اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
عندما قام الحسين بثورته على الدولة العثمانية رحب سلطان نجد عبد العزيز بن سعود بالفكرة وتبادل مع الحسين كتب الود والمجاملة، إلا أنه بعد أن أعلن الحسين نفسه ملكًا للعرب، بدأ الشك يتوجس في نجد مخافة أن يطمع الحسين في ضمها، فانطلق ابن سعود يحتج ويعترض ويطلب تحديد الحدود التي تفصل نجد عن الحجاز. زاد الأمر سوءًا بين الطرفين عندما أخذت دعوة نجد في النشاط بين القبائل المتاخمة للحجازيين. أرسل الحسين حملات لتلك القبائل إلا أنها لم تنجح، ثم أوعز لابنه الأمير عبد الله أن يتجه إلى تربة والخرمة عام 1919 واصطدم مع قبائل عتيبة لكنه لم يستطع القضاء عليهم. استغل ابن سعود هذا الأمر وزحف على رأس جيشه إلى تربة فوافته قبل أن يصلها أخبار هزيمة الجيش الهاشمي. سعت بريطانيا للتدخل بين الطرفين ووضعوا ضمان مبدئي ينص على: ضمان بريطانيا بقاء الوضع الراهن في الحدود مع الحجاز، ضمان بريطانيا منع الحسين من أي عمل عدواني، ضمان بريطانيا الحج بالنسبة لرعاياه وسلامتهم في الحجاز. لكن هذه المساعي لم تجد طريقًا لتنفيذها. ما إن انتهت معركة الخرمة حتى بدأت مشكلة الحجاج من النجديين، وأساس المشكلة هي القيود التي عمد الحسين إلى فرضها على الحجاج النجديين القادمين للحج وما ترتب على ذلك من إعاقة لحجهم، كان الشرط الذي اشترطه الحسين بداية الأمر لقبول الرعايا النجديين للحج هو مجيئهم غير مسلحين، ثم أضاف شرطًا جديدًا مفاده رفض الحجاج النجديين، ما لم يتم التوصل إلى اتفاق نهائي مع عبد العزيز بن سعود. في حج عام 1922، عزم النجديين على الحج مسلحين، وأمر الحسين نجله فيصل بعزمه الانسحاب مع حكومته إلى جدة حالة تقدم الحجاج النجديين إلى بلاده، وبعد تدخل أطراف خارجية حج النجديون تحت إمرة أحد كبار أتباع ابن سعود وهو مساعد بن سويلم بعد أن حُدِّد عدد الوافدين إلى الحج، وساد شيء من التودد بين الطرفين تبادل خلاله الجانبان بعض الرسائل الودية، وأظهر الحسين ترحيبه بممثل ابن سعود والحجاج النجديين الذين قارب عددهم إلى 1800 شخص. كان هذا الموقف موقفًا وقتيًا حيث تردت علاقات الجانبين مجددًا، بسبب التوسعات التي بدأها عبد العزيز بن سعود في شبه الجزيرة العربية، إذ استولى على إمارة حايل وإمارة أبها في عسير، فضلا عن الهجمات التي أخذت تشنها قواته ضد شرق الأردن ومعان والسكة الحديدية.
كان المؤتمر الذي عقدته بريطانيا في الكويت عام 1923 آخر محاولة لحل النزاع بين الحجازيين والنجديين، وضم كل من العراق وشرق الأردن لمعالجة مشاكلهما مع عبد العزيز بن سعود برعاية بريطانية، تم دعوة الملك حسين لإيفاد من يمثله في المؤتمر، إلا أنه رفض الدعوة لأنه كان يرى أن البريطانيين يميلون لابن سعود، وابتدأت الجلسة بغياب الممثل الحجازي، بينما وافق ابن سعود على الاشتراك في المؤتمر شريطة اقتصار الممثلين المشاركين على تمثيل مصالح بلادهم فقط. جدد المسؤولون البريطانيون دعوتهم إلى الحسين لحضور المؤتمر في دورته الثانية، ووافق الحسين على إيفاد نجله الأمير زيد ممثلا عنه في المؤتمر، شريطة إيفاد ابن سعود أحد أبنائه أيضًا، واشترط انسحاب جميع الحكام العرب في الجزيرة ويريد بذلك عبد العزيز بن سعود بالدرجة الرئيسية إلى ما كان عليه آباؤه وأجداده، فكان على ابن سعود التنازل عن واحتي الخرمة وتربة وإمارة حايل لآل رشيد، وإمارة أبها لآل عايض والجوف لشرقي الأردن، إلا أن عبد العزيز بن سعود رفض أن يوفد أحد أبنائه للمؤتمر بحجة ثقته التامة بمندوبيه، فلم يسع حكومة الحجاز إلا أن تقابل هذا الموقف بالرفض، ليكون ذلك آخر محاولة في طريق تفاهم الطرفين.
أعلن الملك الحسين بن علي نفسه خليفةً للمسلمين في 11 مارس 1924م في عمّان بعد إعلان كمال أتاتورك رئيس جمهورية تركيا إلغاء الخلافة الإسلامية، وتلقى الحسين البيعة من الناس في الحجاز والشام ومن الحجاج في ذلك العام. وعند عودته للحجاز اتخذ اجراءات تأسيس مجلس شوري خاص بالمنصب الجديد ضم عددا من علماء الدين المسلمين من مختلف الأقطار الإسلامية. كان ابن سعود من أكبر من عارضوا خطوة الحسين، فقام بتحريك القوات النجدية باتجاه الطائف في أغسطس عام 1924، بقيادة كل من: خالد بن لؤي وسلطان بن بجاد بطلا معركة تربة، وتمكنت من اكتساح مخافر الحدود الأمامية، وواصلت تقدمها نحو الطائف، فيما سارع الحسين وبعد سماعه بهذه الأخبار إلى إرسال نجله الأمير علي مع عدد من قواته لدرء الخطر الذي يهدد الطائف، إلا أن الأمير أخفق في ايقافهم، وفشل في خطته التي ارتآها بالانسحاب عن المدينة، استعدادا لمواجهتهم، فقد أربك انسحابه على وضع المدينة بعد خلوها من القيادة والقوات الكافية، مما سهل مهمة في اقتحام الطائف وسقوطها بيد القوات النجدية في 3 سبتمبر 1924م، كان انسحاب الأمير علي إلى منطقة الهدا استعدادًا لوقف التقدم النجدي نحو مكة، لكن هذا الانسحاب لم يغير النتيجة، إذ تمكن النجديون من دحر علي في معركة سميت باسم الموقع الذي دارت فيه معركة الهدا وذلك في حوالي 26 سبتمبر 1924.
بعد هزيمة القوات الحجازية في الطائف وقرب القوات النجدية من مكة عاصمة المملكة الحجازية، ارتأى أعيان جدة بعد التشاور مع أعيان مكة تأسيس الحزب الوطني الحجازي لمطالبة الحسين بالتنازل عن العرش لنجله علي بن الحسين، في هدف إيقاف القتال، وأكدوا على الأمير علي لدى اجتماعهم به في جدة قبول منصب والده، ولم يوقفهم اعتذاره عن ذلك، وواصلوا خطوتهم هذه وابرقوا للحسين بمكة في 3 أكتوبر 1924 يبلغوه بإجماع أهل الحجاز على تنازله لنجله علي، بعد فناء الجيش وانتشار الفوضى في البلاد، وذهبت البرقية وأوضحت صلاحيات الملك الجديد حيث سيكون: ملكًا على الحجاز فقط، مقيدًا بالدستور على شريطة أن ينزل على رأي المسلمين وأهل الحجاز في تحقيق آمالهم ورغائبهم في إصلاح شؤون البلاد المادية والمعنوية. واقترحت هذه الجماعة في برقيتها تشكيل مجلسين أحدهما نيابي وطني لادارة الأمور الداخلية والخارجية والآخر شوري يتكون من أعضاء منتخبين من المسلمين على اختلاف بلادهم، ومهمته الإرشاد وتقديم العون لإصلاح شؤون البلاد المختلفة. مع استجابة الحسين لهذه الدعوة فإنه رفض موافقتهم تنصيب نجله من بعده، الأمر الذي دفع كبار أهل الحجاز إلى تجديد دعوتها لإنقاذ الموقف الحرج، وحملوه مسؤولية الأرواح التي ستزهق جراء القتال إذا ما أصر على موقفه. أبرق الملك حسين في 4 أكتوبر 1924 لأعيان الحجاز يطلب إرسال من يختارونه لإشغال منصبه والإسراع في ذلك، ونودي بالأمير علي ملكًا على الحجاز فقط، وجرت له البيعة في نفس اليوم 4 أكتوبر على أن يخضع للشروط الدستورية المنوه عنها من قبل، والمتمثلة في خضوعه لإرادة الأمة والتقيد بالدستور، وأن يشكل في البلاد مجلسًا نيابيًا ينتخب أعضاؤه من المدن الحجازية بموجب قانون أساسي يضعه مجلس تأسيسي لتولي إدارة البلاد بشؤونه الداخلية والخارجية، بواسطة وزارة دستورية مسؤولة أمام المجلس ولحين تشكيل المجلس النيابي قرر إحالة أعمال الحكومة إلى هيأة يتم تشكيلها لمراقبة هذه الأعمال، ولا يمكن اتخاذ أي إجراء دون تصديق الهيأة المذكورة. لذا وبموجب الشروط كان على الملك علي أن يخضع لنظام دستوري في الحكم وأن تحصر سلطاته على الحجاز فقط، إضافة إلى نقطة أخرى وهي ترك مسألة الخلافة للعالم الإسلامي.
اعترض الحسين على شكل النظام الجديد في الحجاز وأعرب عن احتجاجه على طبيعة الحكم الدستوري لتعارض الخطوة مع أهداف نهضته المتمثلة في استقلال البلاد العربية بحدودها المتفق عليها عام 1916، غير أن اعتراضات الحسين وحتى التغيير الذي أصاب نظام الحكم لم يغيرا من حقيقة الموقف شيء، أو أن يكون له أثر في إيقاف التقدم النجدي نحو مكة. طلبت لجنة الأعيان المشتركة المتمثلة في الحزب الوطني الحجازي من الحسين بعد بيعتها لنجله علي بالمكلية ترك البلاد لتهيئة الأوضاع، فترك الحسين مكة وتوجه إلى جدة ووصلها في 9 أكتوبر 1924 ولم يمكث بها سوى ستة أيام، وغادرها متجهًا إلى العقبة المقر الذي ارتأى الإقامة فيه، ثم مالبث أن استقر في قبرص. وصل الملك علي إلى مكة بعد إتمام مراسيم بيعته في جدة لتولي مهام منصبه الجديد، ولم تطل إقامته في مكة لأكثر من إسبوع اضطر بعدها إلى إخلائها والانتقال إلى جدة، بعد تيقنه من عجز قواته عن مقاومة التقدم النجدي الذي وصل منطقة الزيمة القريبة من مكة، حيث لم يبق معه من القوات أكثر من 200 عسكري، هذا إلى جانب اقتراح لجنة الأعيان على الملك علي بالانسحاب إلى جدة، منعًا لإراقة الدماء وحرمةً للأماكن المقدسة، فعمد إلى مغادرتها إلى جدة وذلك في 14 أكتوبر، وانسحبت معه قواته بناءً على أوامره، بعد فشله بالدخول في مفاوضات صلح مع ابن سعود الذي التي شارفت قواته على ضواحي مكة.