English  

كتب الأوزاعي والحكام

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

الأوزاعي والحكام (معلومة)


كان الأوزاعي على علاقة طيبة بمعاصريه من الأمويين حتى إن الخليفة الأموي يزيد بن الوليد استقضاه، فجلس الأوزاعي مجلسًا واحدًا، ثم استعفى، فأُعفي. غير أنه بتولّي العباسيين الأمر، أفحشوا في قتل وتتبُّع الأمويين، واضطهاد من كانت لهم الحظوة عند الأمويين. ثم إن عبد الله بن علي لما دخل دمشق سنة 134 هـ، أرسل في طلب الأوزاعي، فتباطأ عليه ثلاثة أيام، ثم دخل عليه. ولما دخل الأوزاعي على عبد الله وجده على سريره وفي يده خيزرانة، وجنده المتشحين بالسواد يحيطونه، وسيوفهم مصلّتة. فسلم عليه الأوزاعي فلم يرد، ثم بادره عبد الله بالسؤال قائلاً: «يا أوزاعي، ما ترى فيما صنعنا من إزالة أيدي أولئك الظلمة أرباط هو؟»، فردّ الأوزاعي بحديث النبي محمد: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه»، فقال عبد الله: «يا أوزاعي، ما تقول في دماء بني أمية؟»، فرد بحديث النبي محمد: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث؛ النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة»، فقال عبد الله: «ما تقول في أموالهم؟» فقال الأوزاعي: «إن كانت في أيديهم حرامًا فهي حرام عليك أيضًا، وإن كانت لهم حلالاً فلا تحل لك إلا بطريق شرعي»، فقال: «أليس الخلافة وصية لنا من رسول الله قاتل عليها علي بصفين؟»، قال: «لو كانت وصية من رسول الله ما حكم علي الحكمين»، فنكس عبد الله رأسه، وعرض على الأوزاعي القضاء، فاعتذر.

لم يتردد الأوزاعي في مراجعة الحكام بالنصح والإرشاد متى ما رأى منهم حيدًا عن الصواب، فقد ذكر أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه «الأموال» أن جماعة من أهل الذمة في جبل لبنان نكثوا عهدهم وتمردوا، فأخذهم الوالي العباسي صالح بن علي بالشدة، فحاربهم وأجلاهم، لم يرضَ الأوزاعي بما حلّ بهم، وكتب إلى الوالي رسالة طويلة يقول فيها: «قد كان من إجلاء أهل الذمة من أهل جبل لبنان، مما لم يكن تمالأ عليه خروج من خرج منهم، ولم تطبق عليه جماعتهم، فقتل منهم طائفة، ورجع بقيتهم إلى قراهم، فكيف تؤخذ عامة بعمل خاصة؟ فيخرجون من ديارهم وأموالهم؟ وقد بلغنا أن من حكم الله أنه لا يأخذ العامة بعمل الخاصة، ولكن يأخذ الخاصة بعمل العامة، ثم يبعثهم على أعمالهم، فأحق ما اقتدي به ووقف عليه حكم الله ، وأحق الوصايا بأن تحفظ وصية رسول الله وقوله: «من ظلم معاهدًا، أو كلفه فوق طاقته، فأنا حجيجه»، ومن كانت له حرمة في دمه فله في ماله والعدل عليه مثلها، فإنهم ليسوا بعبيد فتكونوا من تحويلهم من بلد إلى بلد في سعة، ولكنهم أحرار أهل ذمة، يرجم محصنهم على الفاحشة، ويحاص نساؤهم نساءنا من تزوجهن منا القسم والطلاق، والعدة سواء». ويُروى أن نصرانيًا أهدى إليه يومًا جرة عسل، فقال له: «يا أبا عمرو تكتب لي إلى والي بعلبك؟»، فقال الأوزاعي: «إن شئت رددت الجرة وكتبت لك، وإلا قبلت الجرة ولم أكتب لك»، قال: «فرُدّ الجرة»، وكتب له الأوزاعي، فوضع الوالي عنه ثلاثين دينارًا.

وحدث في أيام المنصور أن كان قيصر الروم إن وقع في يده أسرى من المسلمين يطلب الفداء، إلا أن أبا جعفر المنصور كان يأبى الفداء. فشقّ ذلك على الأوزاعي، وكتب كتابًا بليغًا لأبي جعفر في ذلك يذكّره فيه بالله، فرَقَّ المنصور، وأمر بالفداء. حظي الأوزاعي لدى المنصور بمنزلة خاصة، فكان المنصور يُعظّمه ويصغي إلى وعظه ويُجلّه. كانت صنعة الأوزاعي الكتابة والترسُّل، وقد حظيت رسائله بإعجاب معاصريه لفصاحتها وبلاغتها، ويذكر أن المنصور كان يحتفظ برسائل الأوزاعي التي ترد عليه، فكانت تنسخ في دفاتر، وتوضع بين يدي المنصور، فيتعجب منها، ويُكثر النظر فيها استحسانًا لألفاظها.

المصدر: wikipedia.org