القاهرة في ذي الحجة سنة 1228هـ/ديسمبر 1813م. ومن القاهرة، نقل الشريف غالب ناحية الأناضول، ثم نفي إلى سالونيك، وظل فيها حتى توفي أواخر سنة 1231هـ/1816م.

روى ابن بِشر عن ما فعله محمد علي باشا في الشريف غالب وأحداثها، بقوله: «فلما دخل مكة واستقر به القرار فيها سار إليه غالب الشريف للتهنئة. فأكرمه محمد علي وأعظمه وأعطاه جزيلاً وفعل معه بالظاهر فعلاً جميلاً، وكان قصده غيره ذلك. فلما ضبط محمد علي مكة بالعساكر وزاره الشريف على عادته أمسكه وقيده وحبسه وأحاط بجميع ما يملك من الأموال والأثاث والمتاع والحلقة والكراع والمماليك، وأخذ جميع ما في خزائنه من الذهب والفضة وغير ذلك مما يعجز عنه الحصر، وأخرج حرمه وعياله من قصر أجياد المعروف في مكة، واستولى عليه».

معركة تْرُبَة الثانية

سار طوسون باشا وقادته على رأس ستة آلاف مقاتل إلى تْرُبَة، البلدة المحصنة شرقي الطائف، وانضم إليهم عند بلوغهم إ

المصدر: wikipedia.org