اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
لم يحظَ علمُ النسبِ من الاهتمام ما حظيت به علوم أخرىٰ من مثابرة على ضبط القواعد وتثبيت الأسسِ وتَعاقُب المهتمين بها من عُلمائها ببذل الوسع جيلاً بعد جيل؛ لتهذيبها وتبويبها وجمع شتاتها حتىٰ بلغت نهاياتها الجامعة لموضوعاتها ومسائلها، بخلاف عِلم النسب؛ الذي بُنيَ أساسهُ مُتأخراً موروثاً من محفوظاتٍ لدىٰ من ادعىٰ الإلمام بها ولهذا كثر اختلافهم في كثيرٍ من أنساب القبائل حداً لا تكاد تقف بالجزم علىٰ صحة ما ورد منها من أنساب العرب بسبب اختلاف الرواياتِ؛ ومن جملة فروع علم النسبِ، نسبُ المنتمينَ الى الدوحةِ العلويةِ الشريفة، فبرغم دنوِّ هذا الفرع من زمن التدوين إلّا انه لم يصل منه الكثير إلىٰ التدوين عدا المشاهير منهم لاعتماد الحِفظ فيه أيضاً لأكثر من قرنين. فأول من دوَّن في هذا الفرع كما هو المشهور “يحيىٰ النسابة” المتوفي سنة 277 هجرية ولا يخفىٰ أن الرواية عن حلقات نسبية بعد أكثر من قرنين وفي ظروفٍ تَعرَّض فيه المنتمون إلىٰ هذا الفرع ابتداءً مِنْ جدِهم الأعلىٰ علي بن أبي طالب (ع) إلى اضطهادٍ غيرَ مسبوقٍ وكانت تلك الفترة من أشد الأزمنة التي مرت علىٰ العلويين بما جرىٰ فيها من استهدافٍ لأكثر المنتمين إلىٰ هذه الدوحة المباركة من قبل الأنظمة المتعاقبة التي عزمت علىٰ اجتثاثهم واستئصالهم ومحو آثارهم فَقُتل مِنهم من قُتل ولاذ بالفرار إلىٰ أطراف الأرض كثيراً مِنهم طلباً للنجاة. فلا يُعلم كم غاب منهم عن قَلم يَحيىٰ النسابة رضوان الله عليه وغيره ممن لحق بِركبِ تدوين أنساب الطالبيين في القرن الرابع وما أقلهم. وبذلك ضاع الكثير من الفروع بضياع الأصول التي سَقطت أسماؤها من سِجِل الكاتبين في تلك الفترة المظلمة مع قلة المتتبعين.
وبسبب خلو المدونات الأولية من ذكر كثيرٍ من تلك الأصول اضطر اللاحقون من مدوني أنسابِهم للبحث في أطراف البلاد وأكنافها بحثاً عن المُنتقِلة مِنهم بأمل التعرفِ علىٰ الأصول المَنسية وإلحاقِ الفروعِ بها وكان سعيهم مشكوراً بعد وقوفهم علىٰ بعضها. وما نُقدمه اليومَ في هذا الكتاب هو من جملة هذا الجهد غير أنه يُعنىٰ بجردِ ما ثبتَ وجوده في الأصول المدونة في كتب النَسَبِ وإثباتِ ما وجد منها في بيادر التراث من كتب التأريخ والسِيَر والرجال بأمل إرجاع الفروع المنسية إليها لتنجوا من لمزِ الجهلةِ وهمزهم بسبب قصور المدونين في الجرد وما ترتب علىٰ ذلك من مشهورات قاصمةٍ بإنكار أنسابٍ لمجردِ إنكار المشهور لأصولِها. ولظننا بنفع ما سطرناه ارتأينا إعادة طبعه ثانيةً بعد مرور أكثر من ثلاثين سنة علىٰ الطبعة الأولى مع إضافة أسماءٍ مستدركة لم ترد فيها لتعم الفائدة ولا ندَّعي فيها كمال الإحصاء. نسأل اللّٰه عز وجل أن يتقبل مِنّا في سجل الحسنات هذا القليل خالصاً والذي لم نقصد به إلا وجهه الكريم بمودة ذرية نبيه صلىٰ اللّٰه عليه وآله لننتفع منه يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتىٰ اللّٰه بقلب سليم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.