اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
لماذا "الجور والفجور"؟
أيها العاقل .. أيتها العاقلة، أين أنتَ وأين أنتِ من أخلاقك؟
ربما تتصفح هذا الكتاب الآن، وتشعر بثقل العنوان ( الجور والفجور) . كلمتان جافتان، توحيان بخطاب وعظي تقليدي، فيه زجر وتخويف. لكنني أطلب منك ألّا تغلق الصفحة بعد. فهذا الكتاب ليس وعظًا من أعلى منبر، وليس تهديدًا بعذاب القبر وشدة الحساب فقط. هذا الكتاب هو رحلة في أعماق نفسك، ومحاولة لفهم لماذا يصبح الإنسان – أياً كان – ظالماً تارة، ومنفلتاً من كل قيد تارة أخرى.
لقد جمعت لي الأيام، وخبرت الناس في مجتمعات متعددة، وشهدت عجائب هذا العصر: أرملة شُردت من بيتها بجور من كان يفترض أن يحميها، وشاب أضاع حياته في وحل الشهوات حتى فقد طعم اللذة الحقيقية، وحاكم جار في حكمه فظلم، ومُستضعف صرخ في الليل فلم يسمع صرخته أحد. كل هذه الوجوه تعود إلى أصلين اثنين: الجور (تجاوز الحد والإنصاف) والفجور ( انفتاح النفس على المعاصي والموبقات).
لماذا اخترت هذين الخلقين تحديداً دون سائر الأخلاق المذمومة؟
لأن كل خلق سيء آخر؛ الكذب، الغش، الخيانة، البخل، الكبر، الحسد – كلها إما تندرج تحت الجور (وضع الشيء في غير موضعه) أو الفجور (الانطلاق في فعل القبيح دون مبالاة). مَن كذب فقد جار على الحق؛ ومَن اغتاب فقد فجر في عرض أخيه؛ ومَن أكل مال اليتيم فقد جمع الجور والفجور معاً. إذن، بضبط هذين المَدْرَجَيْن، نضبط الأخلاق كلها.
قسوة الجور والفجور
تخيل للحظة روحاً منهكةً خلف قضبان سجون الظلمة في كل بقاع الأرض، لا ذنب له إلا أنه قال كلمة حق، أو طالب بقليل من عدل، يُصفع ويُعذب وتُسلب كرامته صباح مساء، فلا مجير له سوى دموع تتساقط في ظلام الزنزانة. وفي الطرف الآخر، تخيل جسد امرأة مسلوبة الإرادة، جُرّدت من حشمتها في أوكار العهر المنتشرة، تُباع كسلعة وتُسخر لغايات دنيئة، ويُزينون لها الفجور باسم "الحرية الشخصية". هذا هو وجه العملة القبيح: ظلم يقتل الروح، وفجور يذيب المروءة. ولهذا كتبت هذا الكتاب: لعل صوتاً يعلو لهذه الأرواح المعذبة، ولعل ضميراً يستفيق لهذه الجراح المتراكمة.
ما الذي يميز هذا الكتاب عن غيره؟
ليس هذا الكتاب وعظاً تقليدياً يقول لك "افعل ولا تفعل". بل هو مزيج فريد بين:
1. التأصيل الفلسفي: نستعرض فيه نظرية ابن مسكويه في "تهذيب الأخلاق"، الذي رأى أن الفضيلة حالة راسخة تُكتسب بالتدريب والتعود، وأن الأخلاق ليست مجرد أوامر دينية جامدة، بل مشروع بناء ذاتي. سنأخذ من حكمته جوهرها، ونناقش حدودها.
2. التأصيل الشرعي: نعود فيه إلى القرآن والسنة الصحيحة، فنتلوا الآيات والأحاديث التي تحذر من الجور والفجور، ونفهمها فهم السلف الصالح، ونخرجها من جدران الكتب إلى واقع الحياة.
3. الجرأة الفكرية: لن أخفي عنك أنني أرى بعض القصور في نظرة ابن مسكويه المتفائلة جداً للعقل البشري، وسذاجة قاعدة "الوسطية" في كل المواقف. سنناقش ذلك بصراحة، ونطرح السؤال: هل يكفي تدريب النفس وحدها، أم نحتاج إلى إصلاح النظام الاجتماعي برمته؟
4. الهمّ العملي: هذا الكتاب ليس للقراءة فقط، بل للتطبيق. ستجد فيه "تمارين روحية" مستمدة من الطب النفسي الأخلاقي عند ابن مسكويه، ومن الأدعية النبوية العملية، ومن قصص التائبين والظالمين الذين انقلبت حياتهم.