كان لابن زيدون في حياته ثلاث تجارب أثرت في تنوّع شعره بشكل عميق، والتي عُدّت مصدراً لإلهام ابن زيدون في كلّ المواضيع التي عبّر عنها، أما التجربة الأولى فقد تمثلت بهيامه لولاّدة بنت المستكفي، وأما الثانية فقد حدثت عند سجنه في عهد أبي الحزم بن جهور، إذ نتجت من معاناته في السجن العديد من الأبيات الشعرية التي كانت تتمحور حول العتاب والاستعطاف، أما التجربة الثالثة فقد حصلت معه حين كان قريبًا من الحكام بصفته وزيراً وسفيراً في الدولة، فمكانة ابن زيدون تلك جعلته ينظم أشعار المديح لأولي الأمر، والهجاء لأعدائه، كما اعتُبرت مصدراً لإخوانياته ومداعباته، ولما كتبه من قصائد الوصف، وفيما يأتي شرح للأغراض الشعرية لابن زيدون مع ذكر بعض الأمثلة على قصائده:
- الغزل: كان لعشق ابن زيدون لولادة، وحبه الشديد لها وتعلق قلبه وأحاسيسه بها، دور كبير في إشعال نفسه وإكسابها شاعرية خصبة، لذا ترجمت ما في صدره من مكنون الحب والوفاء إلى شعرٍ عذبٍ وإبداعٍ لا حدود له في شعر الغزل، فتنوعت أشعاره ما بين الشكوى والحنين والعتاب والهجر وما إلى ذلك مما تفيض به نفس الشاعر العاشق من مشاعر.
- الشكوى: للشكوى النصيب الأكبر من قصائد الغزل في شعر ابن زيدون، والتي امتازت مثل باقي أشعاره بالسهولة والعذوبة والموسيقى والمشاعر الغزيرة، فيقول في إحداها:
كم ذا أُريدُ وَلاَ أُرادُ؟
- يا سوء ما لقِيَ الفؤادُ
- العتاب: أما العتاب فيحتل المرتبة الثانية في شعر ابن زيدون ويقول في إحدى قصائده:
أيوحشني الزمان وأنت أنسي
- ويظلم لي النهارُ وأنت شمسي
- الحنين والشوق: تفيض قصائد الحنين والشوق في شعر ابن زيدون حباً وحنيناً، ويقول في إحداها:
متى أبثّكِ ما بي
- يا راحتي وعذابي
متى ينوبُ لساني
- في شرحه عن كتابي
- الهجر: إنّ قصائد الهجر في شعر ابن زيدون مرتبطة بحبيبته ولادة، فمعظمها تتحدث عن هجرها له، فيقول في إحداها:
يا نازحًا وضميرُ القلب مثواهُ
- أنسَتْكَ دنياك عبدًا أنت دنياهُ
- الفراق: يقول ابن زيدون في الفراق:
لحا اللهُ يومًا لستُ فيه بملتقِ
- مُحيَّاكَ مِن أجل النَّوى والتَّفرُّقِ
وكيف يطيبُ العيشُ دُون مسرةٍ؟
- وأيُّ سُرورٍ للكئيب المؤرَّق
- الاعتذار: يوجد مقطعة واحدة في الاعتذار في ديوان ابن زيدون يعتذر فيها لحبيبته بسبب ضربه لها فيقول فيها:
إن تكن نالتكِ بالضرب يدي
- وأصابتك بما لم أُرِد
فلقد كُنتُ -لعمري- فاديًا
- لك با لمال وبعض الولد
- الوصال: تناول ابن زيدون لذّة الوصال في مقطعة قال فيها:
سري وجهري أنني هائمُ
- قام بك العذرُ فلا لائمُ
- البكاء: قصيدة (أضحى التنائي) هي من أشهر البكائيات في الشعر العربي، وهي التي جعلته أشهر شعراء الغزل في عصره، وفيها يذوب أساً وألماً على فراق ولادة وحبل الوصال الذي قُطع بينه وبينها، وقد استهلها بقوله:
أضحى التنائي بديلاً من تدانينا
- وناب عن طيب لقيانا تجافينا
- المديح: أبدع ابن زيدون في قصائد المدح التي وجهها إلى ابن جهور وابن عباد وغيرهم من الملوك والأمراء، كقوله:
ونهجك سبل الرُّشدِ في قمع منْ غوى
- وعدْلك في استئصال مَن جار واعتدى
- الإخوانيات: إنّ قصائد الإخوانيات عند ابن زيدون متنوعة المواضيع، فمنها ما هو عتاب ومنها ما هو اعتذار، أو طلب استشفاع أو شكر، ومنها ما هو دعابة، كقوله ممازحاً أبا عبد الله البطليوسي:
أصِخْ لمقالتي.. واسمعْ
- وخذ فيما ترى.. أو دع
وأَقْصِرْ بعدها أو زِدْ
- وطِرْ في إثرها أو قَع
- الرثاء: تعددت قصائد ابن زيدون في الرثاء، فمنها ما هو رثاءٌ خالص ومنها ما خالطه المديح كقوله:
هو الدهرُ فاصبر للذي أحدث الدهرُ
- فمن شيم الأبرار -في مثلها- الصبرُ
- الحبسيات: تنوعت مواضيع الحبسيات في شعر ابن زيدون كذلك، فمنها الغزل والمديح والحنين، والتي جمعها مع بعضها موضوع أساسي، ألا وهو سجنه ومعاناته فيه ورغبته الملحّة في الخروج منه، وهذه إحدى قصائد السجن التي استهلها بالغزل:
ما جال بعدكِ لحظي في سنا القمر
- إلا ذكرتُك ذِكْر العين بالأثر
- الوصف: إنّ جميع قصائد ابن زيدون احتوت على الوصف، فهو يصف الحبيبة ويصف حاله معها، ويصف الخمر، ويصف الممدوح، لكن أيضاً توجد له قصائد تختص بالوصف وحده كقوله في وصف نزول المطر على شاطئ النهر:
كأنّا عشيَّ القطر في شاطئ النهر
- وقد زهرت فيه الأزاهر كالزُّهر
- الخمريات: يوجد لابن زيدون ثلاث مقطعات فقط في الخمريات، فقد بدأ حياة القصور في بلاط ابن جهور الذي لم يكن ممن يتعاطون الخمر، كما أنّ انشغال الشاعر بهمومه الخاصة صرفته عن حياة اللهو والترف خاصةً بعد هجر حبيبته له، فيقول ابن زيدون واصفاً ليلة من ليالي الأنس والبهجة في حدائق إشبيلية وهو يشرب الخمر مع أصحابه:
وليلٍ أَدْمنا فيه شُرْبَ مدامةٍ
- إلى أن بدا للصبح -في الليل- تأشيرُ
وجاءت نجوم الصبح تضربُ في الدُّوجى
- فولت نجومُ الليل والليلُ مقهور
- الحنين إلى الوطن: لم يكتب ابن زيدون في الحنين إلى الوطن سوى أرجوزة واحدة وهو في مدينة بطليوس جاء فيها:
يا دمعُ صُب ما شئت تَصُوبا
ويا فُؤادي آنَ أنْ تذوبا
إذِ الرزايا أصبحت ضروبا
- المطيرات: هو فن ابتكره ابن زيدون وهو نوع من النظم يقوم على الألغاز والأحاجي التي تدور حول أنواع الطيور، ويكون في القصيدة بيت أو بيتين فيهما مفتاح اللغز، حيث يدل كل حرف على طير من الطيور، وعلى الشاعر الآخر أن يرد بقصيدة يذكر فيها البيت المجهول الذي يحتوي على حل اللغز، لكن يبدو أن هذا النوع من الشعر لم يستهوي الشعراء لذا مات بموت ابن زيدون.
المصدر: mawdoo3.com