اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
تُوفي منگو تيمور في ربيع الأوَّل 679هـ المُوافق فيه تمُّوز (يوليو) 1280م، وخلفه أخوه المُسلم «تدان منگو»، وكان رجُلًا صالحًا زاهدًا في الدُنيا. وفي ذات الوقت كان القائد «نوقاي» قد استطاع أن يجمع القبائل المغوليَّة في السُهُوب الواقعة شمال وشمال شرقيّ بحر البنطس (الأسود) ويجعلها مملكة واحدة خاضعة له. وكان نوقاي شيخًا قد عركته الحياة وعمل في الشُؤون العامَّة مُنذُ زمنٍ بعيد، وخاض حُروبًا كثيرة تحت راية منگو تيمور وبركة وباطو، ولهُ خبرة ومُمارسة بِالمكائد، فاستغلَّ زُهد تدان منگو لِيُدير أُمُور البلاد بِنفسه، فأصبح وكأنَّ هُناك خانان يحكُمان القبيلة الذهبيَّة. أبرم تدان منگو صُلحًا مع الخاقان الأعظم قوبلاي، واعترف بِهيمنته، مُنهيًا حالة العداء القائمة بين مملكة يوان الصينيَّة وخانيَّة القبيلة الذهبيَّة مُنذُ أيَّام بركة خان، كما عمد نوقاي إلى مُصالحة قوبلاي أيضًا واعترف بِتقدُّمه على سائر الحُكَّام المغول. كما حرص تدان منگو على استمرار العلاقات الجيِّدة بين دولته والمماليك، إذ لم يكد يتولَّى السُلطة في سراي حتَّى أرسل سفارةً إلى القاهرة، في سنة 682هـ المُوافقة لِسنة 1283م، تتكوَّن من فقيهين قفجاقيين، هُما «مجدُ الدين آتا» و«نُورُ الدين آتا»، وحمَّلهما كتابًا يتضمَّن إبلاغ السُلطان قلاوون بِأنَّهُ أسلم وجلس على تخت المُلك وأقام شرائع الإسلام، وأنَّهُ يطلب نعتًا يُسمَّى به، من أسماء المُسلمين، وعلمًا من الخليفة العبَّاسي وعلمًا من السُلطان، ونقَّارات لِيركب بِذلك ويُقابل أعداء الإسلام، وأوصى بِمُساعدة أعضاء البعثة في أداء فريضة الحج. فاهتمَّ السُلطان بِالسفارة، وأرسل السفيرين إلى مكَّة وجهَّزهما بما يحتاجان إليه، وبعد عودتهما من بلاد الحجاز، زوَّدهما بما طلب الخان، وأحسن إليهما، وأعادهما إلى دولتهما.
في سبعينيَّات القرن الثالث عشر الميلاديّ اجتاح نوقاي الإمبراطوريَّة البُلغاريَّة ومملكة ليتوانيا بِوحشيَّةٍ ظاهرة، مُستغلًّا الاضطرابات القائمة في البلاد البُلغاريَّة والصراع الدائر حول العرش، فحاصر المُدعي بِالحق فيه ميخائيل آسين في دراستر سنة 1279م، وأعدم زعيم المُتمردين والمُتسلِّط على العرش البُلغاري «إيڤاليو» سنة 1280م، وأجبر الإمبراطور الفعلي «جرجس الترتري» على اللُّجُوء إلى الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة. وفي سنة 1284م أدخل نوقاي بلدة «إسحٰقجة» تحت الحُكُم المغولي بعد غزوةٍ كبيرةٍ لِلبلاد، وضُربت فيها السكَّة باسم الخان. وفي سنة 1292م، دعم نوقاي أحد النُبلاء البُلغار المدعو «سميلتز» حتَّى تربَّع على العرش وأطاح بِجرجس الترتري، فمثَّل عهد سميلتز ذروة الهيمنة المغوليَّة في بُلغاريا. كما أجبر المغول الملك الصربي «أسطفان ميلوتين» على الخُضُوع لهم، وأن يُرسل ابنه «أسطفان ديانسكي» رهينةً إلى بلاط نوقاي سنة 1287م. وفي سنة 684هـ المُوافقة لِسنة 1285م، رغب تدان منگو بِمُجاهدة وقتال الممالك المسيحيَّة المُجاورة لِدولته، فأرسل قائده نوقاي على رأس حملاتٍ عسكريَّةٍ لِغزو بعض البُلدان الأوروپيَّة، فغزا المجر بِالاشتراك مع «تلابوقا»، وأجبرا الأُمراء الغاليسيين على السير معهما إلى الحرب، غير أنَّ الحملة انتهت بِكارثة، إذ تعرَّض الجيش المغولي لِلدمار على يد المجريين بحيثُ اضطرَّ تلابوقا إلى الانسحاب مع النساء والأطفال سيرًا على الأقدام. في ذلك الوقت ازداد تأثير نوقاي وسُلطته داخل خانيَّة القبيلة الذهبيَّة، فقد لجأ إليه الأمير ديمتري بن إسكندر الپيريسلاڤلي لِطلب المُساعدة ضدَّ أخيه أندراوس، المدعوم من طرف الخان تدان منگو، الذي أجلسه على عرش إمارته وفرَّق شمل جُنُود ديمتري، فطلب الأخير من نوقاي أن يتدخَّل لِمصلحته، فاستجاب لِطلبه وأرسلهُ على رأس حملةٍ عسكريَّةٍ تمكَّنت من خلع شقيقه وتنصيبه مُجددًا على عرش إمارة ڤلاديمير، واضطرَّ تدان منگو، الذي كان يخشى سطوة نوقاي، إلى الاعتراف به حاكمًا على سوزدال، وخضع لهُ سُكَّان نوڤغورود.
وفي سنة 686هـ المُوافقة لِسنة 1287م، اعتزل تدان منگو الحياة السياسيَّة وانقطع لِلعبادة والزُّهد ومُصاحبة الدراويش والمشايخ والصالحين، وقنع بِاليسير من الرزق، ورشَّح ابن أخيه تلابوقا بن منگو تيمور لِخلافته، فوافق أركان الدولة والأُسرة الحاكمة على ذلك. انغمس تلابوقا في الأحداث السياسيَّة التي جرت في الدولة الإلخانيَّة، فعلى أثر مقتل الإلخان المُسلم أحمد تكودار واعتلاء أرغون خان البوذي عرش الدولة، تصادمت التوجُّهات الدينيَّة لِكُلٍّ من الدولتين المغوليتين، ورغب تلابوقا بِالثأر لِنسيبه المُسلم، فأرسل حملتين عسكريتين إلى إيران، خرجت أوَّلها في 14 ربيع الآخر 688هـ المُوافق فيه 7 أيَّار (مايو) 1289م، والأُخرى في جُمادى الأولى 689هـ المُوافق فيه أيَّار (مايو) 1290م، لكنَّها فشلت في تحقيق أيِّ نصرٍ على الإلخانيين. وغزا تلابوقا بلاد الشركس بِالاشتراك مع نوقاي، فنهب وقتل ثُمَّ عاد، بِفعل دُخُول فصل الشتاء حيثُ تساقط الثلج وتعذَّر سير الجيش على الطُرُقات، فانفصل نوقاي بِقُوَّاته عن الجيش الرئيس وسار إلى مشتاه فوصل سالمًا، في حين عانى تلابوقا وعساكره من وعورة الطُرُق ومسالكها، فهلك مُعظمهم من شدَّة البرد ونفاذ المُؤن، واضطرُّوا إلى أكل دوابهم وكلاب صيدهم ولُحُوم من مات منهم، ولم يسلم منهم إلَّا القليل، فعزَّ ذلك على تلابوقا وتوهَّم أنَّ نوقاي إنَّما فعل ذلك به مكرًا ومكيدةً لِيُهلك عساكره ويُبيد عشائره حتَّى يستقل بِالبلاد، لِذلك أضمر لهُ الغدر وأبطن لهُ الشر، وصمَّم على الفتك به، فاستدعاه بِحُجَّة استشارته في أمرٍ ما. لكنَّ نوقاي فطن لما يُحاك له بِحُكم خبرته في الحُكم والحياة عُمومًا، فأرسل إلى والدة تلابوقا بِأنَّ عنده نصائح يودُّ لو ألقاها إلى الخان في خلوة. فانخدعت المرأة بِمضمون الكِتاب وأشارت على ابنها بِالمُوافقة والاجتماع بقائده والإصغاء إلى نصائحه، فاستجاب لها وفرَّق عساكره، وأرسل إلى نوقاي لِلحُضُور أمامه، فأعدَّ لهُ الأخير كمينًا وفاجأه أثناء الاجتماع بِعساكره، فطوَّقوه وقبضوا عليه، وسلَّمه نوقاي مع إخوته الذين كانوا معه إلى طُقطاي بن منگو تيمور، فقتلهم بِحُجَّة أنَّ تلابوقا اغتصب مُلك أبيه، وكان ذلك في سنة 690هـ المُوافقة لِسنة 1291م. عندما انتهى نوقاي من أمر تلابوقا، أجلس طُقطاي على تخت المُلك ورتَّب أُمُور دولته، وعيَّن إخوته «برلك» و«سراي بُغا» و«تدان» مُساعدين له، ثُمَّ عاد إلى أملاكه لِيستريح من عناء الصراع، غير أنَّهُ خشي من انتقام الأُمراء الذين ساندوا خصمه، فأمر طُقطاي بِالتخلُّص منهم، وكانوا ثلاثة وعشرين أميرًا، فقتلهم جميعًا، فاطمأنَّ بِذلك على وضعه السياسي.
لم تلبث الأوضاع أن انفجرت في خانيَّة القبيلة الذهبيَّة خِلال سنواتٍ قليلةٍ من اعتلاء طُقطاي العرش، وتحوَّل الأمر إلى حربٍ أهليَّةٍ بِفعل الصراع على النُفُوذ بين طُقطاي ونوقاي المُستبد بِشُؤون الدولة. والواقع أنَّ الخان لم يكن راضيًا عن تصاعد نُفُوذ أميره ولو كان يدين له بِالوُصُول على سُدَّة المُلك، وحتَّى يُضعف من سُلطته عليه تخلَّص من عبء إخوته الذين تطفَّل عليه بهم وجعلهم شُركاءه في الحُكم. وأجَّج هذا الصراع ما أقدم عليه نوقاي من قتل أرملة منگو تيمور في سنة 693هـ المُوافقة لِسنة 1294م بِحُجَّة أنها كانت تتحكَّم بِالمغول في عهد زوجها، وخِلال حُكم تدان منگو وتلابوقا، بِالإضافة إلى سوء مُعاملة ابنيه «جكا» و«تكا» لِزوجة طُقطاي، بيلق خاتون، فأوغرت صدر زوجها عليه وحرَّضته على قتله. وانتفض مُعظم الأُمراء، خِلال هذا الصراع، من حول طُقطاي بِفعل سوء مُعاملته لهم، وانضمُّوا إلى نوقاي الذي آواهم وأحسن إليهم، ولمَّا طلب طُقطاي منه إعادتهم لِيُحاكمهم، رفض الطلب، فغضب طُقطاي وقرَّر االتخلُّص منه. وفي سنة 697هـ المُوافقة لِسنة 1298م، أرسل طُقطاي رسولًا إلى نوقاي يحملُ محراثًا وسهم نشَّاب وحفنة من التُراب، فلمَّا وصل الرسول وعرض عليه ما يحمل، أدرك فورًا هدف طُقطاي. فالمحراث يرمز إلى اقتلاع نوقاي وأصحابه من الأرض، ويرمز السهم إلى إنزلهم به إلى الأرض إن هم صعدوا إلى الجو، أمَّا التُراب فيرمز إلى اختيار أرض القتال. وردَّ نوقاي بِرسالةٍ أعلن فيها استعداده لِلحرب. اشتبك الطرفان عسكريًّا على مرحلتين: جرت الأولى في سنة 697هـ المُوافقة لِسنة 1298م على نهر يصي عند كندلان في بلاد سقسين وبُلقار، وأسفرت عن انتصار نوقاي. وتراجع طُقطاي في جو الهزيمة القاتم باتجاه نهر الطونة (الدانوب)، فعبره مع من نجا من جُنده، فغرق بعضهم في النهر، ولم يُطارده نوقاي، وأمر بِعدم الإجهاز على الجرحى، واكتفى بِأخذ الغنائم والسبايا وعاد إلى بلاده، غير أنَّهُ ثبَّت أقدامه في شبه جزيرة القرم ونواحيها. وحدث في سنة 699هـ المُوافقة لِسنة 1300م أن دبَّ الخلاف بين نوقاي وبين أُمرائه، فانحازت جماعة منهم إلى طُقطاي ومعهم ثلاثون ألف مُقاتل، وقد شكَّلوا قُوَّةً ذات بأس، الأمر الذي أعطى طُقطاي مزيدًا من القُوَّة، فاستغلَّها، وجدَّد الحرب لِلأخذ بِثأره واسترداد ما استولى عليه نوقاي من أراضيه في الجولة الأولى. وجرى قتالٌ بين الطرفين انتهى بِهزيمة نوقاي وتفرُّق جُنده، وقُبض عليه بعد المعركة وقُتل على يد مُقاتلٍ روسيٍّ في صُفُوف طُقطاي. بعد هذا أقدم طُقطاي على قتل أبناء نوقاي الذين حاولوا استرداد مُلك أبيهم، واستصفى أملاكهم ووزَّعها على ولديه، مُعيدًا بِذلك الوحدة السياسيَّة إلى بلاد القبيلة الذهبيَّة. كان اعتلاء طُقطاي واستقراره على العرش المغولي في بلاد القفجاق حدثًا نوعيًّا في تاريخ مغول القبيلة الذهبيَّة، كونها كانت المرَّة الأولى التي يُرفع فيها الخان إلى السُلطة نتيجة حربٍ أهليَّة، وشكَّلت هذه الظاهرة مدخلًا لِلصراعات الداخليَّة في المُستقبل، الأمر الذي أدَّى إلى ضعف الدولة ومن ثُمَّ زوالها.