اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
لم يختلف حكم الأتراك لمنطقة شرقي الأردن عن باقي المناطق العربية، إذ أنهم تركوا حاميات بسيطة في بعض المدن، وتركوا حرية التصرف في المناطق الداخلية لشيوخ القبائل الذين كانوا يسارعون إلى تقديم الولاء للسلطات التركية. واستمر هذا الوضع حتى دخلت قوات الثورة العربية منطقة شرقي الأردن، فأصبحت تخضع للحكومة العربية في سوريا، والتي تاسست في تشرين الأول عام 1918، ولكن هذا الحكم انتهى بدخول القوات الفرنسية دمشق، ما دفع عددا من رجال الحركة الوطنية بالتوجه إلى شرقي الأردن، واتخذوها مكانا لمقاومة الفرنسيين. وفي هذه الفترة المضطربة من تاريخ الأردن، أشارت عدة مصادر إلى أن عددا من الوطنيين وشيوخ القبائل ورجال السياسة بعثوا عدة برقيات إلى الشريف حسين بن علي ملك الحجاز، يطلبون منه إرسال أحد أبنائه ليتولى قيادة الحركة الوطنية العربية
انطلق الأمير عبد الله من الحجاز باتجاه الشمال فوصل إلى معان في 23 تشرين الثاني عام 1920، وحسب ما جاء في البيان الذي أصدره في 5 كانون الأول عام 1920، إلى أهالي سوريا يتضح أنه لم يكن في نيته إقامة حكومة في منطقة شرقي الأردن، بل جاء بناء على طلب رجال الحركة الوطنية في سوريا، وهذا يتفق إلى حد كبير مع ما قاله عوني عبد الهادي الذي عاصر هذه الفترة حول أسباب قدوم الأمير عبد الله، ولكنه أورد سببا إضافيا هو أن الأمير قد ضاق ذرعا بحكم والده الملك حسين، الذي كان شديد الوطأة في حكمه على أولاده. لم يكن في قدرة الأمير مقاومة فرنسا بقواته القليلة، بل إنه تفاجا بالأوضاع المتردية في هذه المنطقة، وخاصة الناحية النفسية السيئة التي أصابت الشعب العربي بعد هزيمة ميسلون عام 1920. وتوالت الدعوات على الأمير عبد الله أثناء مكوثه في معان للقدوم إلى عمان، واتجه وفد من الوطنيين في شرقي الأردن يتكون من: كامل القصاب، وأمين التميمي، وعوني عبد الهادي، ومظهر رسلان إلى معان لإقناع الأمير بالتوجه إلى عمان، وأن بريطانيا لن تتخذ أي إجراء ضده إذا قدم إلى عمان، لأنها تعتبره ممثل الشريف حسين، ولا تريد أن تحكم شرقي الأردن مباشرة. فتح تحرك الأمير عبد الله من معان إلى عمان بريطانيا فرصة تخليص نفسها من مشكلة الإدارة المباشرة لمنطقة شرقي الأردن، إضافة إلى رغبتها في إبقاء موضع قدم لها في المنطقة بعد تحقيق أهداف الصهيونية في إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، لذلك طلبت الحكومة البريطانية من الضباط السياسين البريطانيين في شرقي الأردن عدم التعرض للأمير عبد الله، كما استقبله إليك كيركبرايد ممثل الحكومة البريطانية في الكرك - ليس باسم الحكومة البريطانية طبعا - ولكن باسم حكومة مؤاب. وفي 2 آذار 1921 وصل الأمير عبد الله إلى عمان، وبعد ثلاثة أيام من وصوله وجه إليه الشريف حسين برقية تفيد بأن المستر تشرشل وزير المستعمرات البريطاني سيصل إلى الشرق الأوسط، ويرغب في مقابلتـك ومفاوضتك، وبعد أن قرا الأمير البرقية قال: على أي شيء يفاوضنا، نحن والله ما جئنا لنشتغل في السياسية، ومع ذلك فقد لبى الدعوة وجرى الاجتماع في القدس في 28 آذار 1921، وتمخض عنه اتفاق على تأسيس إدارة في شرقي الأردن برئاسة الأمير عبد الله، ثم اعترفت بريطانيا استقلال إمارة شرقي الأردن استقلالا ذاتيا في 25 أيار 1923.
وكان الحدث الأبرز خلال هذه الفترة، هو توقيع معاهدة بين حكومة شرق الأردن والحكومة البريطانية 1928 تلا ذلك وضع القانون الأساسي، واستقبل أبناء الشعب الأردني ذلك بالرفض والمعارضة، لأن المعاهدة والقانون لا يعبران عن الأماني الوطنية والاستقلال، ولكن هذه المعارضة لم تستطع تنظيم نفسها، بل أن العناصر الانتهازية ساهمت في تخريب هذه الحركة، مما جعلـها عرضة للتفكك والانهيار السريع، لذلك لم تجد السلطات البريطانية صعوبة في الحد من نشاطها. وحاول الوطنيين إقناع الناس بعدم المشاركة بانتخابات المجلس التشريعي الأول عام 1929 لأن الهدف من ذلك هو المصادقة على المعاهدة، ولكن تدخل الأمير أفشل ذلك، عندما عمل على إقناع الناس بضرورة المشاركة في الانتخابات؛ لأن المعاهدة لايتم تنفيذها إلا بعد تصديقها من المجلس التشريعي. بالرغم من ذلك فقد أضربت اربد وعجلون وعدد من مدن اللواء الشمالي عن العمل، وأبرق عدد من كبار مشايخ وزعماء الشمال إلى الأمير عبد الله يعبرون عن عدم قبولهم لهذه المعاهدة لأنها أشبه بصك عبودية، وقد حاول الأمير الحصول على تأييد أهالي الشمال للمعاهـدة ولكنه لم يفلـح في ذلك. وتنادى المعارضون إلى عقد مؤتمر وطني في عمان في 25 تموز عام 1928، تقرر فيه رفض المعاهدة، ولكن هذه المعارضة أخذت حدتها تخف بعد أن اتخذت الحكومة الأردنية سلسلة من التدابير استنادا إلى عدد من القوانين الاستثنائية المقيدة للحريات وخاصة قوانين: منع الجرائم لعام 1928 والعقوبات المشتركة سنة 1928، والنفي والإبعاد لعام 1928، وحظر عقد أي اجتماع عام في البلاد في عام 1933، والدفاع عن شرق الأردن لعام 1935، والجمعيات لسنة 1936، وكان الهدف من هذه القوانين هو تشتيت المعارضة الوطنية وقمعها وسجنها. وعلى الرغم من ذلك استمر النضال الشعي من أجل تعديل المعاهـدة وتحقيق الاستقلال خلال الفترة السابقة للحرب، فقد قامت الأحزاب الأردنية بعقد الاجتماعات والندوات ضد السياسة البريطانية، بل إنها تطورت إلى حد الأعمال التخريبية مثل: الهجوم على بعض المواقع الحكومية في الإمارة، وقطع أسلاك البرق والهاتف ما بين إربد ودرعا وجرش وعمان، وحرق أنابيب شركة بترول العراق. سيطرت السلطات البريطانية على مجريات الأمور في شرقي الأردن في الفترة السابقة للحرب، مما جعل تصرفات الأمير والحكومة تحت مراقبة الإنجليز، وهذا قيد الحريات العامة، وأثر على الموقف الشعبي من الحرب، وحد من إمكانية ظهور معارضة أردنية واضحة وخلال الحرب.