English  

كتب الأفكار عند لوك

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

الأفكار عند لوك (معلومة)


ما يتلقاه العقل البشرى من الإحساس أو الانعكاس على العمليات الذهنية ينقسم إلى أفكار بسيطة وأفكار مركبة. الأفكار البسيطة هي الأفكار المرتبطة بصفات الشئ المحسوسة مثل الصلابة والبرودة والامتداد والشكل. أما الأفكار المركبة فليست حاضرة في الشئ المحسوس نفسه بل يستخلصها العقل منه مثل الجوهر والأعراض، والسبب والنتيجة، والزمان والمكان والحركة( 20). ومعنى ذلك أن الذهن يكون سلبياً في تلقيه للأفكار البسيطة، ونشطاً فاعلاً في إنتاجه للأفكار المركبة، ذلك لأنها تكون نتيجة تفكير حول العلاقات بين ما يتلقاه من أفكار بسيطة، فالسببية علاقة بين شئ وآخر يدركها العقل في تفكيره حولهما معاً، والجوهر وأعراضه أيضاً فكرة مركبة تنتج في العقل من تفكيره حول العلاقة بين الشئ وصفاته وما هو دائم أو متغير من هذه الصفات. الأفكار عند لوك نوعان: بسيطة ومركبة، البسيطة يتلقاها الذهن مباشرة من الإدراكات الحسية، ويجب أن ننتبه هنا إلى نقطة يساء فهمها لدى لوك وهي نشأة الأفكار البسيطة. اعتقد الكثير من نقاد لوك والمذهب التجريبى عامة أن الأفكار عنده مصدرها الحواس أو الإحساسات، لكن لوك لا يقول بذلك، بل يقول بأن مصدر الأفكار هو الإدراكات الحسية. هناك فرق كبير بين أن تكون الحواس هي مصدر الأفكار وأن تكون الإدراكات الحسية هي ذلك المصدر. إن الأفكار، حتى وإن كانت بسيطة، هي صور ذهنية بسيطة ومباشرة للأشياء وليست إحساسات. فالكرة الحمراء مثلاً إدراك حسى تستقبله الحواس، أما اللون الأحمر نفسه فهو فكرة، صورة ذهنية مجردة، يتوصل إليها الذهن البشرى من تلقيه لإدراك حول الأشياء الحمراء( 21). الأفكار البسيطة إذن لا يتلقاها الذهن جاهزة من الخبرة بل هي تتضمن درجة من التعميم أو العمومية، ذلك لأن الأمثلة التي يضربها للأفكار البسيطة كلها عموميات، مثل الأحمر، الأخضر، الرطب، اليابس، الحار. بإدراكنا لأشياء كثيرة حمراء ندرك أن الأحمر لون، هذه فكرة بسيطة لكن أتت عن طريق التعميم، ولذلك فالأحمر فكرة عامة، ولذلك فهى بسيطة، تنطبق على كل الأشياء الحمراء. ولذا أطلق عليها لوك فكرة ولم يسميها إدراك أو إحساس. الإحساس هو بالشئ الأحمر، أما الأحمر كلون فهو فكرة بسيطة. أما الأفكار المركبة فهى مثل العلاقة والسببية والجوهر والأعراض، وهي ناتجة عن التركيب والدمج بين أفكار بسيطة، الأفكار المركبة إذن تعبر عن نشاط ذهنى أنتجها لكنها ليست حاضرة جاهزة في المدركات الحسية. تنقسم الأفكار البسيطة عند لوك إلى أفكار تأتى من حاسة واحدة مثل الألوان التي تأتى من حاسة البصر، والسخونة والبرودة والنعومة والخشونة التي تأتى من حاسة اللمس، والروائح التي تأتى من حاسة الشم، والأصوات التي تأتى من حاسة السمع، وأفكار تأتى من أكثر من حاسة واحدة مثل المكان والامتداد والشكل والسكون والحركة، ذلك لأننا ندرك المكان من حاستى البصر واللمس، بأفكار تأتى من الانعكاس على العمليات الذهنية reflection، وهو تفكير العقل في أفكاره التي حصل عليها من الإدراك الحسى( 22). فعندما يتأمل العقل في الكيفية التي يتعامل بها مع الأفكار يدرك أنه يقوم إما بإدراك حسى أو استدلال أو حكم أو تمييز وتفريق ومقارنة أو تذكر. أما الأفكار التي تأتى من الإحساس والانعكاس معاً فهى اللذة والألم، لأنهما يبدآن بإدراك حسى معين يتبعه شعور بالارتياح أو عدم الارتياح يأتى من الانعكاس على ما تلقته الحواس؛ وكذلك القوة، إذ بعد أن يلاحظ العقل تأثير جسم ما على أجسام أخرى يدرك أن فيه قوة على هذا التأثير، والتتابع أيضاً succession لأن العقل بعد أن يستقبل إحساسات معينة يلاحظ ما بينهما من علاقة تتابع، أى أنها تتبع بعضها البعض ويكون بعضها قبل بعض أو بعد بعض. ويذهب لوك إلى أن الأفكار البسيطة في العقل تقابلها صفات في الأجسام، بمعنى أن العقل يستقبل من الأجسام صفاتها التي تتحول فيه إلى أفكار. وهو يقر بأن لكل من الأفكار وصفات الأجسام طبيعة مختلفة، فالأفكار من طبيعتها أن تكون ذهنية ومجردة، والصفات من طبيعتها أن تكون حسية، لكن الأفكار البسيطة هي في النهاية انعكاس ذهنى لصفات الأشياء، كما لو أن العقل الإنسانى مرآه تنعكس عليها صفات الأشياء( 23). ومن طبيعة المرآة أن تعكس صورة ولا تعيد إنتاج الشئ الحقيقى، وبالمثل فإن العقل هو مرآة الأشياء، حيث أن الأفكار البسيطة فيه هي مجرد صور ذهنية منعكسة لصفات الأشياء. كما يذهب لوك إلى أن ما يجعل صفات الأشياء تنعكس في العقل منتجه فيه أفكاراً هي قوة power متضمنة في هذه الأشياء، أى أن في الأشياء قوة تؤثر بها على العقل. ومعنى هذا أن العقل يكون سلبياً تماماً في تأثره بما في الأشياء من قوة تؤثر عليه، أما عندما يتأمل في هذه الأفكار البسيطة وينتج منها أفكاراً مركبة فهو يكون فاعلاً نشطاً. العقل إذن سلبى في تلقى الأفكار البسيطة والتأثير في ذلك بقوة الأشياء عليه، وإيجابى وفاعل ونشط في تركيبه بين هذه الأفكار البسيطة والوصول إلى أفكار مركبة. ويميز لوك بين الصفات الأولية primary qualities والصفات الثانوية secondary qualities. الصفات الأولية هي الصفات التي يمتلكها الجسم في ذاته ولا يمكن أن تنفصل عنه وتؤثر بقوتها مباشرة على العقل، مثل الامتداد والشكل والصلابة( 24). فإذا قمنا بتقسيم جسم ما إلى أجزاء صغيرة لا يضيع الامتداد أو الصلابة أو الشكل بل تظل هذه الصفات في كل جزء صغير منه، حتى لو قمنا بطحن حبة من القمح وأصبحت كماً من الدقيق، فعلى الرغم من أن كل ذرة فيه غير محسوسة إلا أنها تظل تتصف بنفس صفات الامتداد والشكل والصلابة التي لحبة القمح. أما الصفات الثانوية فهى ليست مرتبطة بالجسم بل هي قوة متضمنة فيه تعمل على إنتاج إحساسات معينة في العقل، مثل اللون والرائحة والطعم، فالجسم يمكن أن يتغير لونه وطعمه ورائحته ويبقى مع ذلك نفس الجسم، وتكون هذه الصفات الثانوية هي تأثر العقل به. ويذهب لوك إلى أن في الأشياء قوة معينة تجعلنا نتأثر بها وتنتج فينا هذه الصفات الثانوية. ومعنى هذا أن الصفات الثانوية ليست مجرد أوهام أو أفكار متخيلة تنتج في الذهن دون أى ارتباط أو علاقة حقيقة بينها وبين الشئ المدرك، ذلك لأن من طبيعة هذا الشئ نفسه أن يحدث تأثيراً معيناً في حواسنا يتمثل في صورة صفات ثانوية. والحقيقة أن هذا الرأى يعد أثراً من آثار أرسطو غير المصرح بها في فلسفة لوك والتي تسربت إلى نظريته في المعرفة دون وعى منه. ذلك لأن النظر إلى الصفات الثانوية على أنها تأثر الحواس البشرية بالشئ المدرك نتيجة امتلاك هذا الشئ لطبيعة أو قوة تؤثر في الحواس هو عودة مرة أخرى إلى مفهوم الطبائع والقوى الكامنة في الأشياء الموجودة بوضوح في فلسفة أرسطو.

المصدر: wikipedia.org