اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
الجنين الحي: رواية لا تشبه إطلاقا كل رواية أنت قرأتها من قبل. هل هي جيدة؟ هل هي سيئة؟ لا يهم.. المهم أنها حققت هدفاً كبيراً حققه قلة نادرة من نخبة الأدباء الابتكاريين من أمثال جويس وبروست وفوكنر وولف وماركيز، هذا الهدف هو: رواية لا تشبه مطلقاً من أي وجه أي رواية أخرى غيرها.
كيف فعلت هذا؟
الجواب أولاً: إن أسلوب السرد ابتكاري مائة بالمائة يعتمد بشكل رئيس على مخاطبة بطل الرواية نفسه. يخاطبه لا في فقرة أو مقطع أو فصل، بل في معظم الرواية. طيلة قراءتك للرواية –باستثناء الفلم الذي يعرض داخلها- لا يكلمك الكاتب مطلقاً بل يكلم البطل نفسه وبطريقة مثيرة تخلق تصاعداً رهيباً في التوتر. إنك لا تعرف من هو هذا الذي يستمر طيلة الرواية بمخاطبة البطل سارداً له ما يجري في عالمه العجيب، هل هي قوة عظمى تخاطب البطل وتوبخه، تنذره، تنصحه، تسخر منه وتواسيه؟ هل هو ملاك ينصحه؟ هل هو شيطان يوسوس له؟ هل هو البطل نفسه يكلم نفسه بهذه الطريقة الفجة؟ لا نعرف وإنما فقط نجد أنفسنا نغرق في جو الرواية بعمق شديد لا نعهد مثله مع رواية أخرى بسبب هذا الأسلوب المستحدث في السرد.
ثانياً: إن تلك القوة الساردة عندما تخاطب البطل فهي تخاطبه عن مواقف راهنة تجري له، وأيضاً تخاطبه عن ذكريات، وعندما تخاطبه عن المواقف الآنية تستخدم صيغة الفعل المضارع، بينما عندما تخاطبه عن ذكريات فهي تلجأ إلى صيغة الفعل الماضي. وكلاً من المواقف الآنية والذكريات تعرضان توليفة عجيبة من الأحداث، إذ لا تكتفي الرواية بعرض الأحداث التي يصطدم فيها البطل مع عالمه الغريب وبيئته المتفردة، بل تعرض أيضاً مقداراً هائلاً من الهلوسات والكوابيس التي يصاب بها ذهن البطل، تمتزج تلك الهلوسات بالواقع بشكل يجعل كل حدث يصادفك أثناء القراءة مرشحاً بجدارة إلى أن يكون هلوسة وكابوساً.
ثالثاً: تلك الهلوسات التي تعرض لنا متفجرة بين سطور الرواية بلا تمهيد ليست صوراً ذهنية اعتباطية، بل هي إعادة تشكيل لمشاهد من عشرات الروايات الكلاسيكية المشهورة، وربما أكثر. مشاهد ذهنية يعيشها البطل وهو في خضم صراعه مع عالمه الخارجي محولةً إياه إلى نسخة حداثية من دون كيخوته، دون كيخوته مستقبلي يصارع في عوالم هكسلي وأورويل ودستويفسكي وميلفيل وتولستوي وكافكا وهيجو وديكنز وشكسبير وغوته ووايلد ورايدر هكارد وويلز وكرستي وتوين... والقائمة تطول جداً. مشاهد من أعمال هؤلاء العباقرة نجدها تحور في هذه الرواية لتخدم رسائل رمزية محكمة الحبك تخاطبنا وتصادم مفاهيمنا وتنقد مجتمعنا وسياستنا وفلسفتنا.
رابعاً: الحوار في الرواية هو الآخر ابتكاري، ليس لقوة بلاغته وبراعته التحليلية الخالية من التكلف فحسب؛ بل لأنه أيضاً ببساطة: يخلو من أفعال الحكاية. لا توجد كلمة (قال)، (همس)، (شكى)، (نادى).. إلخ. القارئ يجد نفسه وسط حوارات مسهبة، تختلط فيها حوارات الماضي مع حوارات الحاضر.. لكنه لا يراها معلمة بعلامات تشير إلى أسماء المتحاورين. والمذهل: إن القارئ رغم هذا سيدهش عندما يكتشف أنه لا يحتاج إلى علامات من هذا القبيل، وأن الحوار واضح خال من اللبس تماماً.
خامساً: مهما قرأت من روايات جريئة في مضامينها، فلن تسلم من الإحساس بالصدمة حيال المواضيع والنقاشات التي تثيرها الرواية؛ بسبب من جرأتها الفائقة في طرح كل ما لا نجرؤ على قوله، بل ربما نخاف أو نخجل من مجرد التفكير به.
إن كل ما مر آنفاً ليس سوى جزءاً من العناصر التي تهيب بنا أن نقول دون تردد: أن رواية الجنين الحي، مهما كان تقييمنا لها، هي رواية عربية فلسفية فنتازية لا تشبه أي رواية أخرى مطلقاً.
إنها بهذا لا تشكل مجرد إضافة إلى الروايات، بل توسعة جذرية في نظرية النقد الروائي، وتقدم للأدب أدوات وتقنيات جديدة، وتفتح أمامه نوافذ وأبوابًا لم نكن نعلم أن باستطاعتنا العبور منها. وربما لهذا السبب وحده تستحق أن تُعتبر واحدة من أهم الأعمال التي نشرت في هذا العقد.