اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
إن الأيقونة من حيث الفكر اللاهوتي تعالج من منطلقين وخبرتين
على المكتشفات الأثرية كالكنيس اليهودي في دورا أوربوس (بالقرب من مدينة الصالحية السورية)و المحفوظة في متحف دمشق.
تُعْتَبَرُ الأَيْقُوْنَةُ وَسِيْلَةَ تَمْجيْدٍ وَتَسْبيْحٍ وَتَعْلِيْم، فَهِيَ تُظْهِرُ الأَشْيَاءَ المُقَدَّسَةَ التي تُوْحِي بالمَاوَرَائِيَّاتِ، دُوْنَمَا الاقْتِصَار عَلَى جَمَالِيَّةِ اللَّوْحَةِ أَوْ دَلالَتِهَا الدِّيْنِيَّةِ، وَالتي اكْتَسَبَتْ قِيْمَتَهَا الفَنِّيَّة مِنْ خِلاَلِ إِطَارِهَا الدِّيْنِيْ، لِذَلِكَ تُعْتَبَرُ الأَيْقُوْنَةُ لاهُوْتًا جَمَالِيَّا، لا يُهِمُِ رَاسِمَهَا الجَمَالَ الفَنِّيّ فَحَسْب، بَلْ يَسْتَخْدِمُ الجَّمَالَ لِيُثِيْرَ الانْفِعَالاتِ الرُّوْحِيَّةِ وَيُحَرِّكَ العَوَاطِفَ الكَامِنَةَ مُوَلِّدًا الإِيْمَانَ فِي قَلْبِ المُشَاهِدِ وَالمُصَلِّيْ مَعًا.
تَتَجَلَّى فَلْسَفَةُ رَسْمِ الأَيْقُوْنَةِ عَبْرَ مَا يَسْتَقِيْهِ الفَنَّانُ مِنْ تَعَالِيْمِ الإنجيل، وَرُؤْيَتُهَا لِلْخَلْقِ وَالخَالِقِ فِي آَنٍ مَعًا، فَمَنْ يَنْظُرُ إلى أَيْقُوْنَةِ العَشَاءِ السِرِّي عَلَى سَبيْلِ المِثَالَ، سَيَرَى النُّوْرَ مُنْبَثِقًا مِنْ شَخْصِيَّاتِ الأَيْقُوْنَةِ التي تَضُمُّ المَسِيْحَ وَتَلامِيْذَهُ، عَلَى نَقِيْضِ التَّصْوِيْرِ العَادِيّ الذِي يَأْخُذُ بعَيْنِ الاعَتْبَارِ ظِلَّ الأَشْيَاءِ وَأَبْعَادَهَا، لكَوْنِ مَصْدَرِ النُّوْرِ خَارِجيًا وَليْسَ دَاخِلِيَّا، كَمَا هُوَ الحَالُ فِي الرُّسُوْمَاتِ المُقُدَّسَةِ التي يَنْتَصِرُ فِيْهَا النُّوْرُ عَلَى الظُلْمَةِ، وَهَذَا مَا يُدْعَى بالِإشْرَاقِ الذي لا يَنْدَرِجُ فِي مَكَانٍ وَلا زَمَانْ، بَلْ يَتَخَطَّاهُمَا، لِتَبْدُوَ الصُّوْرَةُ المُقَدَّسَةُ بمَظْهَرَيْن: مَظْهَرٌ خَارِجيٌّ طَبيْعِيٌ وَاضِحٌ لِلْعَيَانِ، وَمَظْهَرٌ رَمْزِيٌّ سِرِّيٌ يُحَاكِي النَّفْس، وَتَبْرُزُ مَعَانِيْهِ مِنْ خِلالِ لُغَةِ الأَلْوَانِ الرَّمْزِيَّة. وَمِنْ هُنَا تَجْدُرُ الإشَارَةُ إِلى أَنَّ المَسِيْحِيِّينَ الأَوَائِلَ قَدْ اسْتَفَادُوا مِنْ مَصَادِرَ عَدِيْدَة اسْتَخْدَمَت هَذِهِ الرُّمُوْز، وَاعْتَمَدُوْهَا فِي التَّعْبيْرِ عَنْ إِيْمَانِهِمْ، فَمِنَ الوَثَنِيَّةِ مَثَلًا أَخَذُوْا السَّفِيْنَةَ رَمْزًا لِلْكَنِيْسَةِ، وَالطَّاوُوْسَ رَمْزًا لِجَمَالِ الفِرْدَوْس، وَرَمْزُ السَّمَكَةِ الذي يَدُلُّ عَلَى المَسِيْح، وَمِنْ هَذِهِ الرُّمُوْزِ أَيْضًا المِرْسَاةُ وَالحَمَامَة.
كَمَا يَنْشُدُ الفَنُّ الكَنَسِيُّ إِيْصَالَ حَقَائِقِ الإِيْمَانِ وَتَفَاصِيْلِهِ إلى البُسَطَاءِ مِنَ المَسِيْحِيِّيْنَ مِنْ خِلاَلِ تَكْوِيْنِ مَجْمُوْعَةٍ بَصَرِيَّةٍ تُحْفَظُ فِي الذِّهْنِ تَلْقَائِيًا، وَمِنْهَا يَسْتَقِي الإِنْسَانُ تَعْرِيْفَاتِ وَمُحَدِّدَاتِ الإِيْمَانِ دُوْنَمَا الحَاجَةُ إِلَى بَذْلِ جُهْدٍ فِي تَحْلِيْلِهَا، فَالأَيْقُوْنَةُ هِي أَدَاةٌ لِشَرْحِ اللَّاهُوْتِيَّاتِ لِلْبُسَطَاءِ، وَتَتَلَقَّىَ تِلْكَ الرُّسُوْمَاتُ مُعْطَيَاتِهَا مِنَ النُّصُوْصِ الكِتَابِيَّةِ وَالنُّصُوْصِ الآَبَائِيَّةِ، فَضْلًا عَنْ الإسْتِنَارَةِ الخَاصَّةِ بالفَنَّانِ، وَالتي تَطْبَعُ عَمَلَهُ برُوْحَانِيَّةٍ تُقَرِّبُ مَسَافَاتِ الفَنِّ إلى القَلْبِ وَالوُجْدَانْ. إلّا أَنَّ تِلْكَ الحَقِيْقَةُ لا تَعْنِي أَنَّ الأَيْقُونَةَ أَدَاةٌ لِلْبُسَطَاءِ فَحَسْب، لَكَوْنِهَا أَدَاةَ تَوَاصُلٍ لِمَنْ يَمْلِكُوْنَ خَيَالًا خِصْبًا وَذِهْنًا جَمَالِيًا، وَمَنْطِقًا لا يَتَوَقَّفُ عِنْدَ الحَقِيْقَةِ المُجَرَّدّةِ. فَإِنْ كَانَ النَّصُ أَدَاةَ العَقْلانِيِّيْنَ فِي التَّوَاصُلِ مَعَ الله وَفَهْمِ الحَقَائِقِ اللَّاهُوْتِيَّةِ، فَإِنَّ الأَيْقُوْنَةَ تَبْقَى أَدَاةَ ذَوِي الخَيَالِ الرَّحْبِ لِمَعْرِفَةِ الله وَطَبيْعَتِهِ.